قتل النساء: في مصيدة العنف الجسدي

ليس علينا أن نسأل إن كان هناك عنف جسدي لكي نحدد درجة الخطورة التي تتعرض لها النساء، ليس علينا أن نسأل ان كانت هناك تهديدات- هذه ليست مؤشرات! هذه أكبر غلطة نقوم بها. مداخلة لنتالي اوحانا في أعقاب مقتل انستاسيا روزنوف (29 عام) قبل عدة أيام.
نتالي اوحانا

 

سؤال أولي وأساسي علينا أن نسأله دائماً كلما سمعنا عن عنف تواجهه امرأة من طرف زوجها هو: أي نوع من العنف هو هذا؟ ولا أقصد هنا العنف الجسدي، الجنسي، النفسي والاقتصادي- هذه التصنيفات اشكالية جداً لأنها تخفي التقسيمة الاساسية الذي تقف من خلفها. أنا أتحدث عن التمييز بين العنف الذي يكون نتاج صراع آخذ بالتصاعد (النوع المنتشر أكثر) وبين العنف الذي يمتاز بعلاقات سيطرة من نوع متطرف جداً جداً، ما يسمى بالانجليزية “Coercive Control”. كلا النوعان يستلزمان بالطبع الحماية، الوعي والمعالجة الجدية إلا أن النوع الثاني يحشر المرأة في زاوية صعبة من ناحية الخطورة التي قد تتعرض لها.

النوع الثاني من العنف عادةً ما يشتمل على ثلاثة عناصر:

1- العزلة الاجتماعية: المرأة تبتعد تدريجياً وتنفصل عن الأصدقاء والأقارب مما يقوي العلاقة الوثيقة والتعايشية بينها وبين زوجها العنيف.

2- السيطرة على النشاطات اليومية والأكثر أساسية: كأن نسمع عن تدخل الزوج بحياة المرأة بمجالات تتعلق بالحرية الذاتية لكل انسان، مثل متى أكلت، كم ساعة نامت وماذا ترتدي.

3- التخويف: الزوج يتبع تكتيكات مختلفة تجعل المرأة تخاف منه بشكل حقيقي ومن قدرته على المساس بحياتها أو بحياة أهم الناس اليها لا سيما أولادها. لا بد من التأكيد هنا بأنه وفي هذه الحالة لا حاجة للعنف الجسدي حتى فهناك تكتيكات اضافية تمكن الزوج من الوصول لنفس مستوى التخويف بدونه. هكذا على سبيل المثال، يكفي بأن يجعل المرأة تعتقد بأنه مس بحياة شخص آخر.

نخطأ عندما نعتقد بأنه لا توجد خطورة عندما لا يكون هناك عنف جسدي. الكثير من النساء قتلن ولو أن ازواجهن لم يمارسوا العنف الجسدي عليهن من قبل.

الدمج بين هذه العناصر الثلاثة يخلق سيطرة من نوع متطرف جداً، بالإمكان مقارنتها بتلك التي يشعر بها الأسير مقابل من يأسره. من اللحظة التي قمنا بها بتحديد نوعية العنف وفهمنا بأنه عنف من هذا النوع، يجب أن تشتعل كل الأضواء الحمراء لدينا كمجتمع وبالطبع لدى الشرطة ولدى المرأة نفسها. النساء المتواجدات في علاقات كهذه هن الغالبية العظمى من النساء القتيلات.

ليس علينا أن نسأل إن كان هناك عنف جسدي لكي نحدد درجة الخطورة التي تتعرض لها النساء، ليس علينا أن نسأل ان كانت هناك تهديدات- هذه ليست مؤشرات! هذه أكبر غلطة نقوم بها: نخطأ عندما نعتقد بأنه لا توجد خطورة عندما لا يكون هناك عنف جسدي. خطأ. الكثير من النساء قتلن ولو أن ازواجهن لم يمارسوا العنف الجسدي ضدهن من قبل. المؤشر الوحيد لتحديد الخطورة هو ديناميكية العلاقة وإن كانت من النوع الذي وصفته أعلاه- هل بإمكاننا رؤية مؤشرات تسعى إلى العزل، التخويف والسيطرة؟.

على المرأة التي تتواجد في هذه الوضعية أن تخرج من البيت ليس لأنها ضعيفة بل لأن ديناميكية السيطرة تخلق واقع مستحيل الطريق الوحيد للانفصال عنه هو الخروج جسدياً. الخروج الجسدي، الدعم والرأفة من المقربين والخدمات الاجتماعية الناجعة تساهم سوية في الخروج الشعوري والنفسي من هذه العلاقة.

لكن الخروج من علاقة كهذه هي خطوة تتطلب قدرات خارقة. لا أحد يستطيع أن يحكم على المرأة بسبب وضعها (وأنا اتطرق هنا لكل الأسئلة التي تنم عن عدم فهم لنوعية العلاقات العنيفة، مثل- لماذا بقيت؟ لماذا عادت بعد أن تركته؟) دون أن يعرف ماذا يعني التواجد في علاقة من هذا النوع. هذه سيطرة يتم بنائها ببطيء، دقيقة بدقيقة، على مدى وقت طويل، وفي كثير من الأحيان تكون مرتبطة بأسئلة مصيرية تتعلق بالأولاد.

ما دمنا لا نعي الفرق بين أنوع العنف هذه- بين الصراع الذي يتصاعد وبين السيطرة المتطرفة- وما دمنا لا نذوت هذا الفهم في خطابنا الاجتماعي حول الموضوع، ستبقى هناك فجوة كبيرة بين الخطورة التي تتعرض لها النساء وبين ردة الفعل الشرطية، القضائية والاجتماعية.

باحثة ما بعد الدكتوراة بكلية القانون في ““University College London، مديرة القسم القانوني في جمعية “امرأة لامرأة” سابقاً.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.