"بتسيلم" ينزع القناع عن مقاومة "اليسار" للاحتلال!

تقرير “بتسيلم” الأخير، ولو أنه لم يحظ باهتمام اعلامي كاف، يعتبر نقطة تحول هامة: التقريرلا يؤكد فقط بأن الاحتلال لن ينتهي بفعل عمل تنظيمات حقوق الانسان وإنما أيضاً بأن هذه التنظيمات تساهم في تكريس الاحتلال وشرعنته، محلياً ودولياً
سليم سلامة

 

التقرير الذي أصدره مركز “بتسيلم” يوم الأربعاء (25 أيار) يشكل، في خلاصته الأخيرة والقرار الذي انبثق عنه، تطوراً مدوياً رغم أنه لم يحظ ـ لأسباب واضحة! ـ بما يستحقه من التغطية الإعلامية التي توازي أهميته وجوهرية الموقف الذي يحمله من حيث كونه نقطة تحوّل هامة، ليس على صعيد العمل والممارسة اليوميين فقط، وإنما على صعيد الوعي لواقع الأمور وحقيقة صيرورتها.

فبعد 25 عاماً من العمل والتعاون مع جيش الاحتلال وأذرعه (القضائية العسكرية، أساساً)، يستجمع “بتسيلم” قدراً كبيراً من الشجاعة والجرأة ليعترف بأن معالجاته وتدخلاته ـ في إطار هذا التعاون ـ لم تؤدّ ولا تؤدي إلى تحسين حقوق الفلسطينيين، وأكثر من هذا وأهمّ: إنه (أي المركز) “يخدم، فعلياً، مواصلة شرعنة الاحتلال بدلاً من تحسين حقوق الفلسطينيين” و”يساهم في نهج الاستعراض المضلل الهادف إلى شرعنة الاحتلال”، ليصل في ختام تقريره المعنوَن بـ”ورقة التوت التي تغطي الاحتلال: جهاز تطبيق القانون العسكري كأداة للتمويه”، إلى إعلان قراره بالتوقف عن التعاون مع هذا الجهاز وتحديداً مع النيابة العسكرية.

وبصرف عن النظر عن المعطيات الكثيرة التي تضمنها التقرير بشأن عدد الشكاوى التي تقدم بها إلى سلطات الجيش على خلفية انتهاكات موضعية وعينية لحقوق فلسطينيين في الضفة الغربية وكيفية تعامل سلطات الجيش معها ونتائج معالجتها، تبقى الحقيقة المركزية الأهم في توصّل “بتسيلم” إلى الاستنتاج المنطقي الوحيد المتاح، تأسيساً على هذه المعطيات وما تراكم تحتها من تجارب.

المعركة الحقيقية تستهدف إنهاء الاحتلال وتصفيته، لا التخفيف من جرائمه وجعله أكثر “أخلاقية” و”إنسانية”(!!). وفي هذه المعركة، الحقيقية، تسقط هذه المنظمات وكل ما خلفها من “يسار” يشغّلها ويدعمها

وعلى النقيض التام مما أكدته منظمة “لنكسر الصمت” في خلاصة شريط دعائي أصدرته ونشرته في اليوم نفسه، عن أنها “مستمرة- اليوم، غداً وحتى ينتهي الاحتلال”، عبـّر تقرير “بتسيلم” عن فهم عميق للحقيقة المركزية التالية: ليس فقط أن الاحتلال لن ينتهي بفعل عمل هذه التنظيمات ونشاطاتها، وإنما أيضاً ـ وهذا هو الأخطر ـ أن هذه التنظيمات، بعملها ومنهجياتها، تساهم في تكريس الاحتلال وشرعنته، محلياً ودولياً،  وفي التغطية على جرائمه وفي تجنيب دولة إسرائيل أية مساءلة أو مقاضاة جنائية وفق أحكام القانون الدولي ومقتضياته.

ذلك أن تعاون سلطات الجيش المعنية مع “بتسيلم” وسواه من منظمات “المجتمع المدني” الناشطة تحت راية “حقوق الإنسان”، لا يتم إلا في نطاق واقع الاحتلال، مواصلته وتكريسه، بما يستدعيه ويبثـّه هذا من شرعنة أخلاقية وقانونية تقوم على “استعانة النيابة العسكرية بمنظمة “بتسيلم” ومنظمات أخرى للوصول إلى المشتكين (من الفلسطينيين في الضفة الغربية) من أجل تقصي الحقائق”، وفق ما أوضحه المستشار القضائي الحالي للحكومة، أفيحاي مندلبليط، إبان إشغاله منصب النائب العسكري العام.

أما “تقصي الحقائق” الذي ذكره مندلبليط، فهو ما تحتاج إسرائيل إلى إظهاره وإثباته كحجة دفاعية تصدّ بها دعاوى جنائية مقدمة إلى محكمة الجنايات الدولية ضد جنودها، قادتها العسكريين أو ساستها بشبهتي “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية”، بوجه أساسي. فطبقا لأحكام القانون الدولي ودستور هذه المحكمة، تكون الدولة المعنية (المتهـَمة) في حِلّ من المثول أمام هذه المحكمة، نظراً لسقوط مقبولية الدعوى أصلاً، “إذا كانت تجري التحقيق أو المقاضاة في الدعوى دولة لها ولاية عليها، ما لم تكن الدولة حقاً غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة على ذلك” (المادة 17، البند 1ـ أ من “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”).

