رئيس العصابة وحوض "الليلك الأزرق"

النقاش الحاصل حول قضية الجندي من الخليل، ومن قبله حول قضية الجندي الذي قتل الفتاة إيمان الهمص بعام 2004، يركز على مسؤولية الجنود الصغار ويغفل دور تعليمات إطلاق النار: بالرغم من التغييرات التي طرأت عليها اثر الانتفاضة الثانية، بقيت هذه سرية حتى يومنا هذا.
اور بسوك

 

هناك رابط مباشر بين قضية “تصفية” الفتاة ايمان الهمص من عام 2004، والتي برأ منها الضابط “ر”، وبين قضية “تصفية” الشاب عبد الفتاح الشريف بيد الجندي في الخليل. الرابط ليس بعنوان “التصفية” الذي خصصه الإعلام لكلا القضيتين: كما في قضية الضابط “ر”، أيضاً في قضية الجندي من الخليل، هذا العنوان يفوت النقطة المركزية، فما يربط بين هاتين القضيتين هو التغيير الذي طرأ على تعليمات إطلاق النار في الجيش منذ بداية الإنتفاضة الثانية.

من يجسد في شخصه هذا الرابط بين القضيتين هو محامي الدفاع للجندي من الخليل، المحامي إيلان كاتس. كاتس الذي أنهى وظيفته كنائب المدعي العسكري قبل حوالي السنة من قضية الضابط “ر”، يؤكد في كل تصريحاته للإعلام بأن الجندي عمل وفق تعليمات إطلاق النار. إلى جانب المدعي العسكري مناحيم فينكلشطاين، كان كاتس عضواً في الطاقم المسؤول عن غرس وصقل حوض “الليلك الأزرق”- الإسم الشعري الذي أطلق على تعليمات إطلاق النار التي تمت ملائمتها لفترة الإنتفاضة الثانية. التغييرات التي جلبتها هذه التعليمات تقف بمركز خط الدفاع الذي يقوده المحامي كاتس الآن بقضية الجندي من الخليل. من زرع الرياح، يحصد العاصفة الآن، وكاتس يفعل ذلك بمتعة ملحوظة. رداً على قول وزير الأمن بوجي يعالون بأن “تعليمات إطلاق النار تحدد بيد قائد الأركان وليس بيد رؤساء عصابات”، قال كاتس في مقابلة “للقناة 7” بأنه “فخور كونه رئيس عصابة”. خلافاً للآخرين، لكاتس هناك دور، كما ذكر، بتحديد مضامين التعليمات.

على العكس مما كان عليه الوضع بالإنتفاضة الأولى، عندها صدرت كتيبات تشتمل على تعليمات إطلاق النار، في الانتفاضة الثانية بقيت التعليمات سرية ولم تنشر حتى يومنا هذا

لفهم العلاقة بين القضيتين علينا العودة إلى الوراء حوالي 12 سنة لقضية الضابط “ر”. هذه القضية اخترقت الحيز العام ببرنامج ايلانا ديان “عوفدا” وبتقارير يوسي يهوشواع من “يديعوت أحرونوت”. كلا الصحافيان حصلا على مواد تعكس جيداً التغيير الحاصل بتعليمات إطلاق النار: تغييرات منعت، من ضمن أمور أخرى، دخول الفلسطينيين لمناطق محظورة سميت باللغة العسكرية “مناطق أمنية خاصة”. بسبب هذه التغييرات، كان بمقدور الجنود أن يطلقوا النار بشكل مكثف، من مسافة بعيدة، على ايمان الهمص بعد أن دخلت دخلت إلى “منطقة عسكرية خاصة”. بدل التركيز على التغيير بتعليمات إطلاق النار الذي أدى الى مقتل الفتاة إبنة ال-13، ديان ويهوشواع، تعاطوا مع سؤال أقل أهمية، ألا وهو اطلاق النار على جثتها (بعد أن قتلت). طوال أسابيع، تعاطت التغطية الإعلامية مع ما حصل بعد موت الفتاة، حيث كان السؤال المركزي اذا ما قام الضابط “ر” بإطلاق النار نحو جثتها أم بالقرب منها.

