لا تعايش بدون عيش: عن الفوارق بين المبادرات الشرقية الجديدة

انطلقت على مدى العام الأخير عدة مبادرات يهودية شرقية، كانت آخرها “العصر الذهبي- جاء دورنا” و”الشرقية المشتركة”. ناشطان في “جاء دورنا” يوضحان، من وجهة نظرهما، الفوارق بين هاتين في أسئلة السيادة السياسية وتسليط النظر
عوديد ساسبورطس وايتمار طوبي

 

“لا شراكة بلا عملية تحرر تسبقها. لا تعايش بدون عيش. على كل مجموعة أن تحرر نفسها أولاً وأن تضمن وجودها الأساسي قبل أن تكون مستعدة للخروج والارتباط بمجموعات مقموعة أخرى”، نبيلة إسبنيولي.

على مدى العام الأخير انطلقت مبادرات سياسية مختلفة، كانت أبرزها بالأشهر الأخيرة تماماً: “العصر الذهبي- جاء دورنا” (وتستخدم عبارة “العصر الذهبي” عادةً لوصف فترة الازدهار الثقافي التي عاشها اليهود في إسبانيا بظل الحكم الاسلامي) و”الشرقية المشتركة“- حركتين أقيمتا بيد ناشطين وناشطات مركزيين بالخطاب والمشهد الشرقيين. ربما تأثرت كلا الحركتين بالتوجهات التي تشكلت بالسنوات الأخيرة، إلا أن الفوارق بينهما بارزة بشكل جوهري لا سيما حول سؤال سياسة السيادة.

إستمرارية طبيعية مقابل أزمة

“جاء دورنا” هي حركة سياسية مدنية صهيونية-شرقية، تسعى إلى تناول المسائل الداخلية والأوضاع، المادية والروحانية، لسكان الضواحي- وهم بغالبيتهم شرقيين- في المجتمع الإسرائيلي. بالإمكان اعتبار المصطلح صهيونية-شرقية كرؤيا تنظر إلى بناء الهوية السياسية والقومية كإستمرارية طبيعية للرؤيا التقليدية والدينية التي كانت حاضرة بالصلوات وبأشعار الحنين التي نظمها اليهود منذ ألفي سنة، ذلك على الاختلاف من التوجه الضيق الذي يعتبر الصهيونية فقط كحل لأزمة يهود شرق أوروبا قبل وخلال الحرب العالمية الثانية.

ماراثون مقابل سباق 60 متر

الرؤيا التي تحملها “جاء دورنا” مناسبة لسباق ماراثون. نعم، الطريق للسلام طويلة، ولا تحتمل الطرق المختصرة والمغرية ولا بد لها أن تمر أولاً بإصلاح الشق الشرقي. “الشرقية المشتركة”، في المقابل، تمتاز برؤيا مناسبة لسباق 60 متر. أعضائها يتحدثون برومانسية عن خلق نضال مشترك ومثالي مع الفلسطينيين كشرط رئيسي لخلق واقع سياسي وإجتماعي يأخذ الشرقيين بعين الإعتبار. بكلماتهم: “يدعو الواقع السياسي والاجتماعي الهوية اليهودية الشرقية والهوية الفلسطينية لجدول أعمال جديد. مثلا: توسيع مناطق نفوذ بلدات التطوير والمدن العربية، النضال ضد نسبة الحبس الزائدة للشرقيين والفلسطينيين، النضال ضد منظومة التعليم التي تميز وتوجه الطلاب إلى أسفل السلم الإجتماعي، ضد محو ثقافتنا وتاريخنا، ضد عنف الشرطة والعنصرية” وما الى ذلك.

“الشرقية المشتركة” صعدت مؤخراً إلى مبنى الكنيست للالتقاء بأعضاء الكنيست عن القائمة العربية المشتركة. ربما يدل ذلك على رؤيا سيادية إتكالية، تفترض بأنه بدون النضال الفلسطيني من غير المسموح أن ينبس الشرقيين بحرف واحد وأن يحاولوا التعبير عن أنفسهم سياسياً. هناك شيء مثير بهذا ففي عام 2016، نرى بأن المجتمع الفلسطيني بإسرائيل منمق، مثقف، مطلع وجازم: صحيح بأنه يتم اعتباره كمجتمع معادي، ولكن مقارنةً ب”الشرقية المشتركة” فهو ليس بحاجة للصوت الشرقي لكي يصيغ مواقف سيادية ومستقلة.

النظر الى الداخل مقابل النظر الى الخارج

تغيير الخطاب حول الوضع الشرقي هو الشرط لتغيير أي مجال آخر، وليس العكس. ولكن لكي نستطيع كشرقيين أن نتحرر من القبضة، الروحانية والمادية، الخانقة، يتوجب علينا ان نعود للتفكير التكاملي، أيضاً من خلال صهيونية شرقية

فارق جوهري إضافي هو قبلة تسليط النظر والجمهور المتخيل: بينما تسعى “الشرقية المشتركة” الى خلق ائتلاف عذب بين الشرقيين والعرب كشرط مسبق للتعبير السياسي الشرقي-السيادي، “جاء دورنا”- حتى ولو أنها تفترض بأن هناك علاقة ثقافية معينة بين المجموعتين القوميتين- فهي لا تنطلق من افتراض بأنه يجب العمل الآن سوية لحل المشكلات، بل يجب النظر بتعاطف إلى الداخل، إلى بيتنا الفعلي، هناك نكتشف بأن المشاكل بأساسها ليست مشاكل هوية.

