رُكام الخَرائب في أرجاء الضّفة: أوروبا تُخفق في حماية الفلسطينيين

الجديد بموجة الهدم الحالية هو استهداف البنى التحتية والمساعدات الانسانية التي يحصل عليها الفلسطينيين من الاتحاد الاوروبي. هذا نداءٌ عاجل للعمل والتأثير: إذا ما سمح باستمرار عمليات الهدم هذه فإنّ آلاف الفلسطينيين، وليس المئات فقط، سوف يفقدون منازلهم خلال هذه السنة.
حَجاي إلعاد

 

للهواء طعم الغبار في جميع أرجاء الضفة: منذ كانون الثاني 2016 هدمت السلطات الإسرائيلية نحو 300 منزلاً ومنشأة فلسطينية. فقد مئات الفلسطينيين منازلهم، أكثر من نصفهم أطفال. هذه القسوة ليست صدفة: إنّها جزء من إستراتيجيّة إسرائيلية شاملة هدفها دَحْر الفلسطينيين من بعض أجزاء وطنهم وهي ممارسة ترافق عملية تفتيت هذا الوطن إلى وحدات منفصلة.

إن الغاية من ذلك هي تعزيز السيطرة الإسرائيلية وخَلق حيّز لترسيخ المشروع الاستيطاني في آن واحد. يستخدم نظام الاحتلال أجهزة التخطيط التي تكرّس شتّى الحجج المنصوصة بلغة قانونيّة تهدف إلى أمر واضح: اعتبار كلّ منشأة تقريبًا مخالفة للقانون إذا أنشأها فلسطيني. تخدم هذه الممارسة نظام الاحتلال في توفير غطاء قانوني لشرعنة المستوطنات الإسرائيلية، من جهة، ولهدم القرى الفلسطينية، من جهة أخرى.

هذا كلّه ليس بجديد حيث تأتي عمليّات الهدم الإسرائيلية على موجات ولكنها لا تتوقّف. هذه الموجات تعلو وتخفت تبعًا لعلوّ وخفوت الاهتمام الدولي. ومع ذلك فإنّنا نلاحظ جديدًا في موجة الهدم الحالية: أولاً مدى اتّساعها، ففي الأشهر الأولى من عام 2016 هدمت إسرائيل للفلسطينيين منازل أكثر ممّا هدمت خلال عام 2015 كلّه: وثانيًا التركيز المقصود على هدم منشآت وبنى تحتيّة قدّمها الاتحاد الأوروبي أو دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي للتجمعات الفلسطينية. وإذا قلنا “بنى تحتية” فالمقصود ليس أكثر من بعض الغوث الإنساني الذي اشتمل على ألواح ضوئية لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية في الأماكن التي تمنع إسرائيل وصلها بشبكة الكهرباء، وآبار مياه ومبانٍ جاهزة تُستخدَم كصفوف لتدريس الطلاّب. ورغم أنّها تقام في مناطق احتُلّت عام 1967 فإن إسرائيل تدّعي أنّ هذه الألواح الضوئية والآبار “تمسّ بسيادتها”.

في الوقت الذي تستمرّ فيه إسرائيل بهدم منازل الفلسطينيين، تستمرّ أوروبا في الإخفاق وفي تخييب ظنّ الأطفال والعائلات والتجمعات الفلسطينية وظنّ مواطني أوروبا أيضًا- المساهمون الفعليّون اللذين موّلوا كثيرًا من المنشآت المقدّمة والتي جرى هدمها

في أيلول 2015 بادر الاتحاد الأوروبي إلى “حوار بنّاء” مع إسرائيل هدفه التقدّم نحو هدف وَقْف الهدم خلال ستّة أشهر. حتى أنّ الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه التزموا الشروع في مطالبة إسرائيل بتعويضات ماليّة جرّاء هدم المنشآت والمشاريع التي أسهموا فيها إذا فشل هذا الحوار في التوصّل إلى النتائج المرجوّة منه. ولكنّ الهدم لم يتوقّف بل إنّه، وتماماً في خضمّ ذلك الحوار، أخذ يتصاعد على نحوٍ دراماتيكيّ.

