ما هي البشرى التي تحملها الحركة الشرقية الجديدة "جاء دورنا"؟

الحركة اليهودية الشرقية التي أطلقت حديثاً، “العصر الذهبي- جاء دورنا”، تثير الكثير من الأمل والتأييد وحب الإستطلاع ولكن هل تحمل هذه بشرى عملية  حقاً؟
موران ميموني

 

معظم الناس يعتقدون بأنهم مصوتون عقلانيون لكنهم بالحقيقة ليسوا كذلك. الأبحاث تظهر بأن الأشخاص يصوتون وفقاً لأنماط تصويت أهاليهم، وتعالوا لا نتغاضى عن عنصر الهوية: عندما أقوم بدس الورقة في الصندوق فأنا لا أفكر فقط بالأيديولوجية السياسية- أنا أرى نفسي أيضاً من خلال عيون المجتمع وأتصور الطريقة التي يظهر فيها تصويتي بعيون الآخرين. الخلفية الثقافية لكل واحد من الأطراف بالخارطة السياسية تلعب دوراً حاسماً بامكانية اعطائنا صوتنا له حتى عندما نقف لوحدنا خلف الستار. تعريف اليسار الإسرائيلي مع النخبوية والنفاق هو جزء من السبب الذي يصعب على الكثير من الشرقيين التصويت له، وبإمكان ذلك أيضاً أن يفسر، على الأقل بشكل جزئي، لماذا نجد الكثير من الأكاديميين اللذين يصوتون له بالذات.

للحركة الجديدة “العصر الذهبي- جاء دورنا” (وتستخدم عبارة “العصر الذهبي” عادةً لوصف فترة الازدهار الثقافي التي عاشها اليهود في إسبانيا بظل الحكم الاسلامي) هناك هوية مبلورة نسبياً: الحديث عن رجال ونساء واثقين بآرائهم، لا يرهبون التعليم، تقليديين ويحبون الاستماع إلى الموسيقى الشرقية. هم يعرفون بأن ثقافتهم سرقت منهم وبأنهم عملياً نوع من المخلوقات الهجينة التي ولدتها الصهيونية الأشكنازية. هم أبناء المكان بالمعنى الرحب. هم أقرب بكثير للشرق الأوسط، بتراثهم وثقافتهم، من الأشكنازيين في إسرائيل، هؤلاء اللذين قرروا بأن الموروث الذي أحضره الشرقيون إلى إسرائيل غير مرغوب به، وأقصوا الشرقية بذلك من الانتماء للإسرائيلية (فكما يقال، على سبيل المثال، الموسيقيين الأشكنازيين يصنعون موسيقى إسرائيلية أما الموسيقيين الشرقيين فيصنعون موسيقى شرق-أوسطية). التاريخ الجماعي الذي يستند إليه أعضاء “جاء دورنا” يشمل “الفهود السود” (ولكن ليس “القوس الديمقراطي الشرقي”، كما يبدو)، ومخيمات القادمين الجدد (التي اضطر القادمين الشرقيين إلى المكوث فيها بعد وصولهم إلى البلاد)، وأولاد  الثعلبة (بمعظمهم أولاد لقادمين جدد من شمالي أفريقيا أرسلوا ببداية الخمسينات إلى معسكرات علاج حيث يعتقد بأنهم مروا بعلاج تجريبي كان السبب لموت العديد منهم)، وقضية الأولاد اليمنيين (اللذين اختطفوا بسنوات الخمسينات من أهاليهم) والمدارس المهنية (التي أرسل الشرقيين للتعلم فيها لتوجيههم الى الطبقات السفلى)، وبالأساس الشعور بالغربة في المكان الذي من المفترض أن تشعر بأنه أقرب ما يكون إلى البيت. قد يتعاطف الكثير من الشرقيين مع هذا التاريخ الجماعي لأنه تاريخنا الشفهي. ربما لا يتم تدريسه في المدرسة لكننا نسمعه من أهالينا، جداتنا وأجدادنا، أعمامنا وعماتنا.

