نأسف لأننا لم نولد جميلين!

لا أعرف ما هو التبرير لتحول الجريمة في واقعنا لجزء من الروتين اليومي، لكنني أعرف بأننا- نحن الشباب- ندفع باهظ الثمن: في السجون وفي المقابر. نأسف لأننا لسنا جميلين، لأننا لم نولد لعائلات متمكنة. نأسف لأن مزاجنا حامي. فقط هكذا كان بإمكاننا أن ننجو في واقع غير معني بنا.
عبد أبو شحادة

 

بعد كل عملية قتل تقع في المجتمع العربي، تمتلئ الشبكات الاجتماعية بمشاركات لنشطاء، بينهم شباب، ينددون بمقتل الشاب كذا لمدة أسبوع ليعودوا بعد ذلك إلى أنفسهم، وإلى إستعلائهم وإنقطاعهم عن الواقع، راضين بوجود أماكن ترفيه بالمجتمع العربي لا تسمح بدخول الشباب العرب.

كانت إحدى اللحظات الحاسمة في حياتي بجيل 17 عام. ذهبت حينها برفقة إثنان من أصدقائي لالتقاط صور باسبورت في احدى الاستوديوهات بجادة القدس في يافا. في المكان وقفت امرأة عربية بسنوات الأربعين. عندما لحظتنا، سارعت، دون أي تردد، إلى الإمساك بحقيبتها خوفاً من أن نقوم بسرقتها. لا توجد كلمات لوصف الذل الذي شعرنا يه. ففي بظروف أخرى، لم نكن لنتردد في مساعدتها لو أنها قصدتنا بأي طلب. لكنا لم نمرر ذلك، وقلنا لأنفسنا إن كانت هي تنظر الينا كأصحاب سوابق فلنتصرف بناءً عليه. وقفنا أمامها، دون أن نفكر كثيراً، وأوصيناها بأن تمسك بحقيبتها جيداً. فيما بعد، اتضح لنا بأنها شخصية محلية معروفة. ليس الحديث هنا عن مشكلة فردية بل هي مشكلة بتعامل المجتمع العربي ككل: بالطريقة التي نقوم بها كمجتمع بتطبيق تصورات نمطية ومهينة على شبابنا لنفاجئ بعد ذلك بأن الاجرام يزدهر بيننا.

نأسف لأننا لسنا جميلين، لأننا لم نولد لعائلات متمكنة تسمح لنفسها بالإنفاق على تعليمنا في المدارس الخاصة والجامعات. نأسف لأن مزاجنا حامي. فقط هكذا كان بإمكاننا أن ننجو في عالم غير معني بنا.

حان الوقت لأن نوقف هذا النفاق ولأن نعترف أمام الشباب العرب بأن المجتمع العربي يحتقرهم. بإمكاننا أن نسوق هنا مثالاُ القضية الأخيرة التي قام خلالها مقهى بملكية عربية بيافا بمنع دخول شابين مثليين بادعاء أنهم لا يسمحون بدخول شباب لا ترافقهن اناث. عدا عن رهاب المثلية الذي تشتمل عليه هذه الحالة، فهذا التعامل يمس بالشباب العرب في يافا عامةً، وكأنه أمر طبيعي بألا يسمح بدخولهم على إعتبار أن وجودهم في هكذا مكان سيشكل مصدر ازعاج. الحقيقة الصعبة التي علينا الاعتراف بها تتعلق بالوعي السائد، بكوننا نرى بالشباب العرب مشكلة إلا اذا كانوا متعلمين، متنورين، أغنياء ومن المفضل بأن يكونوا من أتباع ثقافة “الهيبستر”.

لا تفهمونني بطريقة خاطئة. لا أقصد هنا تيار بحد عينه في المجتمع العربية. فالتيارات الإسلامية تشكو بأننا لسنا متدينين بما فيه الكفاية أما التيارات العلمانية فتعتقد بأننا متدينين أكثر من اللازم. لا يهم أي طريق نختار، دائماً سنعتبر على خطأ. بوقت المظاهرات، يتسائل الجميع- أين نحن؟ لكن عندما تكون الساحة السياسية هادئة فلا أحد يهتم لأمرنا. فقط عندما تكون هناك حاجة باستعراض عضلات أمام المؤسسة، نسمع أصوات مؤيدة تسعى إلى استقطابنا للمعركة السياسية.

في الماضي، اعتقدت بأن هذه المشكلة تنحصر على مجتمعنا العربي داخل الخط الأخضر، حتى شاهدت نفس المعاملة المذلة أيضاً في رام الله. هناك تزين المقاهي حيطانها ببوسترات ثورية ويرتدي أصحابها فانيلات تحمل صورة تشي جيفارا لكنهم يدأبون على رفع الأسعار للحيال دون قدوم شباب من مخيمات اللاجئين لقضاء الوقت لديهم. في شهر شباط الأخير، قمت بزيارة عمان وحددت موعداً مع أصدقائي بأحد المجمعات التجارية الجديدة لكنهم حذروني من أن علي الظهور بمظهر “أنيق” لأن الحراس هناك لا يحبون رؤية شباب “أصحاب سحنة عربية” لوحدهم أو برفقة شباب آخرين فقط، وهناك احتمال بألا يسمحوا لي بالدخول بسبب ذلك(!). طريقة التعامل هذه تتجاهل كل الاعتبارات الاجتماعية والسياسية التي تنطبق علينا لمجرد تعريفنا كشباب عرب. فبينما ينظر الينا العالم الغربي كإرهابيين، يتعامل معنا العالم العربي كآفة إجتماعية ببساطة.

