لا انصاف بدون رقابة: حول اقتراح قانون "الايجار المنصف"

تمرير اقتراح القانون الذي يعنى بايجارات البيوت عرض كبشرى للمليونين اللذين يعيشون بالإيجار في إسرائيل، ولكن لدى هؤلاء أسباب أكثر لخيبة الأمل منها للفرح.
يوسي دهان

 

الحراك الاجتماعي في عام 2011 انطلق عندما قام شبان وشابات بالاحتجاج على اسعار السكن المرتفعة بشكل سريع وانتقلوا للنوم في خيم بجادة روتشيلد (في وسط تل أبيب). هذا الأسبوع وفي أعقاب قرار اللجنة الوزارية لشؤون التشريع تمرير اقتراح قانون “الإيجار المنصف”، اعلنت احدى قائدات الحراك الاجتماعي آنذاك والتي أصبحت عضو كنيست اليوم، ستاف شابير: “أخيراً هناك بشرى حقيقية للمليونين اللذين يعيشون بالإيجار في إسرائيل”.

في الواقع، من ناحية المستأجرين هناك أسباب أكثر لخيبة الأمل منها للفرح. اقتراح القانون الذي تقدمت به وزيرة العدل اياليت شاكيد والذي دمج مع اقتراحات القوانين الفردية التي تقدم بها كل من ستاف شابير من “المعسكر الصهيوني” وروعي فولكمان من “كولانو”- تحدد قيمة الكفالة التي يتوجب على المستأجر دفعها مسبقاً، تعرف ما هي الشقة المناسبة للسكن وتنص على مواعيد للإبلاغ عن انتهاء عقد الايجار. اقتراح القانون يطرح تحسين على الوضع القائم ولكنه بعيد عن تحقيق قيمة الانصاف لا سيما وأنه لا يحتوي على مركبين هامين سقطا من اقتراح القانون الأصلي الذي تقدمت به شابير: فالاقتراح الحالي لا يفرض أي قيود على رفع الايجارات من قبل أصحاب البيوت، ولا يشتمل على أي آلية لتعقب سوق الايجار.

كل محاولة لضبط السوق ستؤول الى كارثة، يدعي المعارضين لتحديد الايجارات. بيد أن هناك العديد من الاماكن في العالم والتي فرضت قيود معقولة على الايجارات دون أن تتحقق هذه النبوءات السوداوية.

وزيرة العدل عللت رفضها لفرض أية قيود على الايجارات بادعاء أن قيود من هذا النوع “تشكل تدخل في السوق الحر”. ولكن خلافاً للخرافة الشائعة لا يوجد “سوق حر” من هذا القبيل- كل سوق اقتصادي هو من انتاج الدولة التي تحدد القواعد التي يعمل السوق بناءً عليها. كل سوق، حتى الأكثر رأسمالية، يعمل وفق قواعد تمكن من وجود عقود وفرضها وتحافظ على حق الملكية، على مصالح المستهلكين وعلى المصلحة العامة. الجدل بين مؤيدي “السوق الحر” وبين معارضيه هو ليس حول تدخل أو عدم تدخل الدولة في السوق انما حول نوعية هذا التدخل التي نرغب به كجماعة والقيم الاجتماعية التي نريد أن يحققها النشاط الاقتصادي.

تعالوا ننظر للحظة ل”سوق الايجار الحر” الذي لا تريد شاكيد التدخل به: الطرف الوحيد الذي يتمتع بحريه في اطاره هو صاحب البيت الذي يستطيع تحديد قيمة الايجار ورفعها في كل عام كما يشاء بينما في الجانب الآخر من المعادلة يقف شخص من الممكن بأن يجد نفسه بلا مسكن اذا لم يستجب لمطالب صاحب البيت. هذا سوق يتمتع به أصحاب البيوت بحرية اختيار مستأجرين آخرين من بين هؤلاء اللذين ينتظرون في الطابور ويوافقون مجبرين على شروطه. بين الاعوام 2008 – 2016 ارتفعت الايجارات في “السوق الحر” بإسرائيل بمعدل 65%. الايجار المتوسط يقف اليوم على 3715 شيكل مقابل 2347 شيكل في عام 2008.

ادعاء آخر يسمعه المعارضين لتحديد رفع الايجارات يقول بأن هكذا تحديد سيجعل أصحاب البيوت يمتنعون عن تأجيرها أو يقومون باهمالها. كل محاولة لضبط السوق ستؤول الى كارثة، يدعي هؤلاء. بيد أن هناك العديد من الاماكن في العالم والتي فرضت قيود معقولة على الايجارات دون أن تتحقق هذه النبوءات السوداوية. قبل عامين كتب د.نير موعالم وثيقة شاملة لصالح بلدية تل أبيب تحت عنوان ” الايجار المنصف: نظرة مقارنة على قوانين الايجار في العالم”: يتضح من الوثيقة بأن مدن كثيرة في العالم تحدد نسبة رفع الايجارات، مثلاً بواسطة ارفاقه بمؤشر الاسعار للمستهلك أو تسويات أخرى من هذا النوع. هذا ما يجري في لواء اونتاريو ومدينة تورنتو في كندا وكذلك في دولة كاليفورنيا ومدينة سان فرانسيسكو.

الاستنتاج بأنه يجب تحديد رفع الايجارات بواسطة التشريع وكذلك تحديد المواعيد لرفع الايجارات مجدداً. كما يقول المحامي جيل جان مور من “جمعية حقوق المواطن”، السكن هو ليس منتوج عادي في السوق بل هو من ضمن حقوق الانسان الاساسية. لا يمكن ترك الحق في المسكن لرغبات مؤيدي “السوق الحر” والطماعين- التسويات المنصفة لتحقيق هذا الحق تستوجب تدخل الدولة وتمويلها.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.