سموطريتش، ترامب وما بينهما

اذا ما قارنا بين القيادات الإسرائيلية والمرشحين الأكثر هلوسة بالحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، لوجدنا بأن تصريحات مثل تصريحات ليبرمان، ياريف لافين، بنيت وشاكيد- هي متطرفة جداً حتى بالنسبة لكروز وترامب: ترامب يتحدث فقط عن جدار فصل، أما هنا فالجدار أمر واقع
عبد أبو شحاده

 

ولنفترض بأن يعتلي ترامب المنصة ويطالب أقسام الولادة بفصل النساء السود عن البيض مبرراً ذلك بادعاءات نمطية: كأن يقول كل السود يحبون إقامة حفلة بعد كل ولادة مع أغاني هيب هوب صاخبة بينما البيض فهم أناس متحضرون أكثر يحبون الحصول على الراحة بعد أن بوركوا بالولادة. في نفس اليوم كانت ستطلق استنكارات لتصريحه التعيس والعنصري معتبرة بأن مكانه بالقرون الوسطى. في الحقيقة، أشك بأن يكون ترامب حتى غبي وعنصري لدرجة أن يقول ذلك. أما بالسياسة الإسرائيلية فالتصريحات التعيسة والعنصرية لأعضاء الحكومة وصائغي السياسيات فهي جزء عادي في المشهد، بينما نحن، النشطاء الديمقراطيين، نجد أنفسنا مضطرين لكتابة مقالات عن كون هذه التصريحات، مثل تصريح سموطريتش حول فصل النساء بأقسام الولادة، مرفوضة من أساسها، ولأن نشرح للمجتمع الإسرائيلي إشكاليتها الأخلاقية.

في حين صدم الشعب الأمريكي والعالم كله من اقتراح دونالد ترامب بناء جدار فصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، انطلقت هذه الفكرة في إسرائيل من ملك اليسار اسحاق رابين منذ العام 1991

بشكل عام، عندما ننظر الى الانتخابات في الولايات المتحدة بالإمكان القول بأن أقوال المرشحين  الأكثر هلوسة من الحزب الجمهوري تمثل، في أحسن حال، المواقف المعتدلة أكثر لرؤساء حكومة إسرائيل المتعاقبين.

قبل أسبوعين التقيت بنشطاء أفرو-أمريكيين من حركة “Black lives matter” وعرضت أمامهم مواقفي، كناشط بحزب التجمع، حول الحل المناسب للوضع في إسرائيل، ونضالنا من أجل مجتمع متساوي يعتمد على مبادىء مدنية، على دولة تحترم مواطنيها وتنظر اليهم كمتساوي الحقوق. في مرحلة لاحقة من المحادثة أوضحت لهم بأن التجمع يعتبر حزب متطرف وغير محبوب في المجتمع الإسرائيلي. فنظروا إلي بتعجب ولم يفهموا أين التطرف فيما قلت. بحسب رأيهم، من المفترض بأن تكون هذه الأمور مفهومة ضمناً. كل من يخرج ضد هذا الطرح يناقض مبدأ الليبرالية. من الواضح لهؤلاء النشطاء بأنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية عندما تقدس الغالبية رؤيا عنصرية من أساسها، وتعتقد بأنه يحق لها الحصول على حقوق فائضة فقط بفضل يهوديتها.

لكي نفهم بشكل عميق لأية درجة الخطاب الديمقراطي في إسرائيل متأخر عن العالم، يجب مقارنة أعمال القادة في إسرائيل مع التصرايحات المهلوسة للمرشحين الجمهوريين الحاليين. ففي حين صدم الشعب الأمريكي والعالم كله من اقتراح دونالد ترامب بناء جدار فصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، انطلقت هذه الفكرة في إسرائيل من ملك اليسار اسحاق رابين منذ العام 1991، الأمر الذي بدا طبيعياً وشرعياً حتى أنه مر دون أية معارضة تذكر- لا من اليسار ولا من اليمين.

