بين سنواني وجولدبرغ: كيف ساعدني الخطاب الشرقي على تعريف نفسي سياسياً

أنا “نص نص” كما يقولون: اسم عائلتي أشكنازي ولكن هيئتي ليست قاطعة، وفي كل لقاء تقريباً اسأل عن أصولي. قبل أن أتسرح (من الجيش) خفت كثيراً من الخوض في السياسة لكن الخطاب الشرقي حررني من هذا الخوف ومكنني، للمرة الأولى، بأن أُعرف نفسي سياسياً بشكل واضح
عميت جولدبرغ

 

في عام 1881، اعتلى مئير لايف وزوجته باتيه هرشكو متن سفينة غادرت غالاتس في رومانيا، حيث كان موطنهم، باتجاه فلسطين. مع الأيام ستتم تسميتهم بقادمي “الهجرة الأولى” وهم من سيقومون ببناء مستعمرة “زخرون يعقوب”. القادمين الذي جاؤوا ليحققوا الحلم الصهيوني كانوا مزارعين رديئين. لم تكن لديهم أية معرفة عملية عن كيفية التعامل مع الأرض البكر وإحياء الأراضي القاحلة. كانت لديهم الأدوات لمناقشة الطرق للقيام بذلك إلى جانب التغطية الاقتصادية الكاملة. هذه هي باقتضاب قصة جيل المؤسسين الاوروبيين المحكية والمعروفة نسبياً.

مئير لايف وباتيا هيرشكو كانا جداي الكبيران من طرف جدتي والدة أبي، جلوريا هيرز جولدبرغ. ابنتهم كانت من بين هؤلاء اللذين غادروا المستعمرة وهاجروا للولايات المتحدة.

من اليمين: جدتي جلوريا هيرز جولدبرغ، من اليسار: جدتي تسيدكا افراهم سنواني، في الوسط: أخي الكبير نوعام (1991).
من اليمين: جدتي جلوريا هيرز جولدبرغ، من اليسار: جدتي تسيدكا افراهم سنواني، في الوسط: أخي الكبير نوعام (1991).

في نفس العام، 1881-1882 (بالتقويم العبري)، وصلت إلى البلاد الهجرة اليمنية الأولى والأكبر التي سميت “أعلي بتمار”، اقتباس من “أغنية الأغاني” في التناخ. البارون روتشيلد قام بشراء الأراضي في أرض إسرائيل، فلسطين في حينه، لأجل هؤلاء أيضاً. الأخبار انتشرت بين يهود اليمن المحافظين والكثير منهم باعوا كل أملاكهم لكي يأتوا إلى البلاد في أقرب فرصة.

هذه الهجرة التي شملت بين 2500 – 3500 شخص ليس فقط بأنها غير معروفة وغير مذكورة في كتب التاريخ بنفس الدقة التي يحكى فيها تاريخ المستعمرات الأشكنازية- بل أنها تشكل المعالم الأولى للتراجيديا الشرقية واليمنية على وجه الخصوص في أرض إسرائيل. اليهود السفراديم (نسبةً الى “سفراد” أي اسبانيا بالعبرية) تنكروا للقادمين اليمنيين بينما ادعى بعض قادتهم بأن يهود اليمن ليسوا يهوداً أصلاً (تماماً كما قيل في فترة لاحقة من التاريخ عن يهود أثيوبيا، وكما يقال اليوم عن يهود “الفلاشا” اللذين ما زالوا في أثيوبيا). الأشكناز نظروا اليهم كرعاع، أنصاف آدميين أتوا من أدغال اليمن- لا علاقة تمتهم، من قريب أو من بعيد، بتحضرهم الاوروبي. هذا التعامل خلق صعوبات في ايجاد المسكن فلم يكن هناك أحد يريد أن يسكن اليمنيين إلى جانبه. لهذا فقد تركز هؤلاء في سقائف وخيم حول القدس وشمالي يافا حيث أقاموا حي “كرم اليمنيين” في عام 1904، الذي سبق حي “أحوزات بايت” بخمس سنوات.

لهذا فاحتفالات ال-100 عام لمدينة تل أبيب البيضاء التي أقيمت في 2009، كانت كذبة وتشويه للتاريخ- تل أبيب استكملت 100 عام على تأسيسها في 2004، بما يتوافق مع اقامة الحي الأول المذكور بيد القادمين اليمنيين ولكن قصة “كرم اليمنيين”، على ما يبدو، لم تتسق مع الصورة الناصعة للمدينة البيضاء ومع التاريخ الأشكنازي الذي تبغاه لنفسها.