قد نتفق، جزئياً، مع ما يدعيه البعض عن فائدة (محدودة جداً، كما يشرح ويؤكد تقرير “بتسيلم” نفسه) في عمل هذه المنظمات تتمثل أساساً، وربما حصرياً، في حل نزر ضئيل من مشكلات عينية هنا وهناك وما يمكن اعتباره، في المحصلة، تخفيفاً من معاناة أفراد من أبناء الشعب الواقع تحت الاحتلال. غير أنه من الضروري هنا عدم إغفال أو تغييب حقيقة أن نشاط هذه الجمعيات والتنظيمات كلها وبالمجمل هو نشاط لاحق، لا سابق. بمعنى، أن اطلاعها على بعض الانتهاكات الموضعية ورصدها، ثم تدخلها العلاجي، يأتي بعد أن تكون هذه الانتهاكات قد وقعت. وهذا يعني أن محور نشاطها يقتصر على التوثيق، الكشف والإعلام والتدخل في محاولة للمعالجة، بينما لا يساهم في منع وقوع هذه الانتهاكات قطعياً تقريباً.

في مقابل هذه الفائدة المحدودة، في ميزان الربح والخسارة / الفوائد والأضرار، ثمة ضرر جسيم على النضال الحقيقي ضد الاحتلال المؤهل لإنهائه وتصفيته وتحرير الشعب الفلسطيني وتحقيق استقلاله على جزء من تراب وطنه التاريخي. ذلك أن نشاط “بتسيلم” و”لنكسر الصمت” وأخواتهما لم يغيّر شيئاً جوهرياً في واقع الاحتلال وواقع معاناة الشعب القابع تحته. حيث لم يُسهم هذا سوى في تكريس الاحتلال وتجميل صورة “الديمقراطية الإسرائيلية” التي تجيز مثل هذه المنظمات وتتيح لها حرية الحركة والعمل! وهو نشاط يشكل جزءاً عضوياً من رؤية “معسكر اليسار / السلام الإسرائيلي” الفكرية وتطبيقها الفعلي، سيّان كان هذا “اليسار” في سدة الحكم أو في هوامش المعارضة.

"بيتسلم" يتحرر من الجيش: صورة رفعتها المنظمة عبر صفحتها على الفيسبوك معلنة عن وقف تعاملها مع الجهاز القضائي العسكري.
“بيتسلم يتحرر من الجيش”: صورة رفعتها المنظمة عبر صفحتها على الفيسبوك معلنة عن وقف تعاملها مع الجهاز القضائي العسكري.

من المؤكد بأن هذا المعسكر، الذي ابتدع أكذوبة “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”، يركّز جل نشاطه السياسي والإعلامي في تجميل صورة الاحتلال وجيشه، من خلال أدائه السياسي ومن خلال ما أقامه ويرعاه من “جمعيات ومنظمات إنسانية” تنشط ضد ما تسميه “ممارسات غير أخلاقية” و”أعشاباً ضارة”. لكنّ المعركة الحقيقية تستهدف إنهاء الاحتلال وتصفيته، لا التخفيف من جرائمه وجعله أكثر “أخلاقية” و”إنسانية”(!!). وفي هذه المعركة، الحقيقية، تسقط هذه المنظمات وكل ما خلفها من “يسار” يشغّلها ويدعمها، لأن ما يمكن أن ينهي الاحتلال، فعلاً، هو عاملان اثنان بالأساس: ضغط داخلي يتراكم من تصعيد وتوسيع رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، وضغط خارجي يتمثل في حملة المقاطعة الدولية، تصعيدها وتوسيعها. وهذان العاملان، المركزيان الحاسمان، يعارضهما هذا “اليسار” ويرفضهما ويتصدى لهما حتى أنه يشن هجوماً كاسحاً على دعاتهما ومؤيديهما في بعض الأحيان.

من هذا المنظور، يشكل تقرير “بتسيلم” الأخير، بما فيه من نزع للأقنعة وإسقاط “أوراق التوت”، تحدياً كبيراً يتمثل في ضرورة التخلص من نمط “التفكير المعلّب” والبحث عن أساليب وطرق عمل جديدة والسعي إلى اجتراح أدوات نضالية أخرى، بديلة ومختلفة عما تم الركون إليه حتى الآن. في مواجهة هذا التحدي، يتوجب على الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة بين المواطنين العرب في هذه البلاد اقتحام هذا الباب الذي شرّعه “بتسيلم” ووضع مقاومة الاحتلال الحقيقية في مركز خطابها السياسي وفي صلب أية علاقة تعاون مستقبلية مع أحزاب “اليسار” و”الوسط” الإسرائيليين وما ينضوي تحتها من جمعيات ومنظمات “مدنية” ـ لا معارضة حقيقية للاحتلال ولا مقاومة حقيقية له سوى بهجر منهج “تجميله” و”أنسنته” والانتقال إلى ما يمكن أن يساهم في إنهائه، مساهمة فعلية وجدية: تغيير الموقف من رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال ومن حملات المقاطعة الدولية!. غير هذا، تبقى الأحزاب والحركات السياسية العربية احتياطياً على دكة “اليسار” و”الوسط” الإسرائيليين، بكل ما ينطوي عليه هذا من معان ودلالات وإسقاطات(!!).

صحفي وحقوقي.

المزيد:

“معسكر السلام” الإسرائيلي في خطاب السياسة العربية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.