اعترافات ابن عربي!

أنا في المنفى لا أزال مصابا بالوطن، أخاف من دخول المصعد، أرتجف كلّما رأيت سيارة شرطة، وأختبئ ريثما ينصرف الطارق على الباب.
مرزوق الحلبي

 

(مهداة إلى صديقي الأشوري الطائر صموئيل شمعون)

 

أحببت المنفى لأنه اتسع لبديهتي،

ولخطأي في لفظ المفردات

وكرهت المنفى لأنه دلّني على قسوة الوطن

 

أحببت المنفى لأنه سألني عن معنى اسمي

وكرهت المنفى لأنه ذكّرني كيف

سلب مني الوطن معناي!

 

صار وطني حرّا

عندما غادرت آخر مفردة من لغة الغريب أرضه

وفقدت حرّيتي عندما اكتشفت أن للغتي وجهين،

واحد يبتسم في الجرائد

وواحد يزمجر في الأقبية

 

أحببت المنفى لأنه جعلني أشبه نفسي

حدّ التطابق

وكرهته لأنني أدركت فيه

كم كنت غريبا عنّي في الوطن!

 

أحببت المنفى لأنه درّبني على الحديث

عن الهوّة في قلبي

وكرهته لأنه علّمني أن أفهم الجلاّد

 

الوقت الذي يمنحني إياه المنفى

يزيد

عن كل الوقت الذي سلبه منّي الوطن

 

أضحك في سهرة واحدة

في المنفى

ما لم أضحكه سنة في الوطن

 

أقنعني المنفى

ألا أكتب شعرا وطنيا

ولا قصائد مدجّجة بالسلاطين

بل شعر يكسر الإيقاع

 

أقنعني المنفى

أن كل شعرائنا كذبوا

عندما كتبوا في مديح الوطن

أقنعني المنفى

ألا أطالب الوطن بأظافري التي اقتلعها الحرّاس

وأن أكتفي بسؤالهم عمّا فعلوا بها

 

أقنعني المنفى

أنه يليق بي أن أكون صادقا مع نفسي

أكثر مما كان الوطن كاذبا معي

 

علّمني المنفى

أن أعيش ما استطعت

وأنسى الوطن

 

النُدبة التي فتحها الوطن

في روحي

قبّلها المنفى وبكى

أقنعني المنفى

ألا أكتب شعرا وطنيا

ولا قصائد مدجّجة بالسلاطين

بل شعر يكسر الإيقاع

 

أقنعني المنفى

أن كل شعرائنا كذبوا

عندما كتبوا في مديح الوطن

 

خيّرني المنفى

في كل ما أجبرني عليه الوطن

فبكيت!

 

الشجر في المنفى أطول

مثل قامات الناس،

وأعمارهم

 

أشرب في المنفى

نُخب الذين سرق الحُرّاس

كؤوسهم المُترعة بالوطن

 

الحانة في المنفى

وطن،

والمقعد في الحديقة

الشرطي في المنفى

مُحرج منّي.

كلّما مرّ بجانبي،

انكمشتُ.

 

دلّني المنفى عليّ

بعد أن ضيّعني الوطن!

 

جمال السماءفي المنفى اكتشفت

وفي الوطن لم أرَ سوى صورتي

ممسوحة بالأرض

 

أنا في المنفى

لا أزال مصابا بالوطن

أخاف من دخول المصعد

أرتجف كلّما رأيت سيارة شرطة

وأختبئ ريثما ينصرف الطارق على الباب.

 

كل الليالي الملوّنة في المنفى

لم تمنع ظهور كوابيسي

من أيام الوطن

 

في المنفي

صار ظلّي أطول

والطريق إليّ أقصر.

 

هنا في المنفى

أستطيع أن أشتم

كل الذين جعلوا من المنفى وطنا

وأبقى حيا

 

يخطر ببالي أحيانا

أن أعتذر للمنفى لأنني

أحمّله

عُقدة اسمها الوطن!

 

يغفر لي منفاي الآن

كل ما عذبني من أجله الوطن

 

في المنفى

سلّمني الوقت رأسه ومضى

وكان في الوطن

سيفا على عنقي

وسُدى!

 

في المنفى،

أتناول وجبتي كأنني أفعل لأول مرة

وفي الوطن،

كأني أفعل لآخر مرة!

 

كلّما كتبت للمنفى

ردّ إلي كتابي

واقترحَ أن أكتب لي!

 

المنفى

حديقة من التماثيل

والوطن قبو، الوقتُ فيه مدبب يلسع كالسجائر المطفأة على جسدي!

هو المنفى،

يفاجئني كلما باغتتني الكوابيس

أجده إلى جانب سريري يمسح عرقي

وهلعي وهو يبتسم

 

الحَمَامات في المنفى

ودودة

لا تجفل

ولا تفرّ مذعورة

كما الحمام في الوطن

 

المنفى أعاد

إلى روحي الأمان

الذي كنتُ فقدته في الوطن

من فرط الأمن!

 

يقول لك المنفى،

كُن ما شئت

وامتثل لشارة المرور

 

ويقول لك السلطان في الوطن

كُن خاتما في اصبعي

وأفصّل على خطوك الدستور

 

في المنفى،

شعرت بالوجود

وفي الوطن لم أعرف

أن لي وجودا

 

المنفى

حديقة من التماثيل

والوطن قبو، الوقتُ فيه مدبب يلسع

كالسجائر المطفأة على جسدي!

 

يدلّك لون النبيذ وطعمه

على الهوة بين الوطن المتخيّل

والوطن على حقيقته

فتسكب لنفسك كأسا ثانية

وتغني للمنفى

 

في المنفى،

تصير القصيدة وطنا

والوردة في المزهرية

والطفل الذي علّق ابتسامته عليك!

 

الوطن،

لفظة مخادعة تعني بالعربية

قصر السلطان

والمنفى حجر.

 

وأنا في المنفى،

يطيب لي أن أطلق النار

على أعلى نقطة في السماء

اسمها وطن!

 

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.