في هجرة “أعلي بتمار” لم يكن هناك أحد من أقاربي من طرف أمي. كان هؤلاء ما يزالون في اليمن. ولكن، كما ذكرت سالفاً، هناك بدأت معالم التراجيديا: في 1944 انطلقت جدة جدتي سعدية مع أبنائها الثلاثة، يافا ابنة التاسعة والتوأم راحيل ويحيى أبناء السادسة، في رحلة على الأقدام من سنوان (جنوب غرب اليمن) لعدن ومن هناك لأرض إسرائيل. عندما وصلوا إلى منطقة تخضع لسيطرة البريطان، قام هؤلاء بطردهم لمنطقة صحراوية خارج نفوذهم. هناك لم يتحمل الأولاد الثلاثة العطش فماتوا ودفنوا في الصحراء بعد أن شربوا مياهً عكرة.

معسكر القادمين "حاشد" في اليمن
معسكر القادمين “حاشد” في عدن.

جدي مناحيم سنواني خرج لنفس الرحلة بعدهم بستة أِشهر برفقه والده وعمه الراب الكبير حاييم سنواني. لخمسة أيام مشوا على الأقدام حتى وصلوا المدينة الساحلية عدن- هناك تواجد معسكر “الجوينت” حاشد (معروف أيضاً كمعسكر “جؤولاه”) للقادمين اليمنيين الذي أقيم بعد أن أهلك قادمين كثر أرواحهم بنفس الطريق التي سلكها أخوة جدي. الحياة في المعسكر كانت عصيبة. بمرور السنوات، سينشر بحث البروفيسورة استر مئير-جليتسنشطاين حول الاهمال، الجوع، المرض ووفاة حوالي 600 شخص في المعسكر جراء هذه الظروف. جدي، والده وعمه وصلوا إلى البلاد في تشرين ثاني 1948.

في عام 1950 وصلت جدتي تسديكا افراهم والتي قدمت من قرية جبزيا القريبة من سنوان والتي تواجدت بالأرياف على سفوح جبل تحيطه الوديان والأنهار والجبال والمناظر الطبيعية الخلابة- هذا ما تقصه جدتي حتى يومنا هذا. جدتي جاءت مع أمها تمار (تماره) وأبوها شكري أزرق العينين. وهي تكون أخت أفرايم الأخ البكر، ساره وطوفيا اللذين ولدوا في اليمن. 6 أخوة وأخوات آخرين سيولدون فيما بعد في البلاد.

جدي وجدتي تزوجوا في عام 1956 وسكنوا في “يهود”. بعد عام تقريباً حملت جدتي بابنها البكر افينوعام. في احدى المرات ذهبت لزيارة أختها الرضيعة، نوجا ابنة النصف عام، التي كانت مريضة وتتلقى العلاج في مستشفى “بلينسون” في “بيتاح تكفا”. ما أن صعدت الدرج، كما تحكي، حتى شعرت بالنظرات المرتابة للممرضات اللواتي وقفن أمامها. “هذه أختها” قالت احداهن. رأت أختها، “كم كانت جميلة”.

بعد مضي عدة أيام أبلغوا شكري، والد البنت، بأنها توفيت ودفنت في قبر بمنطقة المستشفى. لا امكانية لرؤية الجثة أو القبر. لا يوجد بنات، تقبلوا الأمر. هذه قصة يرددها الكثير من جيل القادمين ذك (وأيضاً بعض العائلات المغربية والبلغارية والرومانيه) حول اختفاء اولادهم بادعاء أنهم توفوا ودفنوا في المستشفى- وبأنه لم يكن بالإمكان رؤية الجثة. لا امكانية للدفن، لقراءة صلاة “الكديش”، والجلوس في بيت العزاء سبعة أيام كما هو متبع باليهودية. بعد حوالي الشهر، استلم والدا البنت، جدي وجدتي شكري وتمار، 75 ليرة في البريد. تعويض عن البنت. الصدمة أبقت جرحاً عميقاً في عائلتي كما في عائلات يمنية كثيرة. مع السنوات سيتم توجيه الألم الى الداخل أكثر فأكثر والحديث عن الموضوع أقل وأقل. الألم كبير على ما يبدو. عندما أحاول اليوم التحدث إلى جدتي (أخت البنت كما ذكرت) حول ذلك، فهي تستجيب أحياناً لطلبي وتنزفني في أحيان أخرى مرددة أقوال والدها شكري: “لن نذهب لنحارب السلطات. نأمل بأن تكون حياتها جيدة وبأنها سعيدة”.

