التعذيب البيروقراطي للأمهات الشرقيات الوحيدات

البيروقراطية تعتبر ربما فكرة عقلانية ومنطقية ولكنها تستخدم عملياً كأداة بيد الدولة لاستنزاف الحراك الشرقي وقمع أية مقاومة سياسية واجتماعية. مراجعة لكتاب سمدار لافي الجديد الذي يستعرض حياة النساء الشرقيات تحت النظام الإسرائيلي-الصهيوني.
حين مسجاف

 

سمدار لافي، مؤلفة الكتاب موضوع هذه المراجعة، تكتب بأن “الكتابة الأنجلو-أمريكية بدراسات التابع (Subaltern Studies)) تنتج، ويتوقع منها أن تنتج، أبحاث خالية من الشغف (Dispassionate scholarship). هذا الكتاب يرفض الانصياع لذلك: على العكس، سوف أحاول تذويت الفكاهة، السخرية وأيضاً الغضب كأدوات أدبية تعزز النتائج الأنثروبولوجية” (صفحة 86). مما لا شك فين بأن الاثنوغرافيا (بالإشارة إلى علم وصف الشعوب) التي كتبتها لافي توفي بهذا الوعد. وعدا عن الفكاهة، السخرية والغضب، فالكتاب يعرض وجهة نظر نسوية، سياسية-راديكالية ومستحدثة حول حياة النساء الشرقيات في الضواحي الإجتماعية، الثقافية، الجغرافية والرمزية في إسرائيل، ويساهم مساهمة كبيرة للبحث النسوي، الإجتماعي والسياسي بالسياق الإسرائيلي الراهن.

في كتابها تصف لافي ما تسميه “بنية النظام الإسرائيلي الذي يعتمد على الجندر\العرق”: هذه البنية، باعتقادها، هي بنية أساسية وليس بناء إجتماعي كما يميل جزء من الباحثين إلى وصفها. هذه البنية الأساسية للنظام والمجتمع الإسرائيليين تحول الشرقيين الخاضعين لها ل”جماعة بدون حقوق أقلية”: هؤلاء، على الاختلاف من الفلسطينيين مواطني إسرائيل اللذين تتشابه أحوالهم كجماعة، لا يحصلون على اعتراف دولي بحقوقهم، فقمع الشرقيين (الذي تصفه لافي بلهجة غير اعتذارية بالمرة ب”الابرتهايد اليهودي الداخلي”) لا يعني المجتمع الدولي كما يعنيه قمع الفلسطينيين. هذا الادعاء الراديكالي القائل بأن البيت القومي اليهودي مبني على النعصرية ينضم للادعاءات التي تسمعها لافي منذ حوالي العقدين من على منصات أكاديمية كثيرة. التجديد في هذا الكتاب ليس في تكرار هذا الادعاء المتعلق بمبنى النظام الإسرائيلي-الصهيوني والتوسع به إنما بالطريقة التي تسعى لافي من خلالها إلى استعراض حياة النساء الشرقيات الخاضعات له.

النساء الشرقيات، كجمهور مقموع ومعذب تحت وطأة البيروقراطية التي تسحق روح الاحتجاج بالطوابير الطويلة، غير قادرات على صياغة سياسة هوية، لهذا فهن يتحولن عملياً لجمهور خنوع يفتقد إلى الرؤيا.

لافي تعتمد على كتابات باحث الأنثروبولوجيا دون هندلمان، وتخصص بحثها لكشف طرق العمل البيروقراطية التي تسيطر الدولة من خلالها على مواطنيها، وخاصة على هؤلاء المقموعين تحت ثقل مبنى الجندر\العرق، أي النساء الشرقيات من الطبقات الاجتماعية-الاقتصادية المتدنية. البيروقراطية، تدعي لافي، تعتبر ربما فكرة عقلانية ومنطقية ولكنها عملياً وفي الحياة اليومية لهؤلاء النساء تستخدم بيد الدولة كأداة لتبديد الحراك الشرقي، لإستنزاف وقمع أية حراك أو مقاومة سياسية واجتماعية، ولتحويل الشرقيين لجمهور خنوع. إلى جانب ذلك، تدعي لافي في دراستها بأن البيروقراطية تتحول إلى تعذيب ولكن في التعذيب البيروقراطي، على العكس من التعذيب السياسي، من الصعب التمييز بين المعذِب والمعذَب، فغالبية الموظفين الصغار (موظفي التأمين الوطني مثلاً) هم شرقيون يؤمنون بكل صدق بأنهم قادمون لمساعدة النساء اللواتي ينتظرن بالطوابير الطويلة لمكاتب الرفاه والعمل. مواطنة هؤلاء النساء اللواتي يتحدث الكتاب عنهن مبنية على المعجزات والعجائب لا سيما وأنها تعتمد على تلك المنظومة البيروقراطية غير المنطقية التي يعتبر فيها الحصول على أي شيء بعد يوم كامل من التنقل بين المكاتب والانتظار بالطوابير بمثابة معجزة. من هنا ينبع تعامل الشرقيين مع الدولة ومؤسساتها- تعامل غير عقلاني مبني على مشاعر دينية وحظ.

