بكم من الموتى على التلميذ الإسرائيلي أن يملأ حقيبته؟

التلاميذ في جهاز التربية الإسرائيلي اعتادوا منذ سنوات طوال على اللقاء الرمزي بالموت لكن البرنامج الجديد للوزير بينيت يعمق شعائر الموت ويضمن الحضور الدائم للثكل العسكري في الأطر المدرسية
افنير بن عاموس

 

برنامج وزارة التربية الجديد، “تبنى جندياً قتيلاً”، يشكل نقلة جدية في شعائر الموت التي يمتاز بها جهاز التربية الإسرائيلي. في إطار هذا البرنامج الذي ينظم بالشراكة مع منظمة “ياد لبانيم” سيقوم طلاب صف التاسع بتبني أحد جنود الجيش الإسرائيلي القتلى، دراسة سيرته الذاتية وملابسات مقتله والالتقاء بعائلته ليقوموا في نهاية المطاف بإعداد كتاب يخلد ذكراه. في المرحلة الأولى التي ستبدأ في العام الدراسي القادم سيشمل البرنامج 300 صف، لكنه سيتسع في المراحل اللاحقة ليشمل صفوفاً وفئاتً عمرية أخرى. ظاهرياً يبدو بأن لا جديد تحت الشمس فالتلاميذ في جهاز التربية اعتادوا منذ سنوات طوال على اللقاء الرمزي بالموت. بيد أن نظرة سريعة إلى تاريخ تخليد ذكرى القتلى في المدارس تظهر بأن الحديث عن تجديد هام- على الأقل في السياق الإسرائيلي.

احد رجال "الهاجاناه" بجانب نصب تذكاري في "تل حاي"، 1938.
احد رجال “الهاجاناه” بجانب نصب تذكاري في “تل حاي”، 1938.

التخليد التربوي المنظم للأبطال الذين سقطوا في ساحة المعركة بدأ من قبل قيام الدولة، في سنوات العشرين من القرن العشرين، عندما حاز ترومبلدور ورفاقه على طقوس تخليد خاصة، مدرسية، في اليوم ال-11 من الشهر السادس (وفق التوقيت العبري، وهو نفس التاريخ الذي قتلوا فيه خلال أحداث “تل حاي” عام 1919). الطقوس التي نظمت تحت الشعار الذي يبدأ ب”يطيب الموت..” (“من أجل الوطن” كما يقال بالعبرية) شكلت عملياً النموذج الأساسي لكافة طقوس الذكرى القومية اللاحقة. حيث أكدت على موضوعة البطولة والاستعداد للتضحية، أبرزت نضال القلائل ضد الكثر، وخلقت علاقة بينة بين الموت، تخليد الذكرى والنهضة القومية. بعد قيام الدولة، خفت بريق طقوس ال-11 من الشهر السادس، لا سيما وأن بطله لم يكن “محلياً” بما فيه الكفاية، حتى اختفت هذه بشكل تدريجي من الأجندة المدرسية. عوضاً عن ذلك، تشكلت هناك العديد من الفرص التربوية التي تُعرف التلاميذ في جهاز التربية على موتى أبطال من نوع آخر.

طقوس التخليد المؤسساتية الأولى كانت احياء ذكرى قتلى الجيش التي اعتمدت في المدارس مع بداية سنوات الخمسين وأدخلت بسرعة للقالب المعهود: ملابس بألوان العلم، دقيقة صمت، خطاب، فقرات فنية، قائمة أسماء، “هتكفا” (النشيد الوطني الإسرائيلي). في بداية سنوات الستين، في أعقاب أصداء محاكمة آيخمان، انضمت إلى هذه طقوس ذكرى الكارثة التي تمت بنفس الصيغة ولكن لأبطال مختلفين. في السنوات الأولى تم تسليط الانتباه على من تمردوا في الغيتوات ضد القوات النازية الألمانية في فترة الكارثة. مع الوقت اضيف لهم “أبطال” يوميين بينها شخصيات من عالم الثقافة، أم قلقة وحتى طفلة متعلقة بلعبتها.

بالسنوات الأخيرة كان هناك توسع اضافي شمل فئات عمرية أخرى: فمنذ عام 2014 يحظى الأولاد في سن الروضة أيضاً بالالتقاء بضحايا الكارثة. البرنامج، الذي وضع خلال ولاية الوزير شاي بيرون حاول خلق لقاء “ايجابي” و”مخفف” إلا أن المربيات اللواتي طبقنه أشرن إلى صعوبة تحويل الكارثة لحدث له أبعاد متفائلة. لا ننسى هنا الرائد روعي كلاين، بطل حرب لبنان الثانية، الذي قفز على قنبلة لإنقاذ رفاقه في الوحدة وتحول منذ ذلك الحين لمركز ماكينة تخليد ضخمة تطال وزارة التربية أيضاً وتشمل آلاف المحاضرات، ورش العمل والدروس.