الصحوة الشرقية التي شهدتها السنوات الأخيرة نجحت في استقطاب الكثيرين-  ذلك دون شك بفضل وجوه مثل عدي كيسار ومجموعتها “عرص-بوئيتكا” (مجموعة شعراء وشاعرات شباب من أصول شرقية)، أوفير طوبول (مؤسس “جاء دورنا”) و”كافيه جبرالتار” (المجلة الالكترونية التي كان من مؤسسيها والتي عنيت بثقافة وموسيقى اليهود الشرقيين)، اورتال بن ديان وصفحتها على الفيسبوك ومثقفين وفنانين آخرين سئموا من السكوت. في أعقاب الانتخابات الأخيرة بدا بأن المرحلة المنطقية القادمة هي انشاء تنظيم سياسي ينجح في تشكيل صوت وبيت سياسي لكل هؤلاء المواطنين اللذين لا ينتمون للعبة السياسة الأشكنازية الداخلية، أو على الأقل يوفر لهم بديلاً لائقاً لا يكون بمثابة أهون الشرين إنما بمثابة تمثيل سياسي حقيقي بالإمكان التعاطف معه. “جاء دورنا” من المفترض بأن تملئ هذا الفراغ ولكني، بعد أن تواجدت بمؤتمر اطلاقها التل أبيبي (والأول) قبل حوالي الشهر، أعتقد بأنهم لم يصلوا إلى هذا المكان بعد.

“جاء دورنا” تتمتع الآن من القدرة الكامنة بكل شيء جديد، ولكن ليس من المؤكد بأن الدعم والتأييد وحب الاستطلاع ستترجم لقوة سياسية حقيقية اذا لم تكن هناك، الى جانب الأمل، أيضاً بشرى عملية أكثر يجلبها هذا التنظيم معه

ممثلين عن مجموعة المؤسسين تحدثوا، واحداً تلو الآخر، وايرز بيطون (الشاعر الشرقي الذي حصل على جائزة إسرائيل)، الذي لم تعد هناك حاجة لتعريفه، ألقى كلمة هو الآخر: تحدثوا عن المظالم التي يتحدثون عنها هم وغيرهم منذ سنوات: شرحوا من أين يأتون والى أين يرديون الذهاب لكنهم لم يشرحوا بأية طريقة سيتم ذلك. لم يعرضوا طرحاً واضحاً وموحداً بامكانه أن يساعد كل شخص من بين العشرات التي تواجدت بالحانة الصغيرة في جنوب تل أابيب على تصور المسار اللذي سيقودونا من خلاله لتحقيق الحلم وخلق إسرائيل أفضل.

بشكل ملفت، المتحدث الأكثر واقعية كان حجاي اوزن الذي شرح كيف تستطيع الثقافة، الفن والشعر بأن تكون جسراً، بالإمكان من خلاله ومن الواجب ربط إسرائيل ومواطنيها بالحيز الذي نعيش به. خلال محادثة شخصية لي معه قبل ابتداء المؤتمر شرح لي بأن فكرتهم تقوم على مبدأ دراسة كل قضية- سياسية، اقتصادية، اجتماعية- على حده، واتخاذ موقف وفق قيمهم الإنسانية. قد تكون السياسة الإسرائيلية بحاجة لشيء من هذا القبيل ولكن كيف يمكن تجنيد الناس بهذه الطريقة؟ ما هو موقفهم من القضايا الأمنية؟ ما هو موقفهم من الشؤون الخارجية؟ ما هي المبادئ الموجهة في كل ما بتعلق بقضايا الدين والدولة؟.

اذاً لم يكن هناك الكثير من التجديد عملياً. المؤسسين والمؤسسات قالوا أشياءً هامة، ايرز بيطون كان ملهماً، ولكن لم يطرح هناك أي شيء لم نسمعه من قبل. الانفعال (المثير، بحق) يبدو ظاهراً عليهم وهذا بالطبع يميزهم عن سياسيينا- المحنكين، المفتعلين والمنقطعين. هذه الإنسانية، الى جانب الطريق التي قطعوها، كل على حده وسوية، تخلق الكثير من الثقة والأمل حتى. مع ذلك، فمن المفضل بأن يعرضوا خطوطاً عريضة واضحة للطريق التي يريدون أن يسلكوها لتحقيق الأهداف: من المحبذ بأن يتحدثوا عن شركائهم السياسيين المحتملين وعن من لن يقف في صفوفهم بالتأكيد (هل من الممكن بأن يكون “البيت اليهودي” شريكاً؟ وإذا ما كان الجواب إيجابياً، أين يموضع ذلك القائمة العربية المشتركة؟ فالحلول الموضعية لن تنفع عندما يكون الحديث عن تركيبة الائتلاف): من المحبذ أيضاً بأن يشرحوا ماذا ستكون مصادر التمويل لخططهم الاقتصادية (الملتبسة بالوقت الحالي).

“جاء دورنا” تتمتع الآن من القدرة الكامنة بكل شيء جديد، ولكن ليس من المؤكد بأن الدعم والتأييد وحب الاستطلاع ستترجم لقوة سياسية حقيقية اذا لم تكن هناك، الى جانب الأمل، أيضاً بشرى عملية أكثر يجلبها هذا التنظيم معه.

صحافية وصاحبة لقب ثاني بعلم الإجتماع.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.