نظرية التمدن ومشروع النهب

نظرية التمدن التي طبقت على اليهود المهاجرين من الشرق الاوسط والفلسطينيين اللذين بقوا في وطنهم، بنت الأسس لعلاقات القوة في إسرائيل ولهرمية القمع في المجتمع الاسرائيلي
نجمة علي

 

خدمت المؤسسة الاكاديمية الاسرائيلية منذ تأسيس اسرائيل المشروع الصهيوني ضمن اطار بناء الدولة، وسعت إلى شرعنته نظرياً من خلال البحث الاكاديمي الذي سيطرت عليه نظرية التمدن حتى سنوات السبعينات. هذه النظرية التي احتضنها حقل العلوم الاجتماعية الذي تأسس في إسرائيل عام 1949 في الجامعة العبرية تم تطبيقها على اليهود المهاجرين من الشرق الاوسط  والفلسطينيين اللذين بقوا في وطنهم، حيث تمت دراستهم كأمثلة بحثية من أجل إثبات الدور الايجابي لدولة اسرائيل في تطوير هذه المجموعات.  بنت هذه النظرية الأسس لعلاقات القوة في إسرائيل ولهرمية القمع في المجتمع الاسرائيلي ولكنها أيضا “لمَعت” وأعطت شرعية لتأسيس إسرائيل على بقايا الشعب الفلسطيني خصوصاً في الأراضي المحتلة عام 1948، وفيما بعد أسست أيضاً  لفكرة “الاحتلال المتنور” عند احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967.

أهمية هذه النظرية تكمن في “شرعنة” كل ما هو غير قانوني وأخلاقي على مذبح “التقدم” و”التطور” و”الديمقراطية”، مقابل “الاخر” الضعيف، المتخلف والتقليدي، وهو في هذه الحالة الفلسطيني.  بموجب هذه النظرية يتم تصوير إسرائيل ككيان غربي وديمقراطي في الشرق الاوسط “المظلم” وكأنها مشروع نهضوي يأتي بالفائدة على الفلسطينيين المتخلفين والمحافظين والتقليديين.

فعلياً هي نفس النظرية التي استعملت لتبرير أية قوى استعمارية في العالم -حيث يتم التشديد على أن هذه القوى تأتي بالفائدة على السكان المحليين وتمدنهم وتطورهم وتجعلهم “غربيين”.  أحد أهم سمات هذه النظرية أنها تعتبر المبنى الاجتماعي لمجموعات البحث وثقافتها- والتي تكون المجموعات الأضعف في المجتمع أو الدولة- السبب الرئيسي في تخلفها وفي مكانتها الهامشية: وكشرط أساسي للتطور والتقدم يجب نبذ هذه الثقافة وهدم المبنى المجتمعي، والالتحاق بثقافة القوي ومبناه الاجتماعي. اذاً فإن نظرية التمدن تحمل “الضحية” مسؤولية ضعفها والسبب الرئيسي لذلك هو ثقافتها، متجاهلة السياق السياسي وعلاقات القوة بين المجموعات كعوامل أساسية في ممارسة القمع المستمر. هكذا بدل التعامل مع الاقلية الفلسطينية في إسرائيل كمجموعة سياسية تخضع لمنظومة قمعية نتيجة لمبنى القوة الإسرائيلي، يتم التعامل معها كمجموعة إثنية، ثقافية وتقليدية.

نظرية التمدن شكلت الغطاء الاكاديمي لمشروع النهب ولترويض الفلسطيني واليهودي العربي – الذي تم تبني اسم “الشرقيين” كمحاولة لانتزاع اي صفة تمت بالجانب العربي من هويتهم الثقافية.

نتيجة لذلك، تساهم نظرية التمدن في تعزيز تذويت الشعور بالدونية لدى الفلسطيني وخلق حالة من الانبهار والاعجاب الاعمى  بكل ما هو “إسرائيلي” وكل ما هو قادم من عند “الخواجات”. فنرى من يهلل ويطبل ويزمر لقامعه لدرجة تقليده – ليس ظاهرياً فقط بل سلوكياً ايضاً، ليبحث المقموع عن فئة أخرى أضعف منه يستطيع ممارسة قمعه عليها. هذا التحليل من الممكن أن يقدم تفسيراً للعلاقة بين اليهود الشرقيين والاقلية الفلسطينية في إسرائيل على سبيل المثال. كونهم ضحية للسياسة القمعية الممارسة عليهم من قبل المؤسسة، وبالرغم من وجود عامل ثقافي مشترك- إلا أن محاولات أو تجارب العمل السياسي المشترك متواضعة جداً. سبب إضافي لذلك هو عدم اختراق اليهود الشرقيين سقف الاضطهاد الفئوي نحو تبني الاضطهاد القومي، كتوصيف لحالة القمع التي يعايشونها.

في المقابل، فإن تذويت الاستعلاء الأعمى يكون من نصيب القوي: هذا الاستعلاء الذي يجعل الإسرائيلي لا يرى صورته البشعة في العالم، ولا يستطيع استيعاب أي انتقاد لسلوكه الانساني والاخلاقي– لأنه من غير الممكن أن يكون “سيئاً” و “قامعاً” و”محتلاً” وفي نفس الوقت متقدماً ومتطوراً ومنفتحاً ومثقفاً ومحباً للحيوانات. لكي تستوي هذه المعادلة، من المهم جداً تدعيمها علمياً وهو ما تم العمل عليه منذ تأسيس إسرائيل وما زال مستمراً حتى يومنا هذا حيث يتم ببساطة نزع الصورة الانسانية عن الفلسطيني والعربي مما يجعل عملية هدم بيت أو قرية بأكملها، مثل العراقيب، أو عملية “قتل” مصورة أو إعتقال ديما الواوي إبنة الاثنا عشر عاماً أو البصق على مسن أو عدم السماح لسيارات الاسعاف بمزاولة عملها، يجعل كل هذه أمورعادية لا تصل إلى عقل وقلب الاسرائيلي، لأن الفلسطيني بكل بساطة ليس انساناً.

نزع الأنسنة عن الفلسطيني يندرج ضمن مشروع النهب الذي لولاه ما تأسست إسرائيل اصلاً: وهو المشروع الذي جرد السكان الاصليين من حقوقهم ومواردهم المادية والروحانية. مشروع النهب الذي يبدأ من سرقة الاراضي والبيوت والكتب والطعام واللباس وأسماء الشوارع والمدن والموسيقى وكل ما يخصهم. نظرية التمدن شكلت الغطاء الاكاديمي لمشروع النهب ولترويض الفلسطيني واليهودي العربي– الذي صار يسمي نفسه يهودياً “شرقياً” كمحاولة لانتزاع أي صفة تمت بالجانب العربي من هويتهم الثقافية. صحيح أن هذه النظرية تراجعت أسهمها أكاديمياً منذ أواخر السبعينات كنتيجة للمتغيرات السياسية والخروج من عهد حكم الحزب الواحد، ونتيجة لظهور باحثين فلسطينيين استطاعوا بكتاباتهم وأبحاثهم تحدي هذه النظرية- إلا انها استطاعت وبكل جدارة تأسيس قاعدة فكرية لا يمكن تجاهلها تاركة أثراً لا يمكن محوه بسهولة.

 طالبة دكتوراة في جامعة اوتاغو بنيوزلندا.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.