استغرق الكثير من الوقت حتى فهم الإعلام بأن إحدى الصعوبات المركزية التي تطرحها القضية هي تغيير تعليمات إطلاق النار. ويبدو بأنها لم تكن صدفة بأن أول من وضع التركيز على إطلاق النار على الفتاة وعلى تغيير التعليمات، وليس على مسألة “التصفية”، كانوا جنود محررين. بعد حوالي شهر من انتشار القضية، أعدت المراسلة حين كوطس مقابلة مع أحد هؤلاء قال فيها: “هل كان بإمكاني أن أقتل ابنة 12 عام عن بعد لأنني أعتقد بأنها مخربة؟ نعم، كان ذلك ممكنناً”. جندي آخر قال: “أنا، كما يقال، “تبادلت الرشق مع مصادر إطلاق النار” لكنني لم أميز، في أي مرة، مصادر إطلاق النار. ولا مرة. لم يكن هناك شيء كهذا”. في مقالة لجريدة “هآرتس” نشرت بعد يومين، قام عاموس هرئيل للمرة الأولى بمحاولة لتغيير محور النقاش في التغطية الإعلامية: “الإعلام.. وفي أعقابه الجيش، ركزوا على جزء واحد، درامي جداً، من القضية. ولكن لهذه القضية جوانب كثيرة، تداولها بدأ هذا الأسبوع فقط، بعد بث التسجيلات الصوتية في برنامج “عوفدا” على القناة الثانية.  هذه تتعلق ليس فقط بمسألة التصفية إنما أيضاً بتصرف الجنود وبتعليمات إطلاق النار..”. بالرغم من ذلك، فقد استمرت غالبية التغطية الإعلامية بالتركيز على أعمال الضابط “ر” بدل تعليمات إطلاق النار وإطلاق النار نفسه من قبل الجنود. بنظر الكثيرين في الإعلام، تغطية قضية “التصفية” في برنامج “عوفدا” أصبحت بمثابة قصة “ميراث قتالي إعلامي” قامت ديان خلالها بالكشف عما حاول الجيش التستر عليه. بيد أن ديان ومعظم وسائل الإعلام فوتوا تماماً قضية التغيير بتعليمات إطلاق النار اثر الانتفاضة الثانية- وهي القضية التي يحاول الجيش بالفعل اخفائها عن الإعلام. فعلى على العكس مما كان عليه الوضع بالإنتفاضة الأولى، عندها صدرت كتيبات تشتمل على تعليمات إطلاق النار، في الانتفاضة الثانية بقيت التعليمات سرية ولم تنشر حتى يومنا هذا.

أيضاً اليوم في قضية الجندي من الخليل، يركز الإعلام في تغطيته على مسألة “التصفية”: التركيز هو على مسؤولية جندي صغير أطلق النار على “مخرب” بعد أن أصيب هذا بصورة بالغة، بينما تعليمات إطلاق النار تبقى خارج النقاش. ادعاءات المحامي كاتس القائلة بأن زبونه تصرف بحسب تعليمات اطلاق النار لا تأخذ على محمل الجد. هنا وهناك، يحضر مراسل عسكري أقوال ضباط في الجيش أو “مصادر مطلعة” بأن الجندي خرج بوضوح عن تعليمات إطلاق النار. أشك بأن هؤلاء المراسلين عاينوا هذه التعليمات التي لم تنشر على الرغم من التغييرات التي أدخلت اليها بعد الانتفاضة الثانية.

في مقالة لصحيفة “هآرتس” منذ حوالي العام، قلت بأنه سيأتي يوم ويقوم فيه جندي بالاعتماد على تعليمات إطلاق النار ليدعي بأن أعماله، حتى لو أنها خرجت عن التعليمات، فهي تتماشى مع روحها. هذا سيكون خط الدفاع الموازي لذلك الذي استخدمه جنود بالانتفاضة الأولى عندما اعتمدوا على أقوال وزير الأمن آنذاك، يتسحاق رابين، التي نادى فيها “بكسر أيدي وأرجل” المتظاهرين. لم أظن بأن المحامي وضابط الاحتياط ايلان كاتس سيكون هو من يرفع هذا الادعاء. لا شك بأن الحديث عن اختيار موفق لا بل لامع: فكاتس بامكانه أن يكون ليس فقط محامي الدفاع بل أيضاً مختص بمضامين تعليمات إطلاق النار. من زرع أزهار “الليلك الأزرق”، يستطيع الآن أن يقطفها بعد أن اسودَت!.

أنهى دراسة الدكتوراة بموضوع القانون في جامعة “ييل”، ويعمل الآن كزميل بحث في الجامعة الاوروبية في فلورنسا.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.