من يوميات معلمة في يوم الاستقلال

أيام الذكرى والاستقلال التي يتم احيائها في إسرائيل في هذه الفترة تفرض الكثير من الصعوبات على الهويات التي لا تتماشى مع رؤيا الدولة اليهودية وأيضاً على المعلمين. روتي لافي حاولت التعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة بعض الشيء.   
روتي لافي

 

قبل سنوات عندما طردت من وزارة التربية، قالت لي مديرة المدرسة: “روتي، مشكلتك بأن الأولاد يهمونك أكثر مما تهمك المدرسة”. مع الوقت استوعبت بأن من يديرون هذه الدولة أيضاً لديهم نفس المشكلة معي ومع أمثالي. لا يعجبهم بأن الناس اللذين يعيشون في هذه الدولة أهم لنا من المؤسسات التي اقيمت من أجلهم لا سيما وأن هذه انتفخت حتى تحولت لوحش له حياة خاصة به. في هذا الاسبوع الذي يقف فيه الاستقلال والإسرائيلية في المركز، أريد ان أتذكر كل هؤلاء الاولاد والبنات اللذين كانوا “أهم” بالنسبة لي.

يافا. ولد بعمر 5 سنوات. عربي في روضة يهودية. يوم الذكرى (لقتلى حروبات إسرائيل). في الغد، احتفالات يوم الاستقلال. المربية تجمع الأولاد في الصباح وتشرح لهم لماذا نقف لسماع الصفارة (بالاشارة الى الصفارة التي تطلق في أنحاء إسرائيل في يوم الذكرى). تحكي لهم كيف يحاول العرب قتل اليهود كل الوقت، كم من الحروبات وقعت وكم من الجنود “سقطوا” دفاعاً عن “الدولة”. عندما نقف لسماع الصفارة، قالت لهم، فنحن نتذكر كل هؤلاء الجنود. نتذكر بأنهم يريدون قتلنا كل الوقت. الجنود الأبطال، كما قالت، يحموننا كل الوقت من العرب اللذين ما زالوا يريدون قتلنا وأخذ الدولة منا.

أتذكره وأتذكر كل هؤلاء الاولاد اللذين ربيتهم واللذين كان عليهم ان يحتفلوا في كل عام بيوم استقلال الدولة، الدولة التي لم يسمح لهم بأن يكونوا جزءاً منها إلا بعد أن دفعوا الثمن بمحو هويتهم وثقافتهم وكل ما حدث لشعبهم بذلك “الاستقلال” الذي يتم الاحتفال به.

الاولاد تفرقوا وذهبوا للعب. بعد ساعة، المربية نادت الجميع قبل وقت قصير من انطلاق الصفارة. الولد العربي، إبن الخامسة، يجلس في الزاوية ويبكي. ماذا حصل؟ بادرته بالسؤال. روتي، قال وهو يجهش في البكاء، ممنوع علي أن أقف، أنا من العرب. احتضنته وقلت له بأن أناس من كلا الطرفين يموتون في الحروب وبأن الموت محزن في كلا الحالتين. قلت له بأننا نقف ونفكر بكل هؤلاء اللذين ماتوا من الطرفين لأن الموت محزن. لا نريد بأن يموت أحد، وليعش الجميع بهدوء. أردت أن أقول له المزيد ولكن ذلك ممنوع لدينا. احتضنته أقوى. هو احتضنني أيضاً ووقفنا سوية عند سماع الصفارة فلم تكن هناك امكانية أيضاً لعدم المشاركة في الوقفة.

أتذكر ذلك الولد الآن. اليوم هو شخص بالغ، ومن المرجح بأنه نجح في تشكيل هوية لنفسه- مختلفة عن تلك التي خصصت له منذ الطفولة من قبل الدولة اليهودية وجهاز تربيتها اليهودي. هو وكل الاولاد اللذين لم يحصلوا على جهاز تربية آخر يستطيعون من خلاله بناء أنفسهم وبناء هويتهم. هو وكل الاولاد اللذين لم يسمح لهم إلا بأن يكونوا “أعداء” دولتهم، أن يكونوا القتلى اللذين لا قيمة لحياتهم في هذه الدولة، اللذين يستطيعون بواسطة موتهم فقط بأن يكونوا جزءاً منها.