لهذا فأنا لا أنفعل كثيراً من المشاركات التي تستنكر أعمال القتل. هذه الحالات عملياً ليست إلا نتاج مشكلة أكبر: ألا وهي إسقاط الانسانية عن الشباب. نحن، كمجتمع، لا نوفر لهم فرصة للإندماج، لا نريدهم من حولنا، نفضل بأن يقضوا وقتهم بعيداً عنا ومن ثم نمطر عليهم الانتقادات بأنهم غير متعلمين أو غير مثابرين. لهذا أيضاً يختار المجتمع تجاهل تحليلنا السياسي لسياسة المؤسسة الإسرائيلية العنصرية التي تعبد طريقنا للبطالة والفقر.

بظل الصراع القومي الفلسطيني، تعمل الحكومة الإسرائيلية في كل حقول الحياة لضمان فشلنا. هذا هو وجه دولة اليهود التي تثبت في كل مرة من جديد بأنها تعطي الشرعية فقط للأحزاب التي تعكس وجهة نظرها العنصرية. لست متأكداً أي هي العنصرية الأعنف في المجتمع اليهودي: أهي عنصرية “دولة تل أبيب” التي تشغل دور المدينة الليبرالية- فقط لليهود وتجتهد لكي تبقى أشكنازية بيضاء؟ أم ربما عنصرية القدس حيث تقوم قوات حرس الحدود بتعرية الشباب العرب فقط لسد احتياجاتهم السادية؟ في كل الأحوال، لا أتوقع الكثير من المجتمع اليهودي حيث العنصرية هي قيمة. في المقابل، كنت أتوقع من الطبقة الوسطى العربية، لا سيما المثقفين فيها، طرح بديل يتقبل ويتبنى الشباب، لكنهم عملياً يقصون هؤلاء ويميزون بحقهم.

لا أعرف ما هو التبرير لتحول الجريمة في واقعنا لجزء من الروتين اليومي، لكنني أعرف بأننا- نحن الشباب- ندفع باهظ الثمن: في السجون وفي المقابر.

لا غرض لدي بوعظ المثقفين العرب ولا أريد أن أربي أحد، لكنني أطلب ببساطة: بألا تكذبوا علينا. اذا كنتم غير قادرين على تقبلنا كجزء لا يتجزأ من المجتمع، كمن قمتم بتربيتنا، كنتاج لتعاملكم، فلا تتوجهوا لنا. لأنكم لا تعرفون ماذا يعني أن يكبر الإنسان في حي فقر. لا تعرفون الخوف الذي نشعر به ونحن في الشارع من الشرطة، من المجرمين ومن عيونكم الثاقبة. نأسف لأننا لسنا جميلين، لأننا لم نولد لعائلات متمكنة تسمح لنفسها بالإنفاق على تعليمنا في المدارس الخاصة والجامعات. نأسف لأن مزاجنا حامي. فقط هكذا كان بإمكاننا أن ننجو في عالم غير معني بنا. لا أعرف ما هو التبرير لتحول الجريمة في واقعنا لجزء من الروتين اليومي، لكنني أعرف بأننا- نحن الشباب- ندفع باهظ الثمن: في السجون وفي المقابر.

سأنهي بكلمات لأحد أصدقائي منذ الطفولة. بعد أن خرج هذا من السجن، جلسنا في بيته عندما زارته العاملة الإجتماعية وراحت تقدم له العظات حول طريقة تصرفه في المجتمع. صديقي، الذي سقطت الابتسامة عن وجهه، أجابها قائلاً: “والدي أقنعني بأن أترك المدرسة لكي أعمل من أجله بالمجان، أخي كان يرسلني لبيع المخدارت، أمي مجنونة والأمر الوحيد الذي أعرف كيف أقوم به هو السرقة. أين كنتم عندما كنت بحاجة لكم؟”. جميعنا صمتنا. بعد أسبوعين، لملمت جثته من الشارع بعد أن اخترقت رأسه سبعة رصاصات. على المجتمع العربي أن يفهم بأن شبابه ليسوا مجرد أرقام. نحن لسنا هنا لكي تستخدمونا لاحتياجاتكم السياسية. نحن أيضاً لدينا أحلام وطموحات لحياة عادية لا يكون فيها الدخول لأماكن الترفيه صراعاً: حيث لا يتم توجيه الاتهامات لنا فقط لأننا بشر علقوا في واقع تعيس فرض عليهم. لا أدعي بأن الشباب العرب لا يخطئون أبداً ولكن بدل أن نقوم بإقصائهم، تعالوا نحاول، كمجتمع، احتضانهم واحتوائهم. فقط هكذا سيكون بمقدورنا خلق بديل للجريمة والعنف.

ناشط في “التجمع” وطالب بمجال الحكم والمجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.