هناك في مكان ما بالطريق، بممرات المحطة، سمعت عن وجود خطاب شرقي، خطاب هوية سياسي. اتضح لي بأن هناك نظرة نقدية على المجتمع الذي نعيش به تتحدث عن الطبقية واللون والسقف الزجاجي والمنهجية السائدة التي تغذيها.

منذ جيل صغير كنا أنا وإخواني الاثنان على وعي بأصولنا. ربما كان من السهل فهم المعادلة في مبنى عائلتنا: امي ولدت لقادمين يمنيين وترعرعت في “يهود”. أبي ترعرع في بيركلي بكاليفورنيا وقدم إلى البلاد لوحده عام 1973. عائلتنا الموسعة في البلاد هي من طرف أمي في “يهود”، الرمله وموشاف “كديما” و”جؤوليم”. العائلة الموسعة من طرف والدي جميعها في الولايات المتحدة، وكأولاد كنا نسافر لزيارتهم مرة كل سنتين.

هكذا صرت أنا “نص نص”، كلاسيكي وغير كلاسيكي: اسم عائلتي أشكنازي ولكن هيئتي ليست قاطعة، وفي كل لقاء تقريباً اسأل عن أصولي. كبرت وتربيت في الكيبوتس، معقل الاشكنازية، لكنا قضينا أيام السبت والأعياد لدى العائلة في “يهود” أو في الرملة بالمناسبات العائلية. عندما كنت في سن السابعة توفيت المغنية عوفرا حازا فاكتشفت عن طريقها الموسيقى اليمنية- “قلبي”، “ام ننعلو” و”اسألك يا حور” التي أثارت بي للمرة الأولى شعور بالفخر والانتماء العميق. ذهبت لجدتي وطلبت منها بأن تترجم لي الأغاني الجديدة التي اكتشفتها كلمة بكلمة. هناك، إن لم يكن في وقت سابق، بدأ تلهفي للتعرف على العالم الذي اتوا منه جدي جدتي وجلبوه معهم إلى البلاد- الثقافة، الموسيقى، الحياة اليومية، القصص، الذكريات، جروح الماضي.

بعد أن أنهيت 12 سنة تعليمية، تجندت بانفعال كبير ل”غالي تساهل” (راديو الجيش)- معقل آخر للأشكنازية. الطريق إلى الوظيفة التي اشتهيتها لنفسي، محرر موسيقي في “غالي تساهل” و”غلغلاتس”، بدأت باستدعاء للتصنيف الاولي الذي وصلني وأنا ما زلت في الصف الحادي عشر، واستمرت بعمليات تصنيف متتالية وصلت اليها مهيئاً ومستعداً كما لم أفعل لأي من امتحانات البجروت في الثانوية. كانت هذه فرصتي للتعلم وللقيام بشيء كبير، الخروج من الكيبوتس، الانتقال إلى المركز، أن أكون مثلياً وحراً كما أردت دائماً وكما لم يكن ممكناً في الكيبوتس. لفرحتي اجتزت مرحلة التصنيف وتجندت في صيف 2010، حوالي الشهر بعد امتحان البجروت الأخير بالانجليزية.

ليس من الواضح أي من المراحل في الطريق للخدمة العسكرية كانت الحاسمة في تحديد هويتي اليوم في الحيز الإسرائيلي. ربما كانت تلك الصفعة التي تلقيتها في دورة المراسلين التي كنت على وشك أن أطرد منها بسبب تحصيلي وأدائي غير الكافي في اعداد التقارير وإنتاج الأخبار، أو ربما المحاولات لتشكيل رؤية حسب ما توصلت اليه واستنتجته من خلال وظيفتي كمحرر موسيقي في الراديو المسموع. هناك في مكان ما بالطريق، بممرات المحطة، سمعت عن وجود خطاب شرقي، خطاب هوية سياسي. اتضح لي بأن هناك نظرة نقدية على المجتمع الذي نعيش به تتحدث عن الطبقية واللون والسقف الزجاجي والمنهجية السائدة التي تغذيها. اتضح لي بأن قضية أولاد اليمن وشرق البلقان، التي كانت أخت جدتي احدى ضحاياها، هي جرح واحد من بين كثر، جزء من البازل غير المتكامل لتراجيديا الشرقيين في البلاد. حتى ذلك الوقت لم أعرف عن أي خطاب نقدي كهذا تجاه الوجود الإسرائيلي خارج السياق العربي – اليهودي. وما علاقتي أنا بالشؤون العربية- اليهودية؟.

