شجرة نتنياهو الكريمة

مثل أي سياسي إسرائيلي، اعتاد نتنياهو أن يصرح، بين الفينة والأخرى، عن اهتمامه الكبير بالضواحي، لكن لنفحص ماذا جرى حقاً في الضواحي خلال فترة ولايته؟ اتساع الفجوات بين المركز والجنوب وتمرير رسالة لسكان النقب مفادها بأن الطريقة الوحيدة لتطوير الحيز هي استيراد أواسط جديدة لكي تسكن وتعيش ببلدات منفصلة.
يوسي دهان

 

نشطاء من أجل البيئة من منظمة “مجماه يروكا” قاطعوا قبل عدة أيام خطاب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر النقب، معترضين على خطة الحكومة لإقامة 5 بلدات جديدة بالنقب. نتنياهو رد عليهم بغضب: “كيف باعتقادهم يتم خلق أماكن عمل؟ هل تعتقدون بأن لدى الحكومة شجرة تدر الأموال؟ يجب اقامة شجرة اقتصاد”. إستخدام نتنياهو لتوصيف “شجرة الأموال” بالذات خلال المواجهة مع المتظاهرين لا تخدم مقولته بالضرورة: مراجعة تقرير مراقب الدولة الذي صدر قبل عدة أشهر والذي أشار الى الادارة غير السليمة والمصاريف الشاذة لبيت رئيس الحكومة على الطعام، التنظيف، الصيانة والمكياج، تظهر بأن من يعتقد بأنه بالإمكان قطف المزيد والمزيد من الأموال العامة هم ليسوا نشطاء البيئة بالتأكيد.

نتنياهو أضاف بأن “الحقائق أقوى، فنحن نستثمر الملياردات في النقب”. مثل أي سياسي إسرائيلي، اعتاد نتنياهو أن يصرح، بين الفينة والأخرى، عن اهتمامه الكبير بالضواحي، لكن بحكم تحمله المسؤولية منذ سنوات عن السياسية الاقتصادية لإسرائيل، أيضاً كرئيس حكومة وأيضاً كوزير مالية، من المجدي بأن نفحص ماذا جرى حقاً في الضواحي خلال فترة ولايته.

بحث أجراه بنك إسرائيل قبل سنتين يبين الاتساع الملحوظ للفجوات الاقتصادية بين سكان الشمال والجنوب، من جهة، وبين هؤلاء وبين سكان المركز، من جهة أخرى. التقرير ذاته يشير بأن هناك توجه لترك الضواحي لصالح المركز، لا سيما باتجاه تل أبيب. بنك إسرائيل ينسب الاتساع بالفجوات الإقتصادية لسياسة الحكومة التي قلصت، منذ عام 2003، عدد البلدات التي تحظى بميزات ضريبية في الضواحي. وزير المالية الذي ألغى الميزات الضريبية لبلدات الضواحي كان بنيامين نتنياهو.

النقب ليس بحاجة لتطوير بلدات جديدة إنما لتكثيف وتعزيز البلدات القائمة، بما يشمل العربية منها.

لكي نفهم من يقطف ثمار شجرة الأموال، علينا التمعن بسلم أولويات الحكومة. وفق معطيات مركز “إدفا”، في العقدين الأخيرين بين 1991 و- 2012، سجل الاستثمار الحكومي الأعلى في الفرد بالمستوطنات: في عام 2012 وصلت هذه حتى 2,695 شيكل للسنة للمواطن، ذلك مقارنةً ب- 2،277 شيكل بالبلدات العربية و- 1،892 شيكل ببلدات التطوير.

بحث لمركز “ماكرو” للاقتصاد السياسي يشير بدوره إلى تمييز ممنهج في تخصيص الميزانيات، ويظهر بأن دولة إسرائيل تستثمر في الطالب بمستوطنة نائية حوالي 13 ألف شيكل بالسنة، تقريباً ضعف ما تستثمره في طلاب الضواحي. هذا الإهمال لبلدات الضواحي يتجسد أيضاً في نتائح امتحانات “الميتساف” التي نشرت بالأسبوع الماضي وكشفت عن اتساع الفجوات في التحصيل الدراسي بين طلاب المركز والضواحي. هكذا على سبيل المثال، بينما يسجل في تل أبيب، رعنانا ورمات غان ارتفاع منهجي بتحصيل الطلاب، في بئر السبع، يروحام وبيت شان هناك تراجع مستمر بتحصيل الطلاب.

عودة الى نشطاء البيئة اللذين اعترضوا على قرار الحكومة باقامة 5 بلدات جديدة بالنقب، ادعاء مركزي لوزير الاسكان، يوآف جلانت، الذي كان المبادر لهذه الخطة هو بأنها تسعى إلى تطوير وتعزيز البلدات القائمة في النقب. بيد أن النقب ليس بحاجة لتطوير بلدات جديدة إنما لتكثيف وتعزيز البلدات القائمة، بما يشمل العربية منها. كما تشير د.نوريت الفاسي، رئيسة مساق تخطيط المدن في كلية الجغرافيا والتطوير البيئي بجامعة بن غوريون، فإن إقامة وحدة سكنية في بلدة جديدة هي أغلى بكثير من إقامة وحدة سكنية ببلدة قائمة. أي بأن إقامة بلدات جديدة معناها، مرة أخرى، تخصيص الأموال العامة لصالح القلائل (سكان البلدات الجديدة) على حساب الكثر (سكان البلدات القائمة). عدا عن ذلك فالبلدات الجديدة ستستقطب السكان المتمكنين بالبلدات القائمة وستضعفها بذلك أكثر. خطوة من هذا النوع تمرر رسالة للسكان القدامى بأنهم أدنى، بأن الاستثمار بهم غير مجدي، وبأن الطريقة الوحيدة لتطوير الحيز هي استيراد أواسط جديدة، تكون  على مستوى أعلى، حتى تسكن هذه وتعيش ببلدات منفصلة.

قرار اضافي لمن يواضب بشكل دائم على نقل ثمار شجرة الأموال لأيدي الطبقات المتمكنة وحلفائه الايديولوجيين.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.