في المرحلة التالية، اتسعت لقاءات التلاميد بالموتي وصارت تشمل أمكنة تتواجد خارج حدود المدرسة وحتى خارج حدود الدولة. مع بداية سنوات التسعين، بعد سقوط الشيوعية، بدأت تنظم وفود لمعسكرات الابادة في بولندا، وانضمت الطقوس التي تنظم خلال الرحلة إلى طقوس ذكرى الكارثة التي تنظم في المدرسة. المدارس، في المقابل، ضمنت بألا يتم التقليل بذكرى جنود الجيش فأرسلت الطلاب في كل عام لوضع الورود على قبور القتلى في المقابر العسكرية. إلى جانب هذه علينا أن نضيف برنامج “رحلة إسرائيلية- منذ البداية”  الذي يشارك به في كل عام عشرات آلاف التلاميذ من المرحلة الثانوية علماً بأنه يعتمد على رحلة تستمر مدة ستة أيام من ضمنها زيارة النصوب التذكارية ومواقع التراث الحربي.

القاسم المشترك بين كل هذه اللقاءات بأنها عينية. حيث يتم تنظيمها في إطار مكاني وزماني ضيق- إن كان في المدرسة أو خارجها- يستطيع التلاميذ العودة لحياتهم الطبيعية من بعده. البرنامج الجديد، في المقابل، الذي يأتي على نفس وزن “تبنى جندياً”، لا يسمح بمثل هذا الانقطاع. على الطلاب تنظيم لقاءات أسبوعية حول الجندي المقتول الذي يرافقهم على مدى السنة الدراسية. سوف يقومون بالتعمق بحياته ومماته، يعتنون بقبره ويعدون سوية كتاباً لذكراه. الحديث اذاً عن حضور دائم للثكل العسكري سيحوم في سماء الصف بشكل غير منقطع.

شعائر الموت التي تكثف كلما اقترب التلميذ من عمر التجند (للجيش) تأشر له بأن المسار الوحيد أمامه يبدو مثل المسار الذي يربط بين مؤسسة “ياد فاشيم” والمقبرة العسكرية “هار هرتسيل”.

علينا الاعتراف بأن هذه ليست المرة الأولى تماماً التي يطرح فيها مثل هذا البرنامج. في عام 2008 حث الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، على اعتماد برنامج يقوم تلاميذ الصف الخامس في إطاره بتبني ولد يهودي قتل خلال الكارثة. التعليقات التي صدرت عن أطباء نفسيين، مربيين، مؤرخين وحتى عن مندوبي المجتمع اليهودي هناك كانت رافضة. المعلقين تطرقوا بالأساس للصدمة النفسية التي قد تتسبب فيها مظاهر الكارثة وسط التلاميذ لكنهم وضعوا علامة سؤال أيضاً حول استخدام التضامن الحسي كوسيلة لتدريس التاريخ. الضغوطات أثمرت وساركوزي اضطر في نهاية المطاف إلى الغاء برنامج التبني والاكتفاء ببرنامج “محافظ” أكثر لتدريس الكارثة تاريخياً.

ساركوزي وبينيت يعيان بالطبع أية قوة حسية ضخمة يوجد للموت، ذلك الثقب الأسود الذي سيمتصنا جميعاً في وقت ما. نحن نقف مأخوذين أمام الموت ونفقد أي قدرة على التفكير بشكل عاقل ونقدي. كما أن التضامن مع الجندي الميت ينسينا بأن الحديث ليس عن ضحية ساذجة بالضرورة- منذ 1967 فقد الجيش الحق في تسمية نفسه “جيش دفاع” وتحول عملياً لجيش احتلال. من المرجح بأن يكون الجندي الذي يتبناه التلاميذ ممن قتلوا خلال خدمتهم بواحدة من حروب لبنان، بالأراضي المحتلة أو بغزة. الدولة التي تحدد معنى هذا الموت لن تسمح للتلاميذ بالطبع بأن يستمعوا للأصوات المشككة التي تصدر عن العائلات الثكلى أحياناً والتي تعترض على السياسة الرسمية تجاه السكان الفلسطينيين.

بغض النظر عن كل هذا علينا أن نسأل: بكم من الأموات على التلميذ الإسرائيلي أن يملأ حقيبته خلال ال-14 سنة التي يقضيها في جهاز التربية؟ شعائر الموت التي تُكثف كلما اقترب التلميذ من سن التجند (للجيش) تأشر له بأن المسار الوحيد أمامه يبدو مثل المسار الذي يقصده آلاف التلاميذ في كل عام والذي يربط بين مؤسسة “ياد فاشيم”(متحف الهولوكوست في القدس) والمقبرة العسكرية “هار هرتسيل”. هكذا يتحرك التلميذ الإسرائيلي بين مركزين يصيغان هويته- ضحية الكارثة والجندي القتيل- والتي تشكل عملياً شخصية واحدة بوجهان. بهذه الطريقة يتحول الموت في نظره من حدث في الأفق البعيد لكينونة يومية، مفهومة ضمناً ومنشودة حتى!.

محاضر في تاريخ التربية بجامعة تل أبيب، عضو منتدى التعايش في النقب للمساواة المدنية، وعضو الهيئة الادارية لمنظمة “أمنستي- إسرائيل”. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.