أتذكره وأتذكر كل هؤلاء الاولاد اللذين ربيتهم واللذين كان عليهم ان يحتفلوا في كل عام بيوم استقلال الدولة، الدولة التي لم يسمح لهم بأن يكونوا جزءاً منها إلا بعد أن دفعوا الثمن بمحو هويتهم وثقافتهم وكل ما حدث لشعبهم بذلك “الاستقلال” الذي يتم الاحتفال به. محو كامل للهوية والثقافة وتحويلهم لشفافين وخرسان بواسطة نفس جهاز التربية الذي من المفترض بأن يعتمدوا عليه، يستقوا منه ويثقوا به.

أيضاً في يافا. الصف الأول. ولد يهودي، روسي. ما إن هبط من الطيارة حتى أحضر إلى المدرسة. لم يتقن العبرية طبعاً، فقط الروسية. ولم يرغب في تعلم العبرية بل كان مصمماً على ذلك. عندما حان الوقت للاحتفال بيوم الاستقلال، احتفلنا به في صفي بطريقة مختلفة. حيث دعوت كل ولد إلى اختيار الدولة التي تناسبه وتصميم علم لها. بعض الأولاد والبنات اختاروا دولة خيالية- دولة قراصنة، دولة سوبرمان، دولة جنيات وسكاكر. من المسموح بل من الواجب اتاحة المجال امام الاولاد ليبنوا واقعاً يتناسبهم واحتياجاتهم الخاصة. ذك الولد لم يقم باختيار دولة خيالية بل اختار رسم علم روسيا بالحجم الكبير. قمت بتعليق العلم مع بقية الأعلام التي رسمها الأولاد أما هو فقام بعرضه متحدثاً بالروسية بينما يقوم ولد آخر بترجمة ما يقوله. كالأعجوبة، بعد أسبوع بدأ الولد بمحاولة تعلم العبرية وكتابة الأحرف والكلمات. فقط الولد الذي يستطيع أن يحافظ على هويته دون أن ينصهر- فقط هو يستطيع أن يتبنى لنفسه أيضاً معرفة جديدة، مختلفة.

لن أنسى كيف حكت لنا مرة بنت في الصف الأول بأنها حلمت بأن العرب يلاحقونها. طلبت من الأولاد بأن يكتبوا على ورقة “كيف يبدو العربي” على مدى بضعة أيام. لن تصدقوا: “العربي داكن البشرة، لديه أنف طويل ويتحدث الروسية”!. هذا ما كتبه الأولاد. على ضوء ذلك، فحصنا وسألنا وقارنا واكتشفنا بأنه داخل كل هذا الاختلاف هناك مكان مشترك بالإمكان التعايش معه. في صف آخر كانت هناك بنت عربية واحدة فقط. عندما قررت الصوم في رمضان، تحدثنا عن صعوبة الصوم في يوم الغفران لمن يختار القيام بذلك، وكم يبدو من الصعب الصيام لمدة شهر كامل وليس مجرد يوم. قمنا بتحضير قائمة خاصة وافتخرنا بها في كل يوم لأنها نجحت بالمداومة على الصوم. أهم شيء بأنها شعرت كجزء من الكل وبأن بقية الأولاد شعروا بأنهم شركاء. نفس الشراكة التي حاولت أن أشجعها في كل الصفوف التي درستها- لهويات مختلفة وثقافات مختلفة والمشاركة فيهن.

في صف آخر، حوالي السنة بعد أحداث اكتوبر 2000، اختار الأولاد بأن يخططوا دولتهم بأنفسهم، دولة فلسطين. أحد الاولاد قال أن في دولته “سنكون فقط نحن ولن نسمح لأي شخص آخر بالتواجد فيها”. حدثتهم حينها عن حركة “تعايش” (متطوعون ينشطون الى جانب الفلسطينيين في الضفة الغربية)، عن الحراك التضامني والسفر الى القرى في الأراضي المحتلة. فقرر نفس الولد، بكل براءة، بأن “في دولته، سنكون نحن ولكن أيضاً روتي وأناس “تعايش” وكل من يفكرون مثلهم”. اليوم كانوا ليسموا ذلك تحريضاً على ما يبدو أما أنا فأسميه تربية للقيم. تربية للاختيار، للحق ولحرية الاختيار.

في المرحلة الاعدادية كان علي أن أعلم أغاني راحيل. ألقيت نظرة على الأغاني وتساءلت إن كان هناك من يستطيع أن يفهم كلماتها. ضقت ذرعاً. في اليوم التالي أحضرت لهم أغاني زوهار أرجوف. استمعنا الى الكاسيتات، غنينا وتحدثنا عن الاستعارات والكنايات وكل المصطلحات التي يجب معرفتها خلال دراسة الأدب. هم جلبوا أغاني من البيت بدورهم، كل ما أرادوا مشاركته. في النهاية جميعهم نجحوا في امتحان الأدب.