في الكتاب ستة أبواب. الباب الأول يفتتح بالحراك الشهير الذي قادته فيكي كنافو قبل حوالي العقد، حراك شاركت به المؤلفة بنفسها بشكل فعال ووثقته كما يليق بباحثة أنثروبولوجية قديرة. لكن هذا الحراك، مثله مثل حراكات شرقية أخرى، فشل بنهاية المطاف. في هذا السياق، تصف لافي بالتفصيل، ومن وجهة نظر نقدية، السياق الواسع الذي يتيح وينتج الضائقة، نفس الضائقة التي كانت من وراء خروج كنافو، ونساء أخريات قمن بالانضمام إلى مسيرتها إلى القدس على الأقدام، ومن ثم إلى اقامة خيمة الاعتصام في حديقة الورود بالقدس برفقة عشرات الامهات الشرقيات (والروسيات) الأخريات. ويشمل هذا السياق، التغييرات الجيوسياسية التي مرت على إسرائيل (اتفاقية اوسلو)، انعكاساتها الاقتصادية (انتقال الصناعات من مدن التطوير إلى خارج البلاد)، الوضع الأمني في بداية العقد الماضي (الانتفاضة الثانية والهدنة) والسياسة النيوليبرالية الجائرة التي رافقه هذه (قانون التسويات وتقليص المخصصات). لافي تصف هذه الخلفية الهامة بمهارة وبتفاصيل التفاصيل.

في الباب الثاني، تصف لافي بشكل مسهب مصطلح “أم وحيدة”، والصعوبات التي تقف أمام هؤلاء الأمهات وخاصة الشرقيات منهن. في هذا الباب تتضح أيضاً موهبتها الكبيرة بالكتابة الأثنوغرافية النسوية، عندما تصف سيرتها الذاتية كأم وحيدة وتدمج الكتابة النظرية الأكاديمية ضمن ذلك. هذا ما تقوم به، على سبيل المثال، عندما تشرح تأريخ الهوية الشرقية في إسرائيل، فكما تقول “من أجل الوقوف على قمع النساء الشرقيات اليوم، علينا أن ندرس تاريخ القمع الشرقي منذ فترة الهجرات الأولى إلى إسرائيل لا أن نبدأ بالفترة التي أقيمت فيها الدولة وبفترة معسكرات القادمين الجدد” (صفحة 44). هذا الباب يختتم بمسح شامل للنشاط الشرقي في إسرائيل وخاصة النسوي منه. التاريخ الشرقي كما يصفه الكتاب يوصلنا إلى الشرح الذي تسوقه لافي لدعم الشرقيين في إسرائيل لليمين، وللاعتراف بأن قدرة النسوية الشرقية عل قيادة تغيير اجتماعي وسياسي ملحوظ محدودة جداً.

في الباب الثالث والباب الرابع يتم التوسع بالادعاء المركزي للكتاب- غياب “الوكالة” (agency) وسط النساء الشرقيات الوحيدات، والطريقة التي تبدد فيها البيروقراطية الحراك الإجتماعي. النساء الشرقيات، كجمهور مقموع ومعذب تحت وطأة البيروقراطية التي تسحق روح الاحتجاج بالطوابير الطويلة، غير قادرات على صياغة سياسة هوية، لهذا فهن يتحولن عملياً لجمهور خنوع يفتقد إلى الرؤيا. وهذا بالضبط هو هدف الدولة: قصم ظهر الاحتجاج السياسي بواسطة التعذيب البيروقراطي. مع ذلك، وعلى الرغم من التعذيب المستمر، فالشرقيون يحبون الدولة، البلاد وشعب إسرائيل ويشعرون بالانتماء للشعب الذي “يأتي عليه الأغيار لإهلاكه”. لهذا، فانتقاد الدولة يعتبر ميزة أشكنازية أما الشرقيون اللذين “نجحوا”، أي مروا بعملية “تشكنز”، فيتحولون لأكبر الرقباء على الحراك الشرقي.

