"معسكر السلام" الإسرائيلي في خطاب السياسة العربية

كيف تبنت الأحزاب العربية تهمة “اليسار” التي أطلقها اليمين الإسرائيلي على حزب العمل وحلفائه في “معسكر السلام” الإسرائيلي؟ بينما لا يفوّت قادة هذا الحزب أية فرصة لنفي هذه التهمة والتنصل منها، نصرّ نحن على إلصاقها به ومطاردته بها!
سليم سلامة

 

لم يكن ثمة أي مبرر لأية “صدمة” حيال الزوابع الأخيرة في حزب “المعسكر الصهيوني”، حول تصريح زهير بهلول (بشأن “المخرب”) ثم تصريح يتسحاق هرتسوغ (بشأن “حُب العرب”). مَن أصيب بصدمة كهذه وراح يهجو هرتسوغ ويُطالبه بالاستقالة من قيادة “معسكر السلام” الإسرائيلي فهو واحد من اثنين: إما جاهل مُضلـَّل أو عارف مُضلـِّل!.

ففي تاريخ هذا الحزب، ومركبّه الأساسي تحديداً (حزب “العمل”، على طبعاته المختلفة وتسمياته المتنوعة) وقياداته من الحقائق والوقائع ما يفقأ مزاعم هؤلاء “المصدومين” جميعاً عن “يسارية” هذا الحزب و”سلاميّته” وما يثبت أن حاضره، في النظرية والتطبيق، ليس سوى استمراراً طبيعياً، منهجياً وثابتاً، لماضيه كله، على مدار عقود طويلة منذ ما قبل بدء الاستعمار الصهيوني في هذه البلاد: مروراً بالنكبة الفلسطينية وإجهاض “قرار التقسيم” بالنكبة الفلسطينية وما تخللها من مجازر واحتلال وتدمير وطرد وتشريد تندرج كلها ضمن مشروع “أرض إسرائيل الكاملة” الذي نشأ ونما في أوساط هذا الحزب أولاً: ثم إجهاض “حل الدولتين” بحرب حزيران 1967 وما تمخض عنها وتلاها من إحتلال وإطلاق العنان لغول الاستيطان الكولونيالي الذي استهدف تمزيق وحدة الأرض الفلسطينية وتقطيع أوصال الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى أصبح تطبيق هذا الحل (حل الدولتين) ضرباً من المستحيل: ثم اللجوء إلى نهج “مفاوضات السلام” التي أصبحت هي الهدف في حد ذاتها، تتواصل ولا تنتهي دون تحقيق أية نتائج حقيقية، ترافقها حروب عدوانية تدميرية على الشعب الفلسطيني كل بضع سنوات!.

كل ما يقترفه اليمين الإسرائيلي منذ انقلاب 1977 وحتى اليوم ما هو إلا النتاج/ الاستمرار الطبيعي لما أسسه وكرّسه هذا المعسكر “السلاميّ”، عبر عقود حكمه منذ تأسيس الدولة.

هنا، كما هناك ـ خيط متين!

أما في داخل إسرائيل نفسها، فقد عمِد هذا الحزب وحلفاؤه في “معسكر السلام” الإسرائيلي الموهوم، منذ اليوم الأول من عمر دولة إسرائيل، إلى تطبيق سياسة عِرقية عنصرية بحق أبناء الأقلية القومية الفلسطينية التي بقيت في وطنها، قوامها النهب والمصادرة والاضطهاد والتمييز والقمع والكبت والتضييق التي استهدفت كلها جعل مواطَنة هؤلاء منقوصة، مشروطة ومُحاصَرة، فأسقط عنهم “حقوق الإنسان” الأساسية، وأولها الحق في الحياة (القتل بدم بارد، في “يوم الأرض” و”أكتوبر 2000″ وسواهما الكثير. وهل ثمة من يتوهم أن هذا المعسكر سيتردد في ارتكاب مثل هذه الجرائم مرة أخرى وأكثر، إذا ما واتته الظروف؟).  وهو الذي سنّ القوانين العنصرية المركزية في هذه البلاد، من “قانون أملاك الغائبين” (“قانون الحاضر الغائب”) إلى “قانون العودة” ثم فرض الحكم العسكري عليهم لسنوات طويلة، علاوة على ما أغرق به “مناهج التعليم” في إسرائيل من توجهات عنصرية إستعلائية ضد المواطنين العرب.

