لماذا يعرف طلاب الصف الرابع ما هو ال"يسام"؟

بعد ان دعيت للتحدث إلى طلاب في الصف الرابع حول الحياة في المدن المختلطة، اتضح لي بأن الأولاد يعرفون أكثر مما نتصور. لماذا يعرف الأولاد ما هي قوات ال”يسام” الخاصة؟ ولماذا تتعرض ابنة 9 سنوات للعنف الشرطي؟.
عبد أبو شحادة

 

بعد نشر احد المقالات على موقع “هعوكتس”، دعتني مربية بالابتدائية في احدى المدارس المختلطة بمنطقة المركز للتحدث مع الصف حول الحياة المشتركة في المدن المختلطة. بلا شك، وعلى الرغم من التجربة التي اكتسبتها في الوقوف أمام الجمهور، كان هذا الجمهور الأروع ولكن الأصعب أيضاً. في بعض المرات نسيت بأنني أتحدث لأبناء 9-10 سنوات واستخدمت سهواً كلمات مثل “إحصائيات” عندها أراد الجميع معرفة ما هي “الاحصائيات” وتحولت المحاضرة لدرس في الرياضيات، أو ذكرت بأنني طالب وأتعلم السياسة في الكلية، وكان علي أن أفسر ما معنى طالب، كلية وسياسة. هذا، بكل الأحوال، كلن الجزء الأسهل بالموضوع. بسرعة اكتشفت بأنه لكي نسمع ونفهم كيف يؤثر الصراع حقاً على الأولاد ما علينا إلا أن نعطيهم المنصة ونسمح لهم بالكلام، لكي نستوعب أي واقع عبثي هو هذا الذي نعيشه.

الغالبية في الصف كانت عربية ولكنني تحدثت بالعبرية بالطبع لكي يفهم لجميع. وقفت أمامهم وشرحت لهم أن الأمور المهمة في سنهم هي لعب كرة القدم، القليل من “الآيفون” والأصدقاء، وبالأساس الاستمتاع بالحياة. شرحت لهم بأنه مع الوقت سيكون عليهم التعامل مع أسئلة صعبة في الحياة والتحضر لها جيداً منذ سن صغير. المربية كانت قد حضرتهم بأنني قادم وبأنني سأقوم بمواجهتهم بأسئلة حول نظرتهم “للطرف الآخر”، ولكن من اللحظة التي بدؤوا يجيبون فيها، فهمت بأنهم يعرفون أكثر مما نتصور. بدأنا بالحديث عن العنصرية واتفقنا بأن العنصرية ليست منصفة. كنت قد اعتقدت بأن لدي ادعاءات ناجعة تبين عدم الانصاف في العنصرية ولكنني فهمت بسرعة بأنهم هم من يستطيعون أن يشرحوا لنا، البالغين.

بغض النظر عن اعتقادنا بأننا نفهم انعكاسات الصراع، نحن لا نعي بأنهم يرون ويمرون بتجارب مؤلمة سيكون عليهم التعامل معها بالمستقبل، وهم ما زالوا أولاداً. أولاد يرون ويسمعون ويتكلمون ويعون كل شيء، أكثر مما يستطيعون احتوائه.

عندما حدثتهم كيف تم توقيفي وأنا ما زلت بسنهم برفقة ابناء عمومي بالقرب من يافا القديمة من قبل شرطيين قالوا لنا بأن علينا اللعب في مكان آخر، بالقرب من البيت، اعتقدت بأنني أقص عليهم قصة صاعقة. حتى رفعت احدى البنات يدها وبدأت تصف بالتفصيل كيف قام رجال ال”يسام” (الوحدات الخاصة) بضرب والدها وأخاها وسحبها من شعرها ومن ثم اعتقلوا الاثنان. الاولاد العرب راحوا يتساءلون ان كان ال”يسام” قد جاؤوا بال”سفانا” (سيارة شرطة). وقفت هناك ولم أعرف ماذا أقول. الأمر الوحيد الذي خطر في بالي كان لماذا سحقاً يجب أن يعرف هؤلاء الأولاد ما هو ال”يسام”؟ وما هي ال”سفانا”؟ ولماذا تتعرض ابنة 9 سنوات لمثل هذا العنف الشرطي؟. كيف أستطيع أن أشرح لهذه البنت ولمئات البنات الأخريات اللواتي تعرضن للعنف الشرطي، عمداً أو سهواً، بأن وظيفة الشرطة حمايتهن؟.

