مطلوب معسكر ديمقراطي وغير نخبوي!

مقابل الخطوات المعادية للديمقراطية التي تتخذها حكومة إسرائيل، يبرز غياب معسكر ديمقراطي جدي بطرح أية أجنده بديلة. “اليسار الإسرائيلي” خسر الجمهور العربي-الفلسطيني في إسرائيل كما خسر اليهود الشرقيين والقادمين الجدد.
توم مهاجر

 

على الرغم من تصريح قادة إسرائيل مرة تلو الأخرى بأن “دولة إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، من المستبعد بأن يمر تعيين سياسي مثل افيغدور ليبرمان وزيراً للأمن- المنصب الثاني من ناحية أهميته في الحكومة- مر الكرام في دولة تتحلى بقيم الديمقراطية الأساسية بحق. الأجندة المركزية للحزب الذي يتزعمه ليبرمان هي التحريض ضد المواطنين العرب اللذين يشكلون 20 بالمئة من سكان الدولة. شعاره الانتخابي كان “لا مواطنة بدون ولاء”: مطالبة المواطنين العرب بإعلان ولائهم لدولة إسرائيل كدولة “يهودية وديمقراطية” وإلا فسيحرمون من حق المواطنة. في إطار برنامجه السياسي، إن أمكن وصفه بهذا الشكل، يطمح ليبرمان إلى نقل حدود دولة إسرائيل بما يضمن أن يفقد الكثير من المواطنين العرب مواطنتهم الإسرائيلية. خلال المعركة الانتخابية الأخيرة قال مشيراً إلى هؤلاء: “من معنا، عليه أن يقبل كل شيء، ومن ضدنا، لا مفر- يجب رفع بلطة وقطع رأسه”(!!).

حقيقة تولي سياسي يحمل رؤيا عنصرية وعنيفة كهذه تجاه أقلية قومية أصلانية لمنصب مهم بهذه الدرجة، كما هو مرتقب، هي حقيقة مقلقة بحد ذاتها. ولكن، عدا عن ذلك، فهي إن دلت على شيء تدل على استمرار التدهور الأخلاقي لدولة إسرائيل لنواحي معادية للديمقراطية بشكل واضح. ما هي الملابسات السياسية التي تتيح المجال أمام هذه الصيرورة الخطيرة التي تبشرنا جميعاً باستمرار وتصاعد التطرف والعنف في البلاد؟.

هرتسوغ لأعضاء حزبه قبل حوالي الشهر: من أجل الحصول على دعم أكبر من الجماهير الإسرائيلية، علينا التوقف عن اعطاء انطباع بأننا "محبين للعرب" .
هرتسوغ لأعضاء حزبه قبل حوالي الشهر: من أجل الحصول على دعم أكبر من الجماهير الإسرائيلية، علينا التوقف عن اعطاء انطباع بأننا “محبين للعرب”!

في الخارطة السياسية الإسرائيلية اليوم، لا يوجد معسكر ديمقراطي مصمم وحازم يطرح بديل لموجات التحريض المعادية للديمقراطية. “اليسار الإسرائيلي” لا يؤدي أي دور كنعصر مناهض لحكومة اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو بل أنه ينجر وراء بلاغيات التحريض. ذلك عدا عن أنه يمتنع عن التصريحات الواضحة ضد استمرار السيطرة العسكرية على الضفة الغربية والحصار على قطاع غزه.

هكذا، على سبيل المثال، “المعسكر الصهيوني” (حزب “العمل” سابقاً) الذي ادعى بأنه قادر على استبدال بنيامين نتنياهو في الانتخابات التي عقدت السنة الماضية، لم يعلق بتاتاً على التصريحات المحرضة لرئيس الحكومة في يوم الانتخابات والتي قال فيها بأن “العرب يتدفقون بالباصات الى صناديق الاقتراع”. خلال الحملة (الانتخابية) لبوجي هرتسوغ، والذي كان المرشح لاستبدال نتنياهو بإسم “المعسكر الصهيوني”، بث شريط فيديو دعائي عبر التلفاز ظهر فيه يوفال البشان، الذي خدم بالجيش مع هرتسوغ، وقال للكاميرا دون أدنى ذرة من الخجل بأن “بوجي رأى عرباً من خلف الفوهة” (بالاشارة الى فوهة السلاح). هكذا يتبنى من يفترض بأن يقود معسكر السلام التوجه اليميني المحرض القائل بأن القائد الجيد هو القائد الذي حارب “العرب” بماضيه أياً كانوا. من الواضح بأن القائمة المشتركة، اتحاد الأحزاب العربية، لا ترى بهذا الحزب شريكاً لائقاً لها في هذا الوضع.

مثال اضافي لخطوة أخرى معادية للديمقراطية اتخذتها حكومة إسرائيل ولم تحظ بأي تطرق من قبل المعارضة “اليسارية” هي إخراج الحركة الإسلامية عن القانون قبل حوالي نصف السنة. الحركة الإسلامية كانت أحد أكبر الأجسام في البلاد مع نشاطات مسجلة بشكل قانوني بمجالات شتى كالرفاه، التربية، الاتصالات وغيرها. وزير الأمن في حينه، موشيه يعالون، وقع على أمر اغلاق للحركة ومؤسساتها اعتماداً على “أنظمة الحماية في أوقات الطوارئ” وهي أنظمة قانونية استعمارية من فترة الانتداب البريطاني لأراضي فلسطين التاريخية. لا بد من الاشارة هنا بأنه لم يتم تقديم لوائح اتهام كما لم يعطى نشطاء الحركة أية فرصة لإسماع إدعاءاتهم قبل اغلاق مكاتبهم. أيضاً في هذه الحالة، لم يتجرأ اليسار اليهودي في إسرائيل – و”المعسكر الصهيوني” على وجه الخصوص- على تحدي قرار الحكومة المعادي للديمقراطية ضد الجمهور العربي.