عندما صرح تيد كروز بأنه سيضمن قيام قوات الأمن بالتجسس على المواطنين الأمريكيين المسلمين، بيل بيرتون، قائد شرطة نيويورك بنفسه، ندد بهذا التصريح التعيس ودافع عن رجال الأمن المسلمين، معتبراً بأن هذه الفكرة لا تركب على العقل، لا سيما وأن الناس اللذين يطالب كروز بتعقبهم هم أنفسهم اللذين يقومون بحمايته. في إسرائيل، بالمقابل،من الشرعي جداً بأن تتجسس قوات الأمن على المواطنين العرب: وفي حالة البدو، فلا ضير من تجنيدهم (للجيش) وإرسالهم للموت من أجل الأغلبية اليهودية ومن ثم هدم بيوتهم بالقرى غير المعترف بها.

يخطئ من يظن بأن القادة الإسرائيليين يوجهون تصريحاتهم فقط للفلسطينيين والعرب. اذا ما قارنا تصريحات ترامب حول طالبي اللجوء من دول أمريكا اللاتينية بأعمال حكومة إسرائيل تجاه طالبي اللجوء من الدول الأفريقية، سنميز رؤى متماثلة. وجهات النظر هذه تعتد على نزع الإنسانية عن اللاجئين من دول العالم الثالث، الكفر بالمبدأ الليبرالي وحتى الفشل المطلق في رؤية هؤلاء الناس كضحايا، وكأنه لا يمكن تصور ما مروا به لكي يصلوا إلى هنا. وعليه، لم أكن لأتفاجأ اذا ما كانت ميري ريجيف هي التي كتبت خطاب ترامب الشهير الذي وصف به المكسيكيين كمغتصبين وخارجين عن القانون.

 اذا كنتم تريدون تصور ماذا سيحل بالولايات المتحدة اذا ما تم انتخاب هؤلاء المرشحين، فالإجابة بسيطة: ستتحول لدولة إسرائيل- عنيفة، عنصرية وتبغض الأقليات- ولكن على مستويات أكبر بكثير!

حتى تصريحات ترامب ضد المواطنين الأفرو-أمريكيين تحصل على بعد ملموس هنا، على سبيل المثال، في معاملة دولة إسرائيل لمواطنيها الأثيوبيين: من حقن منع الحمل للحد من خصوبة النساء الأثيوبيات وحتى مقتل الشاب يوسف سلامسا بيد شرطة إسرائيل.

نهايةً، يجب توضيح نقطة هامة فيما يخص الفارق المركزي بين قادة الحزب الجمهوري الحاليين وبين القيادات الإسرائيلية المتعاقبه. تصريحات المرشحون الجمهوريون، اللذين ليس من المؤكد بأن يتم إنتخابهم، تبقى بمثابة دعاية انتخابية. القادة الإسرائيليون، على عكس ذلك، يصيغون سياستهم في ظل رؤيا عنصرية. تصريحات مثل تصريحات ليبرمان، ياريف لافين، بنيت وشاكيد- هي متطرفة جداً حتى بالنسبة لتيد كروز ودونالد ترامب. لا تفهموني بطريقة خاطئة، الولايات المتحدة بعيدة عن أن تكون ديمقراطية مثالية، ويجب عدم نسيان المظالم التي أوقعتها على الأقليات غير البيضاء وعلى دول أخرى. ولكن، على الأقل، بإمكاننا أن نميز وجود خطاب ليبرالي هناك يتحدى الحكم ويطمح لمجتمع متساوي أكثر. في إسرائيل هناك النقيض: خطاب الجمهور كاسر وعنيف ويسعى إلى ابادة أية معالم للمساواة وحقوق الإنسان.

اذا كنتم تريدون تصور ماذا سيحل بالولايات المتحدة اذا ما تم انتخاب هؤلاء المرشحين، فالإجابة بسيطة: ستتحول لدولة إسرائيل- عنيفة، عنصرية وتبغض الأقليات- ولكن على مستويات أكبر بكثير!.

ناشط في “التجمع” وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.