ولد يهودي قال لي بأنه يحب اللعب مع أصدقائه من الصف لكن والده يقول كلام سيء عن العرب كل الوقت، وبأن ذلك يؤلمه وبأنه لا يحب عندما يحدث ذلك. مرة أخرى وجدت نفسي أقف هناك لا أدري ماذا أقول لولد يتمزق بين حاجته لأن يكون ولداً وأن يرغب في اللعب وبين الضغط الذي يمارسه عليه والده عندما يقول له، عن قصد أو بغير قصد، بأن أصدقائه هم العدو، بينما كل ما يشغل باله هو رغبته باللعب.

للأسف الشديد الأمور لم تقف عند هذا الحد. استكملت حديثي حول العنف وكم هو سيء، وكيف قتل صديقي بالخطأ بسبب العنف. أحد الأولاد، ولو أنه لم يتكلم معظم الوقت، بدأ يسألني أسئلة حول صديقي فشرحت له بأن علي أن أحافظ على خصوصيته: فيما بعد، شرحت لي المربية بأن أخاه قتل وبأنه أراد أن يعرف إن كنت أتحدث عنه. هناك استوعبت بأنه بغض النظر عن اعتقادنا بأننا نفهم انعكاسات الصراع، نحن لا نعي بأنهم يرون ويمرون بتجارب مؤلمة سيكون عليهم التعامل معها بالمستقبل، وهم ما زالوا أولاداً. أولاد يرون ويسمعون ويتكلمون ويعون كل شيء، أكثر مما يستطيعون احتوائه.

لخصت كلامي معهم قائلاً بأن عليهم أن يحبوا أنفسهم كما هم، عرباً أم يهوداً، إن كانوا سوداً أم بيضاً أم بنيين. أحد الاولاد رفع يده ليسأل: وبلون “الموكا” أيضاً؟، فقلت و”الموكا” أيضاً. بالطبع، قلت لهم أيضاً بأن عليهم احترام الجميع وبألا يحكموا على أناس آخرين دون أن يعرفوهم. لم أستطع أن أعدهم بأمر واحد- بأن القادم سيكون أحسن. مع اعتماد كتاب المدنيات الجديد وانتقالهم للمرحلة الثانوية، الجهاز كله سيربيهم على أن هناك وسط هو الأغلبية وبأن هذه تحصل على معاملة متساوية أكثر من الأقلية. إلا اذا وقعت هناك أعجوبة ما، فالرياح تدل بأن الأوضاع ستشتد وبأنهم، على ما يبدو، سيتعرضون للعنصرية وللعنف أكثر فأكثر.

اذا كان هناك ما أردته حقاً، على ضوء مقالتي السابقة هنا “الدراجات الهوائية الكهربائية في يافا تقلق مضجع الكولونيالية“، فهو بأن يسمع هؤلاء الأشخاص اللذين كتبوا الأمور الفظيعة عن الأولاد قصصهم. لو أن شرطيو ال”يسام” يسمعون شهادة البنت الصغيرة ليفهموا ماذا فعلوا وبماذا تسببوا. لكن هذا المقال عليه أن ينتهي بكلمات شكر. شكراً لمربية هؤلاء الأولاد الرائعين. شكراً لكل هؤلاء المعلمين اللذين يسمعون هذه القصص ولا يتنازلون عن الأولاد. شكراً لكل المعلمين اللذين يحافظون على إنسانيتنا، شكراً لكم لأنكم وعلى الرغم من الوضع العبثي تحاربون يوماً بيوم من أجل عالم أفضل ولو بقطرة.

 طالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.