خلال الحملة الانتخابية لبوجي هرتسوغ بث شريط فيديو دعائي عبر التلفاز ظهر فيه يوفال البشان، الذي خدم بالجيش مع هرتسوغ، وقال للكاميرا دون أدنى ذرة من الخجل بأن “بوجي رأى عرباً من خلف الفوهة” (بالاشارة الى فوهة السلاح). هكذا يتبنى من يفترض بأن يقود معسكر السلام التوجه اليميني المحرض القائل بأن القائد الجيد هو القائد الذي حارب “العرب” بماضيه أياً كانوا

أما على الناحية السياسية فاليسار الإسرائيلي بغالبيته لا يتجرأ على السعي لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على أساس قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي والاعتراف بحقوق الانسان للشعب الفلسطيني. لا يوجد عضو كنيست يهودي واحد يقول بصوت عالي وجازم بأن حق العودة هو جزء لا يتجزأ من المصالحة بين الشعب اليهودي والشعب الفلسطيني. اضافة الى ذلك، قلائل هم قادة اليسار اللذين يصرحون بأن كافة المستوطنات التي تتواجد على الجانب الآخر من الخط الأخضر هي غير قانونية بحسب القانون الدولي. ليس عبثاً بأن النشطاء الفلسطينيين يقولون بمرارة بأنه لا يوجد يسار في إسرائيل. أيضاً في هذا المضمار، اليسار اليهودي لا يطرح أي بديل انساني لسياسة اليمين فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

ليس أقل أهمية أن نذكر هنا بأن اليسار في البلاد فشل، في المقابل، في محاولاته لتوسيع صفوفه وسط الجمهور اليهودي نفسه. معطيات التصويت على مدى العديد من الجولات الانتخابية تعلمنا بأن الطبقات الدنيا من الجمهور اليهودي- والمركبة بالأساس من الجمهور (اليهودي) الشرقي، القادمين الأثيوبيين ومهاجري الاتحاد السوفييتي سابقاً- تصوت بنسب منخفضة جداً لحزب “العمل”، “ميرتس” و”الجبهة”. الاسباب لذلك متنوعة ولكن سبب واضح وبين هو بأن معظم أعضاء الكنيست البارزين في اليسار الإسرائيلي هم جزء من النخبة الأشكنازية، مجموعة تتمتع منذ قيام الدولة بميزات وحقوق فائضة وبالنتيجة أيضاً بأوضاع اجتماعية واقتصادية أفضل بكثير من أوضاع المجموعات الضعيفة التي ذكرتها أعلاه. الجمهور اليهودي في الطبقات الدنيا يشعر، وبدرجة كبيرة من الحق، بالقطيعة والجفاء تجاه اليسار بتركيبته الحالية النخبوية.

وعليه، مقابل الخطوات المعادية للديمقراطية التي تتخذها حكومة إسرائيل والعمليات الخطيرة التي تجري في المجتمع الإسرائيلي لا يوجد معسكر جدي يطرح بديل ديمقراطي لائق. اليسار الإسرائيلي خسر الجمهور العربي-الفلسطيني من مواطني إسرائيل والذي كان بإمكانه أن يكون شريكاً استراتيجياً لصنع سياسة ديمقراطية وعملية سلام جريئة مع الشعب الفلسطيني. بالتوازي مع ذلك فقد فقد اليسار أيضاً الطبقات الدنيا في المجتمع الإسرائيلي-اليهودي والتي بدون دعمها لن يكن بالإمكان تحقيق أي عدل اجتماعي وخلق أية شراكة يهودية-عربية.

من الصعب التنبؤ بما سيجري عملياً عندما يكون أفيغدور ليبرمان وزيراً للأمن. علينا أن نتذكر بأن موشيه يعالون قاد الجيش الإسرائيلي عام 2014 في هجوم كاسر على قطاع غزة خلال عملية “الجرف الصامد” والتي أدت الى مقتل ما يقارب ال- 520 ولد فلسطيني ذلك دون أن نذكر البالغين. مما يعني بأن إسرائيل حتى من قبل تعيين ليبرمان لم تتوانى عن استخدام الوسائل الاجرامية ضد الفلسطينيين. ولكن مجرد تعيين شخص جل أجندته التحريض على العرب لمجرد كونهم عرب لمنصب وزير الأمن يدل على أن “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” مستمرة بقوة باتجاه القمع وانتهاك حقوق الانسان. اذا لم يقم في البلاد معسكر يسار ديمقراطي، حازم وشعبي، ويطرح بديل لحكومة نتنياهو فلن يؤول استمرار السياسة العنصرية إلا للمزيد من سفك الدماء.

 ناشط بجمعية عمرام لتنمية الثقافة والهوية الشرقية. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.