أنا شرقي وأيضاً أشكنازي، “نص نص” كما يقولون، وقد حصلت على الكثير من الميزات. الميزة الأكبر في حوزتي بأنني أستطيع أن أسمع صوتي دون أن يتم تصنيفي كخطر منذ البداية.

سيكون من النفاق بأن أتحدث عن الموضوع وكأنني أعرفه عن قرب. لم أكبر بالقرب من عرب وعملياً لم أشارك في أي اطار رسمي مع عرب حتى الآن: هذه ميزة محفوظة للقلائل في المجتمع الإسرائيلي، أن يعيشوا بعيداً عن أي ذكر للصراع، وقد تكون هذه هي المشكلة بحد عينها. بكل الأحوال، الخطاب الشرقي الذي يطالب بالاعتراف بجروح الماضي وإحياء هذه كأحداث حركها الاهمال المؤسساتي حيناً والاستغلال الجائر لضعف القادمين (الجدد) في حين آخر: ويفسر بهذا الفجوات الجوهرية، القائمة حتى اليوم، بين سلالة هذه المجموعة وسلالة المجموعة الأخرى- جعلني أخيراً أسمح لنفسي الخوض في السياسة. فذلك لم يكن غريباً بل واضحاً ومفهوماً بالنسبة لي. كان بإمكاني أن أقدم أمثلة من تجربتي، أحياناً كشرقي وأحياناً كعنصري، وفي أحيان أخرى ككلاهما، وأن ابدأ في فهم تعقيدات المجتمع الإسرائيلي اليهودي.

قبل أن أتسرح (من الجيش) خفت كثيراً من الخوض في السياسة القديمة لليمين واليسار، العرب واليهود. شعرت بأنني أصغر من ذلك، وبأنه ستتم عرقلتي في كل مرة بحكاية أخرى حول الصراع بحيث لا أعرف ما الصحيح وبأي جانب من النقد أقف. لكن الخطاب الشرقي حررني من هذا الخوف ومكنني، للمرة الأولى، بأن أُعرف نفسي سياسياً بشكل واضح وقاطع- أنا شرقي. أنا شرقي وأيضاً أشكنازي، “نص نص” كما يقولون، وقد حصلت على الكثير من الميزات. الميزة الأكبر في حوزتي بأنني أستطيع أن أسمع صوتي دون أن يتم تصنيفي كخطر منذ البداية. باعتقادي، واجبي الأكبر كمن لديه هذا الحق هو بأن اسمع الصوت النقدي، الاحتجاج بإسم الشرقيين والشرقيات مثلي واللذين يشكلون هم أيضاً حلقة في سلسلة طويلة وتاريخية من الثقافة والتقاليد اليهودية لكنهم لم يحظوا بهذا الصوت.

قد يكون هذا صعب أحياناً، مضني ومبتز عاطفياً. أقول لنفسي أحياناً: لماذا أنا بحاجة لكل هذا الخراء؟ السجالات؟ المشاجرات؟ الاحتقار الذي صار يكنه لي البعض في الطريق؟ لحسن حظي بأن قلبي هناك كيفما كان. اكتشفت بأن الانسان عندما يؤمن من كل قلبه بعدالة طريقه ويشكك في نفس الوقت حتى بنفسه، “الأنا” لا يشكل فارق تقريباً- يبدو بأن من يؤمن حقاً لا يخاف أو أنه يخاف ولكن بدرجات أقل.

محرر موسيقي ومراسل ثقافي. 

المزيد:

الأولاد اليمنيين المختطفين: ما وراء ال-322 صفحة لتقرير لجنة التحقيق الرسمية.

عندما تتنكر اليمنية إلى يمنية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.