على هذا، فإن “معسكر السلام” الإسرائيلي المزعوم، بما فيه من أحزاب “مركز” و”يسار”، هو الذي أرسى أسس الاستعلاء العنصري وهو الذي جهّز الأرضية الخصبة لكل ما يقترفه اليمين الإسرائيلي اليوم من موبقات وجرائم. بمعنى، أن كل ما يقترفه اليمين الإسرائيلي منذ انقلاب 1977 وحتى اليوم ما هو إلا النتاج / الاستمرار الطبيعي لما أسسه وكرّسه هذا المعسكر “السلاميّ”، عبر عقود حكمه منذ تأسيس الدولة. ويكفي أن نشير، مثلاً، إلى أن “وثيقة كينغ” المعروفة بفكرها العنصري وأهدافها العنصرية لم تولد ولم تُنشر إلا إبان حكم هذا المعسكر وفي كنفه (في العام 1976)، بعد سنوات من رفع وإلغاء الحكم العسكري الذي إستمر حتى العام 1966، وأن التصريحات العنصرية المنفلتة والمتكررة ضد العرب اليوم ليست جديدة على الساحة السياسية الإسرائيلية وعلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، بل سبقتها وهيّأت لها تصريحات أبشع وأقسى بكثير طوال عقود متواصلة (الجنرال أفيغدور/ يانوش بن غال، مثلاً، قال إن العرب في الجليل “هم سرطان في جسم الدولة”، بينما كان لا يزال جنرالاً في الجيش، ثم حظي بالتقدير والمكافأة فور خلعه البزة العسكرية فأصبح قائداً في حزب “العمل”!).

على جانب آخر، ولضرورة استكمال الصورة في شأن سياسة الاستعلاء، الإهمال والتمييز العنصري، لا يمكن إغفال ما مارسه هذا الحزب وحلفاؤه في إطارها وسياقها ضد اليهود الشرقيين منذ اليوم الأول لقيام الدولة حتى انتقم هؤلاء بالاصطفاف المحتشد وراء اليمين فأحدثوا انقلاب العام 1977 الذي لم يعودوا يستطيعون الفكاك من أسره وربقته حتى يومنا هذا (بتضافر عوامل أخرى بالطبع، لا مجال للخوض فيها هنا)!

تأسيساً على هذه الوقائع، يمكن القول إن ما ورد في افتتاحية صحيفة “هآرتس”، الناطقة غير الرسمية باسم هذا المعسكر، يوم الأول من نيسان الجاري، لا يعدو كونه تدجيلاً سياسياً، وأخلاقياً، وتزويراً للتاريخ وحقائقه. فقد قالت هذه الصحيفة إن “النار العنصرية التي أشعلتها الحكومة التي يشارك يعلون (وزير الأمن) في عضويتها تنهش أيضا وزير أمن حالياً ورئيس أركان سابقاً”!، وأضافت: “وزير الأمن يأكل الآن ثماراً مسمومة للتحريض الذي زرعه هو وحكومته”(!). هذا كلام كذب وتزوير، بكل بساطة. لأن الذي زرع هذا التحريض، رعاه ونمّاه، كرّسه ورسّخه، هو هذا المعسكر الذي تنطق “هآرتس” باسمه، تروّج له وتنافح عنه. هذه هي الحقيقة، ولا شيء آخر سواها.

