الدراجات الهوائية الكهربائية في شوارع يافا تقلق مضجع الكولونيالية

اليهود المتمكنين اللذين انتقلوا للعيش في يافا يشكون كثيراً من الأولاد العرب اللذين يقودون دراجاتهم الهوائية الكهربائية في الشوارع. هذا الموضوع يقلق مضجعهم لدرجة أنهم يقترحون الآن التعامل مع هؤلاء الأولاد بنفس الطريقة الكولونيالية الكلاسيكية العنيفة. 
عبد أبو شحادة

 

في حديثنا اليومي وتحليلنا لدخول اليهود من الطبقة الوسطى وما فوق للأحياء العربية في يافا، عادةً ما نميل إلى تداول عملية الاستطباق (“gentrification”) بالتركيز على جوانبها الاقتصادية والسياسية إلا أن انعكاسات هذه، على ما يبدو، هي أوسع بكثير. كنت شاهداً على نقاش دار في إحدى المجموعات على الفيسبوك مؤخراً جعلني أفكر بقسوة هؤلاء اللذين انتقلوا للعيش في يافا منذ زمن ليس ببعيد- أناس يشكل بعضهم نموذجاً للطابع العنيف للمجتمع الإسرائيلي- وساهموا بذلك عملياً في تعميق عمليات الاستطباق وانعكاساتها الاجتماعية والثقافية أيضاً.

شخص ما قام بكتابة مشاركة في تلك المجموعة وصف من خلالها كيف كاد أن يدهس ولداً على دراجة هوائية كهربائية في أحد شوارع يافا بعد أن وثب هذا إلى الشارع، مضيفاً بأن الولد قام بسبه بعد أن حاول تنبيهه للأمر. بسرعة كبيرة تطور نقاش من خلال التعقيبات اقترح المعقبين في معرضه التعامل مع هؤلاء الأولاد بطريقة عنيفة وحازمة. البعض اقترح دهسهم، البعض الآخر ذم أهاليهم بينما رأى البعض الآخر بأنه يتوجب ادخال قوات أمن أكبر للمدينة. لم يخطر ببال أحد أن يقترح الحديث إلى الأهالي خاصة وأن الأولاد أينما كانوا يقومون بفحص الحدود من مرة لمرة، وبأن من المتعارف عليه في أي مجتمع صحي بأن يتم التوجه للأهالي للتعامل مع التصرفات غير المقبولة لدى الشبيبة.

أولائك المعقبون يقدمون العظات للمستوطنين في الضفة ويستنكرون اعتقال الأولاد بيد الجيش، وفي ذات الوقت، يتوقعون من شرطة إسرائيل بأن تخرج بموجة اعتقالات للقاصرين في الأحياء العربية في يافا- لأن الدراجات الهوائية الكهربائية تقلق مضجهم!

الأمر الذي أقلقني أكثر من هذا بأنني وبعد أن تفحصت حسابات الفيسبوك للمشاركين في النقاش تبينت بأن الحديث عن أصحاب توجه يساري صهيوني. هؤلاء ينتقدون بيبي (نتنياهو)، يستنكرون الخطاب السياسي المروع لليمين، وأهم شيء بأنهم خضريون(!). لكنهم لا ينتبهون ربما بأن كونهم لا يسبون في التعقيبات لا يجعل أقوالهم أقل عنفاً بالضرورة. هكذا، عل سبيل المثال، سأل أحد المشاركين إن كان الأولاد يهوداً: عندما اتضح له بأنهم عرب، إدعى بأن الأمر مفهوم ضمناً في هذه الحالة. وفق نظرته، الأولاد اليهود متحضرين، لطيفين ومتعلمين ولا يقضون وقتهم في الشوارع، بينما الاولاد العرب فهم غليظين وعنيفين ويجب التعامل معهم بيد صلبة. احدى الطالبات في كلية الحكم والمجتمع والتي أعرفها بالصدفة، وأعرف بأنها درست الأنثروبولوجيا وبعض النظريات الإجتماعية عن المجتمعات المستضعفة، قررت في هذا المحفل بأن تقدم لنا العظات وبأن تدعي بأن الأولاد في أحيائنا يشكلون نقطة حضيض تربوية، وبأنهم هائجون وخطرون، حتى أنها لخصت بقولها: “مقزز”.

