عن المشاركة القسرية في طقوس الثكل الإسرائيلية

لا أريد أن أقف لسماع الصفارة في يوم الذكرى لقتلى حروبات إسرائيل. أفضل بأن أصرخ. لماذا اذاً لم أنجح في عدم الوقوف؟
شيرا ميكن

 

“هذه السنة لن أقف عندما تطلق الصفارة” (بالإشارة إلى الصفارة التي تسمع في أنحاء البلاد في يوم الذكرى لقتلى حروبات إسرائيل والذي حل هذا العام بالأمس، 10.5.16)، وعدت نفسي. في دولة يقوم رئيس حكومتها بفتح النار باتجاه نائب قائد الأركان العامة لأنه تجرأ على الحديث عن الجوهر وليس فقط عن المظهر، في دولة تقوم بتمويل طقوس لا فائدة منها بمئات آلاف الشواقل بينما هناك 11 ألف من نجاة الكارثة يعيشون على خط الفقر- لا أريد بأن أقف دقيقة صمت. أفضل بأن أصرخ.

الصفارة هي معلم مركزي بثقافة الثكل الإسرائيلية، مركب آخر في طقوس مجامعة الأموات في بلادنا التي “تأكل سكانها” (بالإشارة الى “أرض تأكل سكانها” الواردة في التناخ) بنوبة بوليميا. منذ فترة طويلة، لم يعد الحديث عن لحظة حميمية للتوحد مع ذكرى القتلى إنما عن طقوس سياسية تؤكد على شرعية الحكم وتفصل بشكل عشوائي بين مواطني الدولة المطيعين وبين من لا يتم اعتبارهم كجزء من “الشعب”.

لكي يستمر المجتمع في مساره الاعتيادي، القمع العنيف غير كاف لوحده، لهذا فقد اخترعت الايديولوجية.

منذ أن كنت بسن الرابعة، كان علي أن أقف دقيقة صمت في روضة الأطفال، ذلك قبل أن أعرف معنى الصفارة. المربيات هددن بمعاقبة كل من لا يقف لسماع الصفارة أما شبيحة الروضة فذوتوا ما لقنوهم وقاموا بضرب الأولاد اللذين لم يتحلوا بقدر كافي من الصهيونية. أغلب الظن بأن هؤلاء الأولاد هم اليوم جنود في جيش “الظل” (مغني الراب الإسرائيلي المتطرف).

ولكن بعد عشرة ثواني من انطلاق الصفارة وانتشار الموجات الصارمة بأنحاء غرفة النوم، لم أنجح في تجاهلها. في اللحظات الأولى واصلت الجلوس مقابل الحاسوب بتصميم. “لا أحد ينظر إلي”، ذكرت نفسي. لكن ذلك لم يساعدني. مع أنني كنت لوحدي في الغرفة فقد وجدت نفسي أنهض ببطيء، مثل “الزومبي”، وأقف بصمت وارتباك. في نهاية المطاف، وقفت بتصلب حتى انتهت الصفارة.

لماذا سحقاً لم أنجح في عدم الوقوف؟

الفيلسوفان الفرنسيان لوي التوسير وميشيل فوكو يشرحان كيف ينجح الحكم والمجتمع بجعل الفرد مطيعاً- دون استخدام القوة. لكي يستمر المجتمع في مساره الاعتيادي، القمع العنيف غير كاف لوحده، لهذا فقد اخترعت الايديولوجية. كيف تعمل هذه؟ يتم ببساطة عرضها وكأنها شيء “طبيعي” جداً ومن ثم غرسها عميقاً في وعينا من قبل أن نولد. بإمكاني أن أتفاخر بحرية تفكيري لكن مجموعة التجارب التي مررت بها منذ الرضاعة، والكثير منها كانت ذات طابع أيديولوجي، متجذرة تحت جلدي. هكذا، على سبيل المثال، حدد اسمي الشخصي، من قبل أن أتعلم الحديث حتى، بأنني سأكون إسرائيلية، غربية وعلمانية.

طريقة أخرى للتحكم بنا تعمل بواسطة نظرة الآخرين- الذين تحولوا لوسيلة ليست أقل نجاعة من نجاعة الشرطي. مثل شبيحة الروضة، المواطن المطيع ينظر كل الوقت إلى نفسه وإلى بيئته ليتأكد بأن الجميع يحترم “القواعد”. مع الوقت، كل واحد منا يقوم بتذويت هذه النظرة، المعرفة بأن هناك من يراقبنا تصبح افتراضاً أما نحن فنصير ندير استعبادنا بأنفسنا. لهذا، حتى عندما أكون لوحدي عندما تنطلق الصفارة- فالحيز الشخصي يتحول لحيز عام. لمدة دقيقة أو دقيقتين تتحول غرفتي لحيز متماثل ومتزامن يخضع لنظرة “الشعب” كله.

من المبادرات ل”ليلة هانئة” لمحاربة العنف الجنسي في أماكن السهر.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.