وثائق بنما تكشف عن إقتصاد الظل

الوثائق التي كشفت مؤخراُ تظهر بأنه أيضاً في إسرائيل هناك “إقتصاد أسود” للسياسيين وأصحاب المال: التهرب الضريبي يكبر عدم المساواة بين المواطنين ويمس بإمكانية خلق أماكن عمل جديدة
يوسي دهان

 

مصدر مجهول الهوية سرب أكثر من 11 مليون وثيقة من شركة محاماة بنماية غامضة إسمها “موساك فونسيكا”. الوثائق التي تمت دراستها لمدة أكثر من سنة من قبل ممثلين عن منظمة الصحافيين الإستقصائيين “ICIJ” وعن الصحيفة الألمانية “سودويتشه تسايتونغ”، تظهر صورة مظلمة عن وجود إقتصاد ظل: في إطار هذا الإقتصاد، منظومة ملتوية من التهرب الضريبي، الصفقات السرية والشركات الوهمية تساعد نخبة عالمية من الأثرياء، القادة السياسيين، المشاهير والمجرمين في التستر على ثرواتهم. الوثائق تكشف عن صفقات سرية وتحويلات مالية أثرت رئيس روسيا فلاديمير بوتين ومقربيه، عائلة رئيس الصين ورؤساء حكومات وطغاة في الحاضر والماضي.

المجال الذي تتخصص فيه “موساك فونسيكا” المجهولة هو خلق هياكل تنظيمية وملاجئ ضريبية للتستر على ملكية عقارات وثروات لصالح شركات وأفراد من أصحاب المال. الاستعراض الأولي للوثائق التي سربت يكشف عن الأصحاب السريين لحسابات بنوك وشركات في 21 ملجأ ضريبي بأماكن مثل جزر البهاما، جزر العذراء، سنغافورة وغيرها.

لدى “موساك فونسيكا” فرع في إسرائيل. هذا الفرع قدم خدماته ل-600 شركة إسرائيلية و-850 من أصحاب الأسهم الإسرائيليين. هذه شركات يقف على رأسها محاميو النخبة من أمثال يعقوب فاينروت ودوف فايسجلس، ومليارديرية إسرائيليين مثل عيدان عوفير وتيدي ساجي. لا بد من التذكير هنا بأنه وقبل حوالي السنتين إتضح أيضاً بأن جزء من مدخولات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وجدت طريقها لحساب بنك في الجزيرة البريطانية الصغيرة جيرسي- ملجأ ضريبي كانت الميزة الوحيدة التي استطاع عرضها على نتنياهو هي الضرائب المنخفضة.

الاقتصاد الأسود في إسرائيل والعالم لا يخلق بسبب السمكري أو المعلمة التي تعطي دروس خصوصية ولا تبلغ السلطات عنها، إنما وبالأساس بسبب الملاجئ الضريبية التي تحول اليها الأموال من قبل سياسيون يحملون شعار محاربة الفساد، أصحاب مال وشركات إقتصادية.

جبريئيل زوكمان، اقتصادي يدرس في جامعة بركلي في كاليفورنا، والذي كان شريكاً في الكشف عن الوثائق، أعد دراسة رائدة حول حجم الملاجئ الضريبية وإنعكاسها السلبي على الإقتصاد العالمي. في كتابه “الثروات المخفية للشعوب”، يقدر زوكمان بأن 7.6 تريليون (عدد يتضمن على 12 صفراً!) دولار، والتي تشكل قرابة ال-8 بالمئة من الثروة الشخصية المالية العالمية، تختبئ في ملاجئ ضريبية. الشركات وأصحاب المال ممن يملكون ثروات من عشرات ملايين الشواقل يسمحون لأنفسم بالملاجئ الضريبية، لهذا فهم الوحيدين اللذين ينجحون بالتهرب من دفع الضرائب في دولتهم، بينما بقية المواطنون يستمرون بدفعها كما هو معلوم. بهذه الطريقة، يكبر عدم المساواة بين هاتين المجموعتين. الاحباط بين المواطنين اللذين يشاهدون هؤلاء المتهربين من الضرائب يمس، بحسب زوكمان، بإسعتدادهم للتقيد بتعليمات القانون، ويمنع الحكم من تنفيذ مهماته. لتحويل الأموال لملاجئ ضريبية هناك تأثير سلبي إضافي، فهو يمس بإمكانية خلق أماكن عمل جديدة لأنه يشجع الناس والشركات على إرسال أموالهم خلف البحر بدل إستثمارها داخل الدولة.الملجأ الضريبي يتكون عندما يتم تحويل أموال إلى دولة مستوى الضرائب فيها منخفض جداً، مثل جزائر العذراء أو الجزيرة جيرسي. عندما يقوم أصحاب المال والشركات بتحويل أموالهم من إسرائيل إلى تلك الدول فهم عملياً يتهربون من دفع الضرائب في الدولة التي يستقرون فيها ويوفرون على أنفسهم الكثير من الأموال. في اللغة المهنية، تسمى هذه العملية تخطيط ضريبي مشروع، وهي بالفعل مسموحة وفق القانون، ولكن المزيد من الدول التي تخسر مدخولات ضخمة بسببها، تبذل جهود بالسنوات الأخيرة لسد هذه الثقوب.

حسب زوكمان، إحدى الطرق لمحاربة هذه الظاهرة هي جعل التبليغ عن تحويلات الأموال هذه الزامياً، وبهذا خلق مجمع تسجيل مالي يتضمن على كل حركات الأموال في العالم. تم تشريع قانون من هذا النوع في الولايات المتحدة مؤخراً.

الوثائق التي كشفت تؤكد على أقوال مدير سلطة الضرائب سابقاً، دورون أربيلي، الذي قدر بأن “80 بالمئة من الأموال السوداء تتواجد بالتخطيطيات الضريبية المكثفة. ال-20 بالمئة المتبقية تتواجد بالمصالح الصغيرة”. الاقتصاد الأسود في إسرائيل والعالم لا يخلق بسبب السمكري أو المعلمة التي تعطي دروس خصوصية ولا تبلغ السلطات عنها، إنما وبالأساس بسبب الملاجئ الضريبية التي تحول اليها الأموال من قبل سياسيون يحملون شعار محاربة الفساد، أصحاب مال وشركات إقتصادية.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.