لقد ولّت الأشهر الستّة التي رُسمت كحدٍّ لوقف الهدم منذ أكثر من شهر. يبدو أنّ الأمر الوحيد الذي كان “بنّاءً” في فترة “الحوار البنّاء” تلك هو التقدّم المقصود في هدم المنشآت التي أسهَم الاتحاد الأوروبي في إقامتها. وهكذا فنحن حتّى بين ركام حديقة ألعاب أقيمت للأطفال نعثر على الخطوط العريضة لخطّة منظّمة: إستراتيجيّة إسرائيلية هدفها إزاحة الفلسطينيين بالقوّة من أجزاء معيّنة في المنطقة المحتلّة.

إنّها فضيحة وممنوعٌ علينا أن نسمح باستمرارها. وما يزيد الطين بلّة أنّ كثيرًا جدًّا ممّا جرى هدمه كان تقدمة من الاتحاد الأوروبي: إن القضية المركزية كانت وستبقى أنّ هناك أناسًا فقدوا منازلهم. وإذا سمحوا باستمرار الهدم فإنّ آلاف الفلسطينيين في أنحاء الضفّة وليس المئات فقط سوف يفقدون منازلهم خلال هذه السنة.

أيّة صفة كنتم ستطلقونها على نظام يهدم ويصادر بشكل منهجيّ حتّى الإغاثة الإنسانية الأساسيّة والحيويّة- كالخيام التي تمّ تقديمها إلى العائلات التي هُدمت بيوتها للتوّ؟ ومثل هذه الأفعال التي تقوم بها دولة صديقة- ما هي إسقاطاتها المفترضة على العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية؟.

إنّ الردّ الأوروبيّ على كلّ ذلك كان حتى الآن: لا شيء. حقًّا، إنّ تصريحات التنديد بالهدم أصبحت مؤخّرًا أكثر تردّدًا ووضوحًا ولكن الخُلاصة ظلّت هي عينُها: تصريحات ليس إلاّ. أما بالنسبة لإسرائيل فإن التصريحات غير المدعّمة بأيّ فعل هي عمليًا ضوء أخضر يسمح لها بالاستمرار في الهدم وها هي مستمرة في الهدم. وفي الوقت الذي تستمرّ فيه إسرائيل بهدم منازل الفلسطينيين، تستمرّ أوروبا في الإخفاق وفي تخييب ظنّ الأطفال والعائلات والتجمعات الفلسطينية وظنّ مواطني أوروبا أيضًا- المساهمون الفعليّون اللذين موّلوا كثيرًا من المنشآت المقدّمة والتي جرى هدمها.

هذا نداءٌ عاجل للعمل والتأثير. من المرجّح أنّه لأجل وقف الهدم لن تكفي إجراءات من قَبيل المطالبة بالتعويضات ونشر المعطيات التي تبيّن حجم التدمير وتكلفة المنشآت التي قد جرى هدمها، ولكنّنا في هذه المرحلة لا نعرف حتّى إن كانت هنالك أصلاً نيّة لاتّخاذ مثل هذه الإجراءات أم لا.

لقد انتهى “الحوار البنّاء” دون فائدة. ستّة أشهر هُدرَت- وإن كانت لم تُهدَر كليًّا، فإسرائيل قد استغلّت جيدًا هذه الأشهر في تعزيز إستراتيجية الهدم أكثر وأكثر. وبين رُكام الخرائب فقدت الكلمات معناها. والخيار واضح: هل تستمرّ أوروبا في إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لتُمعن في خرق القانون الإنساني الدولي وفي سياسة الإزاحة القسرية للسكان الفلسطينيين؟ على الأرض الكثير الكثير من أكوام الرّكام وفي الجوّ غبار يحجب طريق المستقبل. لقد انتهى وقت الكلام وحده دون فعل، آن أوان الفعل.

 مدير عام “بتسيلم- المركز الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة”.

*نُشرت المقالة منذ أيام باللغة الانجليزية في “EUobserver”؛ وباللغة الفلمنكية في “Knack Magazine”؛ وباللغة العربية في صحيفة “القدس”؛ وباللغة العبرية في موقع “هعوكتس” (موقع اللسعة العبري).

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.