الجهل والانتهازية ـ دوافع ومنطلقات

ولكن، إذا كان من الممكن فهم منطلقات هذه الصحيفة وأهدافها في ما تقوله وتشيعه (فهمه، لا تفهّمه وتبريره)، فمن العسير جداً فهم ما يدور في ساحة “العمل السياسي” والإعلامي بين المواطنين العرب في هذه البلاد من تبنٍّ مذهل في ضحالته وانتهازيته للقاموس السياسي ومفرداته، دونما أي اعتبار للتاريخ وحقائقه الأساسية أو للراهن وتجلياته الفاضحة. وفي الراهن، عطفاً على التاريخ، كيف يمكن إطلاق اسم “يسار” وصفة “سلاميّ” على أحزاب مثل “العمل” و”هتنوعاه” (“الحركة”) و”يش عتيد” و”ميرتس”، وغيرها ربما، طالما هي تتشدق بالحديث عن السلام والمساواة بينما لا تزال تتبنى الأطروحات نفسها في القضية المركزية (الإحتلال وحق الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال وتقرير مصيره) وبينما لا تزال  ممارساتها، في الجوهر الأساسي، جزءاً من “الإجماع” الذي يكرّس الاحتلال والاستيطان (والتمييز بين “مستوطنات قانونية” وأخرى “غير قانونية”)، من التأييد الأوتوماتيكي الفوري لأي عدوان على الشعب الفلسطيني إلى محاربة رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال وفي المناطق الفلسطينية (وهي الآلية الوحيدة المؤهلة لإحداث تغيير حقيقي في الموقف العام من الاحتلال) إلى الصمت المريب حيال الحصار التدميري المتواصل على قطاع غزة وسكانه إلى دعم جدار الفصل العنصري، بالفعل أو بالسكوت المتواطئ، وبينما لا يزال فكرُها ومنهجها التطبيقي في كل ما يتعلق بمساواة المواطنين العرب في إسرائيل، مساواة حقيقية لا شكلية تجميلية، أسيرَ الرؤى الصهيونية المركزية وفي مقدمتها تقديم يهودية الدولة وتفضيلها على ديمقراطيتها، بكل ما يتتبع ذلك وما يترتب عنه (ناهيك عن تناقضين بنيويين: أولهما بين ” يهودية” و”ديمقراطية” وثانيهما بين “يسار” و”صهيوني”).

تؤكد هذه الحقائق، كما غيرها الكثير أيضاً، أن شعار “دحر اليمين” الذي ترفعه الأحزاب السياسية العربية هنا هو خطأ سياسي فادح، قد يتضح بعد سنوات/عقود أنه لم يكن أخطر منه في واقع المواطنين العرب هنا، من حيث تضييع فرصة التغيير

كيف يمكن إعتبار هذا “المعسكر”، بما سقناه أعلاه بإيجاز عن سماته الأساسية، حليفاً استراتيجياً في الواقع السياسي الإسرائيلي والتعويل عليه في حل أزمة الصراع وما يتفرع عنها من أزمات ومعضلات أخرى، كما حصل في تجنّد جميع الأحزاب العربية وقوائمها الانتخابية وجمعياتها “الأهلية” لحشد الدعم والتأييد لإيهود براك في انتخابات العام 1999 (لم يتردد براك وحكومته “اليسارية” لاحقاً في اقتراف مجزرة “أكتوبر 2000” وغيرها من الجرائم)، ثم في وضع “القائمة المشتركة” كل ثقلها وقوتها، جهاراً وصراحة، في دعم هذا “اليسار” منذ ما قبل يوم التصويت في الانتخابات الأخيرة (آذار 2015) وفي ما تلاها؟؟.

الجواب بسيط للغاية: هذا ممكن، طالما هو مدفوع بجهل التاريخ وحقائقه وبالتعامي عن الراهن ووقائعه، من ناحية، أو بتغييب متعمد (لهذا التاريخ ولهذا الراهن) تفرضه انتهازية سياسية رخيصة تضع المصالح الحزبية الفئوية والمصالح الشخصية فوق المصالح الوطنية والعامة، من ناحية أخرى. هذا هو واقع الحال، الحقيقي، في ساحة “العمل السياسي” و”الأهلي” بين المواطنين العرب في هذه البلاد خلال العقود الأخيرة، وخاصة منذ اتفاقيات أوسلو. وهذه الانتهازية، بالذات، هي التي تجعل من الممكن تبني خطاب اليمين في هذا السياق، إذ ينبغي التنبيه والتأكيد أن تهمة “اليسار” هذه أطلقها اليمين الإسرائيلي بالأساس على هذا “المعسكر”، وخاصة حزب “العمل” وأحزاب “المركز”، بينما لا يألو قادة هذا المعسكر جهداً ولا يفوتون فرصة لإنكار هذه التهمة، نفيها والتنصل منها في حين نصر نحن على إلصاقها به ومطاردته بها!!.