“جاء دورنا” تفترض بأنه من أجل التعاطي مع سؤال السلام مثلاً، علينا أن نمر بقضية الوضع التعليمي-الاقتصادي-الروحاني لليهود المنحدرين من الدول الإسلامية، وأن نتعاطى عملياً مع القضايا الاجتماعية التي بالإمكان تعليقها على محور المنشئ\الضواحي، والقضايا المركزية والجوهرية المتعلقة بالحياة داخل المجتمع الإسرائيلي. انتباه “جاء دورنا” مسلط على القضايا الداخلية وليس على تلك الشاملة: من تغيير الأولويات بميزانيات الحكومة، مروراً بالتمثيل السياسي المتساوي (المطلب الذي رفعه “الفهود السود” بأنفسهم بالتوازي مع مطلب انهاء الحكم العسكري)، وصولاً لتغيير البنية الثقافية التي تعمل على استدامة قوة هؤلاء القلائل اللذين قاموا بصياغة إسرائيل الرسمية على شاكلتهم.

الشمولية وانعدام التسامح

“الشرقية المشتركة” تمرر وتتنازل عن الحوار مع المجتمع الإسرائيلي، إلا اذا انتصب الشرقيين على أقدامهم ووقفوا، الآن وهنا، إلى جانب قضايا خارج وجودهم الأساسي، أما إذا لم يفعلوا ذلك- فليستمروا، ربما كعقاب، بعيشة الفقر، التهديد الأمني وانعدام فرص التعليم العالي. في المقابل، تم وسم أعضاء “جاء دورنا” بالحيز الإفتراضي منذ الآن ك”فاشيين” بسبب رفضهم التخاطب باللغة الدارجة بين اليسار التل أبيبي: نفس اللغة التي تعتبر القضية الفلسطينية مقدسة، مطلقة، مثالية وحصرية.

بالفعل، “جاء دورنا” بعيدة عن تقاليد اليسار الإسرائيلي الأبيض الذي يلوح بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني بينما يتجاهل الفيل المتواجد في الغرفة- الوضع الشرقي. ربما تخيفهم البساطة التي نفهم فيها أنفسنا كجزء من هذا الحيز، من تاريخه، من علاقتنا بهذه الأرض- على لون البشرة، المأكولات واللغة. هويتنا السيادية، تلك التي تاقت الى أرض إسرائيل لآلاف السنوات لا ترتبط ولا تمر بالفلسطينيين، بوعي الشق الأشكنازي أو بشمولية غريبة عنا يقصد بها التربية. في أحسن الحالات فهي تتقاطع معها.

المبدأ والمنطق

تغيير الخطاب حول الوضع الشرقي هو الشرط لتغيير أي مجال آخر، وليس العكس. ولكن لكي نستطيع كشرقيين أن نتحرر من القبضة، الروحانية والمادية، الخانقة، يتوجب علينا ان نعود للتفكير التكاملي، أيضاً من خلال صهيونية شرقية. عودة الى “العصر الذهبي” بالثقافة لكي نحافظ على مكانتنا الروحانية، بالاقتصاد لكي نعيش دون تهديد الفقر. نحن بحاجة لإمكانية لتصور المستقبل. نحن بحاجة لمعلمين جيدين لا لعنصريين، علينا أن نرمم صورتنا- صورتنا الذاتية الجماعية التي ضربت بيد جهاز التعليم والتصورات السلبية التي ينشرها الإعلام والتي تخنق وتضيق على أحلام، حريات وطموحات الشرقيين منذ سنوات.

من الناحية المبدئية، الميدان يشتعل حول سؤال شرعيتنا للعمل كلاعبين سياسيين مستقلين، كأصحاب حق للتعبير بشكل سيادي، حميمي وداخلي. من الناحية المنطقية، تبعاً لأقوال نبيلة إسبنيولي الملفتة للنظر، فما دام ليس هناك نضال شرقي منمق، سيادي، يعتمد على التعاطف الداخلي- لن تكون هناك امكانية حقيقية وواقعية للتعاطي مع مشاكل أخرى، كالتعاطي مع حل الصراع. كل إمكانية أخرى التفافية ستكون بمثابة طريق مختصرة، عديمة التسامح، متسرعة، سطحية وخطيرة.

ما هي البشرى التي تحملها الحركة الشرقية الجديدة “جاء دورنا”، موران ميموني.

لماذا أقمنا “الشرقية المشتركة” الآن بالذات”، ألموج بيهار.

عوديد ساسبورطس يحمل لقب أول بالفلسفة وطالب لقب ثاني في العلوم السياسية بالجامعة العبرية. ايتمار طوبي هو خريج كلية اللغة والأدب الألماني ويحمل لقب ثاني من قسم علم الاجتماع بالجامعة العبرية. كلاهما ناشطان بحركة “العصر الذهبي-جاء دورنا”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.