هكذا مر علي يوم الاستقلال مع الكثير من الصفوف والأجيال والهويات. في مدرسة عربية درست فيها فيما بعد، تعرفنا إلى غسان كنفاني وقصته أرض البرتقال الحزين ورسمنا مسارات الهروب من يافا. فجأة بدأ يتشكل ماضي يحمل معه هوية. فجأة اصطف الاولاد والبنات في طابور ليأخذوا الكتاب ويقرؤونه في البيت. وفجأة هنئت أنا أيضاً لبضعة لحظات في ذلك “العيد” الذي استصعبت الاحتفال به.

أتذكرهم الآن كلما صفعني ذلك القالب الملقن والموحد في وجهي، كلما ألقى في وجوههم- فلسطينيين، روس، شرقيين، اثيوبيين والكثير الكثير ممن يعيشون هنا. قالب يخصص لكل واحدة من القوميات ولكل واحد من المجتمعات مكان له بحيث يتحول أيضاً الخوف وأيضاً الطموح بالحياة والمستقبل ميزات لشعب واحد فقط، بينما بناء المستقبل والحياة الآمنة تحولت هي أيضاً لميزة لطبقة واحدة ومجتمع واحد. رفضي ورفض أخريات مثلي بأن ندير حياتنا وما يملي عليه ضميرنا من خلال هذا الخوف فقط تسمى خيانة.

أتذكرهم الآن عندما أشعر بفشل جهاز التربية بالقيام بواجبه، كيف لم ينجح بأن يجعلنا نلتصق حتى النهاية بهوية واحدة- الهوية الوحيدة الشرعية من جهته. حتى النهاية. ففي اليهودية لم يقل “كل شيء متوقع” فقط بل أيضاً بأن “الخيار معطى” (بمعنى مخير وليس فقط مسير). هناك خيار لأن نصمم بأن نكون جزء من مجتمع “آخر” أو قومية “أخرى”. هناك خيار لأن نحافظ على ضميرنا، مشاعرنا وقلبنا، لأن نحصل على ذلك الخيار بأن نكبر بطريقة مغايرة وليس كما هو متوقع من الجهاز الذي تربينا في اطاره. أرى اليوم كيف تحاول جكومة الدولة اليهودية أخذ هذا الخيار منا. تحاول أن تحكم سيطرتها علينا، على تفكيرنا وتصرفاتنا- اليهود أبناء المجتمعات المختلفة والعرب- بحيث تحدد هي ما هو المتوقع ولمن يعطى الخيار.

أتذكر واتألم على اولاد اليوم اللذين يرون كيف تتم استباحة دماء أولاد في جيلهم. هؤلاء اللذين يقتلون يوماً بيوم وساعة بساعة في الأراضي المحتلة. اتألم على كل هؤلاء اللذين يرون كيف يرسل أبناء جيلهم لاعدام هؤلاء البنات والأولاد.

أتذكرهم الآن عندما أرى كيف تخلق الحكومة اليهودية منظومة فصل خاص بها- ابرتهايد صهيوني. فصل بين من يسمح لهم أن يبكوا أمواتهم وعلى موتهم المتوقع والوقوف لذكراهم وبين من تعتبر رغبتهم بالقيام بذلك خيانة. فصل بين من يسمح لهم بالقيام في كل ما يخطر ببالهم، حتى أن يقتلوا الرجال النساء والأولاد “دفاعاً عن أنفسهم” وبين من يعتبر أي دفاع لهم عن أنفسهم بمثابة خيانة.

فصل بين من أخذ منهم القرار حول المتوقع في حياتهم ومماتهم ولكنهم أعطيوا الخيار لقتل “غيرهم” وبين من أخذ منهم هذا الخيار حتى.  بين من تصور سيطرتهم على حياتهم ومماتهم، كأداة في نضالهم، كتهديد على تلك الدولة اليهودية للحكومة اليهودية. فصل بين من يسمح لهم باختيار ممثليهم البرلمانيين من أبناء قوميتهم وبين من لم يترك لهم أي خيار سوا التنازل عن تمثيل أبناء قوميتهم. فصل بين من تعتبر ثقافتهم الممثلة الشرعية وبين من يقف أمامهم خيار واحد: التنازل عن ثقافتهم وضميرهم وتضامنهم مع “الآخر” مقابل اتاحة مساحة لبعض من ثقافتهم في الحيز العام. فصل بين من يعيشون برفاهية وكرامة وبين من يضطرون الى التنازل عن النضال من أجل حق أبناء وبنات مجتمعهم للعيش بكرامة ورفاه اقتصادي مقابل اتاحة مساحة لبعض من ثقافتهم في الحيز العام.