مغلف الكتاب
مغلف الكتاب

في الباب الخامس، “يوميات أم مع مؤسسات الرفاه”، تستعرض المؤلفة توثيق اثنروغرافي شخصي مدهش من حياتها هي كأم وحيدة في عام 2003، وتجسد من خلال تجربتها الشخصية ماهية التعذيب البيروقراطي القمعي. في الباب الأخير، تعود لافي لكنافو ولخيمة الاعتصام لتصف نهايتها المرة- كيف سقطت الهدنة، واختفى الإعلام من الخيمة وعاد لتغطية الوضع الأمني (أما الصحافيين فعادوا للجلوس بحانة فندق “الأمريكان كولوني” بدل تقديم التغطية من الخيمة). هكذا،  بتذرعات أمنية اسدل الستار على فصل آخر في تاريخ النضال الشرقي بإسرائيل. لافي تدعي بأن النظام الإسرائيلي عادةً ما يستخدم الوضع الأمني عندما يهدد الاحتجاج الاجتماعي بقاءه، وتظهر كيف وقع الحراك الاجتماعي في صيف 2011 ضحية لهذه الطريقة.

تصف لافي في هذا السياق الفرق بين حراك عام 2011، الذي قاده الجيل الشاب من أبناء الطبقة الوسطى، شريحة سكانية لا يمتلك النظام أدوات لقمعها، وبين حراك الأمهات الوحيدات. هذه المقارنة تحمل بين طياتها نقاش مثير لا يتم التوسع به في هذا الكتاب كفاية، وقد يكون ذلك للأفضل فالحراك الاجتماعي من عام 2011 يتطلب نقاش أعمق من ذلك، ووصفه كفشل أو كحراك طبقة وسطى فقط لا يأخذ بعين الاعتبار الصورة الكاملة. فكما أشرت في السابق، قد شمل الحراك الاجتماعي أواسط شرقية واسعة: أسمعت هذه صوت احتجاج نسوي وشرقي إلى جانب صوت الضواحي (كخيمة الاعتصام بحديقة “ليفنسكي” في تل أبيب أو في حي “هتكفا”، مثلاً)، وزرعت البذور لظهور جيل جديد من النشطاء الشرقيين ولنشوء علاقات تعاون مفاجئة وراديكالية. من السابق لأوانه اذاً، وربما من الخطأ، أن نرثيه بشكل قاطع، ويجب التعمق به ودراسة انعاكاساتها المستقبلية.

في الخلاصة، ينجح هذا الكتاب بالدمج ما بين الكتابة البيوغرافية- الذاتية والنسوية-الذاتية رفيعة المستوى وبين النظريات المركبة، ويستعرض أطروحة متسقة، راديكالية، مستحدثة ومثيرة ذات أهمية بالغة للبحث النسوي، الشرقي والاجتماعي في السياق الإسرائيلي، أهمية تتجاوز السياق الانثروبولوجي بكثير. هذه الأطروحة توسع وتطور الأفكار التي صاغتها ونشرتها لافي بالسنوات الأخيرة. بطبيعة الحال، هذه الأفكار أثارت الكثير من المعارضة أيضاً بين الباحثين والباحثات الشرقيين. يوصى بالكتاب للباحثين والباحثات بمجالات التاريخ، الجندر، دراسات الثقافة وخاصة لهؤلاء في العلوم الاجتماعية المعنيين بعلاقات القوة، بالحركات الاجتماعية وبالمقاومة (في السياق الشرقي وعامةً). يوصى بالكتاب أيضاً للجمهور الواسع والمثقف الذي سيجد متعة في الكتابة المتزنة، واسعة الآفاق والمثيرة للفضول، وحبذا لو تتم ترجمته للعبرية. كبقية كتابات لافي، ينطوي الكتاب على موقف سياسي راسخ، وهو يعبر بالطريقة الأمثل عن نمط الكتابة الأكاديمية النسوية النقدية الذي يسعى إلى التغيير الاجتماعي والسياسي لا لأن يبقى محصوراً في البرج العاجي للأكاديميا.

باحث، محاضر وناشط بمجالات التخطيط وسياسات الحيز، الجندر والجنسانية.

*نشرت المراجعة للمرة الأولى بالعبرية في مجلة “الأمن الاجتماعي”، نشرة 99، آذار 2016.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.