الخطأ الفادح في شعار “دحر اليمين”

تؤكد هذه الحقائق، كما غيرها الكثير أيضاً، أن شعار “دحر اليمين” الذي ترفعه الأحزاب السياسية العربية هنا هو خطأ سياسي فادح، قد يتضح بعد سنوات/عقود أنه لم يكن أخطر منه في واقع المواطنين العرب هنا، من حيث تضييع فرصة التغيير: فمن جهة، ينتزع هذا الشعار من الأحزاب العربية وكتلها الكنيستية وزنها وقدرتها على المناورة السياسية بأن يجعلها احتياطياً، أوتوماتيكياً وغير مشروط، لهذا المعسكر بـ”مركزه” و”يساره”: ومن جهة أخرى، يبثّ هذا الشعار لجمهور ناخبي هذه الأحزاب وأصحاب القضية، رسالة خطيرة جداً مفادها: ما دام هدفنا هو “دحر اليمين”، فمعنى ذلك في تكوين الخارطة السياسية الإسرائيلية أن بديلنا المُعلَن والمفضَّل هو “المعسكر الصهيوني” (وقبله “العمل” و”المعراخ”) وحلفاؤه في “المركز” و”اليسار”. وهي رسالة تقول، في الباطني غير الواعي، أن هذا المعسكر هو قائدنا وهو عنواننا مما يعني ـ من حيث لم يدر أصحاب الشعار ولم يقصدوا ـ أن بإمكان المواطنين العرب، جمهور هذه الأحزاب، ظهرها الجماهيري ومخزون قوتها السياسية، التوجه للتصويت إلى أحزاب هذا المعسكر مباشرةً!. فإنّ مَن سُيسقط اليمين ويحل محله، وفقاً لشعار “دحر اليمين”، هو هذا المعسكر وأحزابه، وفي مقدمتها “العمل” على إختلاف تسمياته. وما دام الأمر كذلك ـ كما تقول لنا هذه الأحزاب وقياداتها وقوائم مرشحيها ـ  فلمَ لا نذهب إلى “راس النبع” مباشرةً؟!.

هذا، فضلاً عما ينطوي عليه هذا الشعار من شطب وإلغاء كليين لفرصة مطالبة هذا “اليسار” بالاعتذار عن تاريخه وممارساته، من خلال إجراء تغيير جوهري لجهة تقويم مساره وتصحيح مواقفه وعلاقاته، حتى أصبح شعار “لن ننسى ولن نغفر” مجرد تصفيط كلام، كاذب ولا طائل منه، حتى لا نقول أن هذه الممارسة شكلت دوساً فظاً لهذا الشعار السياسي الذكي، ليس في روحه الانتقامية الظاهرة وإنما في قدرته وفاعليته في حفظ الذاكرة وحمايتها من جهة، وفي قوته التحشيدية من جهة أخرى.  فمجرد القول “منع اليمين” يستبطن “الاعتراف” الضمني بأن ما سوى “الليكود”، “إسرائيل بيتنا”، “البيت اليهودي”، “شاس”…. أي: “العمل”، “يش عتيد”، “هتنوعا”، “كديما” وغيرها.. هو “يسار” و/ أو “مركز”!. واستحصالاً، لا مهرب من مواجهة الخلاصة الساطعة: لن يكون بالإمكان دحر اليمين، بدون دحر “اليسار” الصهيوني ومركزه، أولاً!!.

صحفي وحقوقي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.