أتذكر الكثير قي كل مرة يحل فيها هذا “العيد” الذي يصعب علي الاحتفال به. نفس العيد الذي يرغب الأولاد، لمجرد كونهم أولاد، بالاحتفال به. أذكر الكثير بالذات الآن عندما تقوم تلك الحكومة اليهودية للدولة اليهودية بوصفنا بالخائنات- من يصممن على “كون اليهود يهوداً في البيت وبني بشر خارجه”، كما صاغ ذلك مفكر يهودي بالصدفة في محاولة لتعريف التصرف المثالي لليهود في الدول التي يتواجدون فيها.

أتذكر واتألم على اولاد اليوم اللذين يرون كيف تتم استباحة دماء أولاد في جيلهم. هؤلاء اللذين يقتلون يوماً بيوم وساعة بساعة في الأراضي المحتلة. اتألم على كل هؤلاء اللذين يرون كيف يرسل أبناء جيلهم لاعدام هؤلاء البنات والأولاد. اتذكر واتألم للقتلى والمقتولين، للخوف الكبير الذي يدب فيهم، للقتل المستمر الذي يصور مرة تلو الأخرى كعملية طبيعية يفرضها واقع العيش على السيف وتحت السيف الذي يحق لشعب واحد فقط الامساك به.

أنا ادرك تماماً بأنني ك”يهودية بيضاء” سمحت لنفسي بما لا تسمح به الأخريات لأنفسهن- المعلمات العربيات وأيضاً اليهوديات- اللواتي يعتمدن على الوزارة والمدير\ة لاستمرار عملهن والحفاظ على مصدر دخلهن. أنا أدرك أيضاً بأن السؤال المهم هو ليس مع أية ميزات ولدت إنما ماذا تفعل بهذه الميزات. كيف نستغل هذه في النضال من أجل إبطالها؟ في النضال من أجل الحقوق المتساوية للجميع؟.

من كل قلبي أتمنى بأن ليس كل شيء متوقع بل بأن هناك خيار. اؤمن بكل قلبي بأننا لن نتنازل عن ذلك الخيار، عن الوقفة المشتركة، في الزمان والمكان اللذان نختارهما نحن. وقفة مشتركة بألم على كل من قتلوا وقمعوا ومحيوا على مذبح كل الحكومات. وقفة مشتركة ليس فقط لذكرى الموتى بل أيضاً من أجل الحياة. من أجل مستقبل آخر لا نضطر فيه الى بناء هويتنا فقط وفق القاتل والمقتول، المحتل والمحتل، مستقبل يستطيع فيه كل واحد وواحدة، من أية قومية ومن أي مجتمع، بناء هوية جوهرها الحياة، الرغبة الفردية والشراكة بين البشر اللذين يتمتعون بحقوق متساوية، وليس أقل من ذلك، في دولة هويتها ليست يهودية ولا تخضع لحكومة يهودية إنما دولة تعطى فيها حرية الاختيار وتقدم الادوات لكل خيار ولفحص هذا الخيار مرة تلو الأخرى على مدى الحياة البالغة. دولة تكون هويتها غنية، متنوعة ومكونة من مجمل معتقدات، آراء، وثقافات مواطنيها. هوية مشتركة فيها خيار ومكان لاية هوية فردية وخاصة تحترم الهويات الأخرى.

أصلي بأن نبقي في أيدينا خيار محاربة رؤيا جهاز التربية للدولة اليهودية وما هو متوقع لنا منه. بأن نستمر في النضال، وبأن نعطى الخيار لبناء مستقبل آخر. هذا هو الاستقلال الذي أريد أن احتفل به- استقلال أساسه حرية الاختيار والحفاظ على المشترك بين كل تلك الخيارات. كل تلك النضالات التي تحارب من أجل هذا الاستقلال- ستكون سبب احتفالي الصغير هذا الاسبوع.

ناشطة في طاقم النضال من أجل الاسكان الجماهيري. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.