كما هو متوقع ومتبع في الخطاب الصهيوني- بالإمكان حل كل شيء بالقوة والعنف. أولائك المعقبون يقدمون العظات للمستوطنين في الضفة ويستنكرون اعتقال الأولاد بيد الجيش، وفي ذات الوقت، يتوقعون من شرطة إسرائيل بأن تخرج بموجة اعتقالات للقاصرين في الأحياء العربية في يافا- لأن الدراجات الهوائية الكهربائية تقلق مضجهم!. هذه هي نفس النظرة والتعامل الكولونيالي الكلاسيكي: أناس بيض أغنياء يصلون لمنطقة حيث تعيش مجموعة من الأولاد من ذي قبل وتدير حياتها الإجتماعية، وبدل من أن يحاولوا الاندماج، فهم العادات والحديث إلى الأهالي- شعورهم بالتفوق، المدعم بقوة الذراع، يمنحهم ميزة لأن يهدموا ويدوسوا على المجموعة الأصلانية بإدعاء أنهم قادمون لإرساء النظام في المنطقة.

ولا تعود جذور هذه المشكلة لصعوبة في التواصل لدى الجيران الجدد في الأحياء العربية بيافا إنما للطريقة التي ينظرون فيها لأنفسهم كأسياد، كمن يدفعون الكثير من الأموال على شققهم، ومن دورهم بأن يربوا العرب في يافا. هذا واقع قائم في علاقات العرب واليهود يتعامل فيه اليهود مع الحيز، بطبيعة الحال، تعاملاً محتلاً وعنيفاً، ويسخرون السلطات لتصميم الحيز وفق نظرتهم ومن خلال هدم كل ما هو ليس ثقافتهم. وليس القصد هنا بأنه لا فرق بين اليسار واليمين الإسرائيلي فمن الواضح بأن هناك فرق: اليمين معني بمجتمع متماثل موحد يعتمد على طهارة الدم اليهودي بينما اليسار الصهيوني معني بأن يكون هناك عرب في المجتمع يقومون بتوفير الخدمات الأساسية (وأهمها طبعاً- الحمص والفول!).

حان الوقت لأن يفهم هؤلاء الجيران الجدد إلى أين انتقلوا. الأحياء العربية لم تكف عن كونها أحياء فقيرة تعاني من إهمال السلطات وشحة الميزانيات للمدارس العربية. المجتمع العربي لم يكف عن كونه مجتمعاً فقيراً ومنشغلاً بحرب بقاء مستمرة، ونعم- هناك آفة إجرام في يافا خاصة في ظل المنظومة الشرطية العنصرية التي تنتهج العنف المفرط بأقل ذرة من المهنية. لكن الأمر الأهم الذي يجب فهمه بأن هناك في يافا مجتمع عربي لن يقبل المعاملة العنصرية والمهينة. هذا هو نفس المجتمع الذي خرج إلى الشوارع ليس مرة أو مرتين، تظاهر ولم يتردد في مواجهه الشرطيين حتى عندما شعر بأن هناك من يقلل من إحترامه.

اذا كان السكان الجدد في يافا يعتقدون بأنه لا توجد هناك شبكة دعم إجتماعية للأولاد على الدراجات- فهم مخطئون وخطأهم فادح. في حال قرروا المباشرة بدهس واعتقال هؤلاء الأولاد، من المهم بأن يعرفوا بأن هؤلاء الأولاد هم أولادنا. هم جزء من المجتمع العربي الفلسطيني في يافا. لن نسكت اذا ما تم المساس بهم. من جهة أخرى، فنحن نعي بأن الأولاد بطبيعتهم قد يتصرفون بطريقة إشكالية، ونعي الأفات الإجتماعية المنتشرة بيننا والتي علينا ايجاد حلول للتعامل معها. لكني سأقترح هنا شيء غريب وغير تقليدي في المجتمع الإسرائيلي: ماذا لو كانت هناك إمكانية لحل المشكلات دون عنف؟! هذا ما سيكون عندما ينظر هؤلاء السكان إلى الطرف الثاني كطرف متساوي لهم، ويقومون بالتنازل عن الميزات العنصرية التي أسست لهذه الدولة ويبدؤون ببساطة بالحديث إلى غيرهم.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.