هناك في سراديب المخابرات، فقدت السلطة شرعيتها

هناك من يدعي بأن السلطة توفر الاستقرار الاقتصادي والإجتماعي، وبأن بدونها ستحل فوضى عارمة في الضفة. ولكن باللحظة التي تنتهج فيها هذه أساليب تعذيب ضد أبناء شعبها، فهي تفقد أية شرعية لوجودها.
عبد أبو شحاده

 

قبل حوالي الشهرين اقتحمت قوات الأمن الإسرائيلية بيتي، واعتقلتني برفقة اثنين من أعمامي. كانت صدفة بأنني لبست وقت الاعتقال فانلة كتب عليها “فلسطيني” بالعربية. خلال تواجدي في محطة الشرطة توجه إلى شرطيون وسألوني ما المكتوب على الفانيله. بعد ان ترجمت لهم، اعترض أحدهم قائلاً: “من الأفضل ألا تعرف ماذا كان سيجري لو انك معتقل الآن لدى السلطة”. اخترت بألا أجيبه، فحتى لو حاولت أن اشرح له بأن التعذيب النفسي في غرف الشاباك الإسرائيلي أخطر بكثير من التعذيب الجسدي في غرف الشاباك الفلسطيني، أشك بأنه كان سيفهم.

عدا عن ذلك، فالمقارنة ليس بمكانها: في نهاية المطاف، إسرائيل تطبق سياسة احتلال عسكري ينطوي على عنف لا كابح له، ومثل أي شعب تحت احتلال- يحارب الشعب الفلسطيني بدوره من أجل التحرر الوطني. السلطة الفلسطينية هي جسم مؤقت من أجل التحرر الوطني على أساس حدود 67، حسب اتفاقيات اوسلو، جسم يدعي العمل لمصلحة الشعب الفلسطيني. اذا كانت هذه الحال حقاً، فيتوجب طرح علامات سؤال مبدئية حول سياسة التعذيب التي تنتهجها السلطة الفلسطينية ضد أبناء شعبها اللذين يعانون، يوم بيوم، من الاحتلال وانعكاساته.

الشبان المعتقلون

في القضية الأخيرة، اختفى ثلاثة شبان فلسطينيون لحوالي الأسبوع بمنطقة رام الله، ذلك قبل أن تجدهم أجهزة الأمن الفلسطينية. الشبان أخذوا للتحقيق لاستبيان أسباب الاختفاء بيد أن ذلك تحول سريعاً لاعتقال تحت التعذيب. بعد يومين سمح لأهاليهم ومحاميهم بمقابلتهم: في معرض مقابلة لراديو فلسطيني، تحدث أحد المحامين عن العنف الجسدي الذي يتعرض له الشبان على مدار الساعة، مع استراحات نوم تمتد لساعتين أو ثلاث فقط باليوم. تم تمديد اعتقال الشبان ل-15 يوم اضافي كما اعتقل شابين آخرين غير الثلاثة. لا نعرف حتى الآن ما هو رد الشبان على التهم الموجهة ضدهم حول التخطيط لعمليات، لكن اذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن إسرائيل هي التي دربت قوات الأمن الفلسطينية فمن المحتمل بأن يعترف هؤلاء بأنهم هم المسئولون عن تفجيرات 11 سبتمبر(!). هناك بالتحديد، بسراديب الأمن الفلسطيني، فقدت السلطة أية شرعية لوجودها.

كجزء من سياسة التنسيق الأمني، تشكل عملية الاعتقال عملياً توطئة للانتقال إلى سراديب التحقيقات لدى الشاباك الإسرائيلي

هناك من سيدعي بأن السلطة توفر الاستقرار الاقتصادي والإجتماعي، وبدونها ستحل فوضى عارمة في الضفة. بإمكاني أن أوافق مع بعض هذه الإدعاءات ولكن باللحظة التي يتم فيها انتهاج أساليب تعذيب ضد الشعب الفلسطيني المتواجد تحت الإحتلال- يصبح من المؤكد بأن السلطة هي مجرد مقاول بيد قوات الأمن الإسرائيلية، جل وظيفتها الحفاظ على الهدوء حتى يتسنى للاحتلال مزاولة عمله بأريحية. ومن تبعات هذا الوضع العبثي بأن كل معتقل فلسطيني تقوم السلطة بإطلاق سراحه، يتم اعتقاله فور ذلك مرة أخرى بيد قوات الأمن الإسرائيلية (!). هكذا، كجزء من سياسة التنسيق الأمني، تشكل عملية الاعتقال عملياً توطئة للانتقال إلى سراديب التحقيقات لدى الشاباك الإسرائيلي.

اذاً سيكون هناك من يدعي بأنه ولإنهاء الإحتلال يجب العمل بطرق دبلوماسية واختيار استراتيجية ذكية، وعدم السماح للأفراد بالعمل على عاتقهم. لكن هذا الادعاء يتجاهل نقطتين أساسيتين: أولاً، لا يمكن تبرير مطلب الأمن والنظام الإجتماعي بواسطة التعذيب واخفاء الناس. كل المبادئ الموجهة للنظام الشرعي تتحدث عن الحفاظ على الكرامة الإنسانية مهما كانت الصعوبات، وعن انشاء نظام ديمقراطي يعتمد على القيم الشاملة.

ثانياً، السلطة الفلسطينية تتواجد بتراجع مستمر. المستوطنات تضاعف نفسها، غزة ما زالت تحت الحصار، قوات الأمن الفلسطينية لا توفر الحماية أو أي حل آخر للفلسطينيين المتضررين من عنف المستوطنين وأسوأ من ذلك- فبدل حل الخلافات بين الفصائل الفلسطينية من خلال الانتخابات الديمقراطية، تختار السلطة أن تفرض حكمها بقوة الذراع وان تعمق بذلك الصراع الداخلي الفلسطيني. على خلفية هذه الاخفاقات، الاحباط وخيبة الأمل من طرق عمل السلطة، أصبح هناك فراغ سياسي فبدل أن تشكل السلطة جسم يقود الشباب، تحولت إلى حاجز يعترض طريقهم.

الحرية لكل الأسرى السياسيين في السجون- الإسرائيلية والفلسطينية.

ناشط في “التجمع” وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.