استعادة السحر

اذا ما أعدنا صياغة أقوال ماكس فيبر الذي تحدث عن “زوال السحر” بسبب الانفصال عن الدين ووضع العقلانية والبيروقراطية في مركز الحياة الثقافية، بإمكاننا القول بأن مبادرة “دولتان-وطن واحد” تفسح المجال أمام “إعادة السحر” للعالم اليهودي المُعلمَن الذي حاول اليسار الإسرائيلي بناءه في البلاد
ميراف الوش-لفرون

 

إسرائيل العلمانية تواجه إحدى أكبر أزماتها: يصعب عليها أن تفهم كيف يتهاوى مشروع العلمنة الاوروبي المتنور الذي بنته لنفسها. الغالبية الساحقة من الإسرائيليين ترفض أن يتم زجها في التصنيفات العمانية\الدينية وتفضل بأن تصيغ هويتها التي تميزها. للهوية اليهودية أهمية حاسمة في تنمية الوعي السياسي، ومن المهم بأن نفهم مركباتها والمنطق الذي يقف في صلبها.

الدين يتجسد في التقاليد الثقافية لليهود الشرقيين، الأثيوبيين والعرب أما نقيضه العلماني الليبرالي فمعرف مع نخب المركز\يسار الأشكنازي، “ميرتس” وحزب “العمل”. بإسم العلمانية، قامت الايديولوجية المهيمنة بترسيخ أطروحة تفوقها الفكري على الشرق اليهودي-العربي، وكذلك بترسيخ مباني التمييز والإقصاء. الصهيونية العلمانية تنكرت للدين، ووصمت مضامين اليهودية الشرقية كمتخلفة وسعت الى قمع الصلة بين الهوية الدينية الثقافية الشرقية وبين القومية الشرقية.

اليسار التاريخي نظر إلى العلمنة كقيمة مركزية وعمل، بنجاح، على تطبيقها بمختلف قطاعات الانتاج والحياة. الروح العلمانية الليبرالية مترسبة في الجهاز القضائي، في الثقافة، في الأكاديميا، في الاعلام وفي الحيز العام. هذه الروح تنظر باحتقار إلى التدين، الايمان، الروحانية والتقاليد الربانية- كلها تعتبر مهمة من ناحية الجمهور الشرقي، حتى وسط هؤلاء اللذين لا يعرفون أنفسهم كمتدينين، وأيضاً من ناحية جماهير أخرى شريكة في المشاهد ما بعد العلمانية الآخذة بالاتساع في إسرائيل.

مبادرة “دولتان-وطن واحد” تفسح المجال أمام “إعادة السحر”  للعالم اليهودي المُعلمَن، الذي كان حلم اليسار الإسرائيلي، من خلال ربطها بين الحس اليهودي القومي والذاكرة التاريخية اليهودية وبين الأخلاق والمساواة والحس القومي والديني الفلسطيني

يجب عدم الفصل بين الانتماءات التقليدية والدينية وبين ادراك الصراع مع الفلسطينيين. العلاقة المركبة بين الصلة الروحانية وبين الصلة مع الأرض لدى اليهود والفلسطينيين على حد سواء تطفو فوق السطح وتهدد بإشعال النار في أي لحظة. لهذا، يتوجب على كل مبادرة سياسية بأن تبطل مفعول التوتر بين الديانات كما يتوجب على قيمها بأن تأخذ بعين الاعتبار صلات اليهود الدينية التاريخية بأرض إسرائيل.

رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، عبر في أكثر من محفل عن تعاطفه مع نموذج الكونفيدرالية الذي يشتمل على الحدود المفتوحة، القدس الموحدة، الإدارة المشتركة للأماكن المقدسة، ووجود كيانين سياديين وديمقراطيين. مبادرة “دولتان- وطن واحد” (وأنا من بين أعضائها) التي تطرح النموذج الكونفيدرالي هي الوحيدة التي تنظر إلى مصادر الصراع بجرأة وتخترق النهاية المسدودة التي وصلت اليها المحادثات السياسية.

بتأييدها لإبقاء المستوطنات في مكانها تتعامل المبادرة مع الصعوبة العملية والأخلاقية التي تنطوي على اخلاء المستوطنين، وتوفر حلاً لمشكلة حق العودة أيضاً من خلال طرحها للحدود المفتوحة أمام الحركة ولمنح الفلسطينيين بشكل تدريجي الحق في السكن والعمل في إسرائيل كمقيمين. “دولتان- وطن واحد” تجمع من حولها ربانيم وقياديين من المستوطنين، نشطاء سلام مخضرمين، شرقيين، اشكنازيين وعلمانيين.

المبادرة تفسح المجال أمام “إعادة السحر” (اذا ما أعدنا صياغة أقوال ماكس فيبر الذي تحدث عن “زوال السحر” بسبب الانفصال عن الدين ووضع العقلانية والبيروقراطية في مركز الحياة الثقافية) للعالم اليهودي المُعلمَن، الذي كان حلم اليسار الإسرائيلي، من خلال ربطها بين الحس اليهودي القومي والذاكرة التاريخية اليهودية وبين الأخلاق والمساواة والحس القومي والديني الفلسطيني: بهذه الطريقة ستنجح أيضاً في التخفيف من حدة العدائية المتزايدة بين طوائف إسرائيل، وهي بهذا المعنى بمثابة نداء للاستيقاظ اذا ما استعرنا الوصف الذي استخدمه ريفلين في خطابه.

الحيز المشترك إلى جانب الدولتين السياديتين من شأنه أن يعزز الثقافة الشرقية ويضمن ازدهارها، وأن يبطل العنصرية ويحد من الأفكار النمطية. كونفيدرالية إسرائيل-فلسطين ستقوم بصقل الصلة بين الثقافتين اليهودية والعربية، تعزز مكانة اللغة العربية المبعدة اليوم عن الحيز اللغوي والثقافي، وتجلب تجدد إسرائيلي يعتمد على الاثراء المتبادل بين الغرب والشرق.

باحثة بمجالات الثقافة والاعلام، وناشطة اجتماعية ونسوية.

*نشرت المقالة للمرة الأولى باللغة العبرية بصحيفة “هآرتس” يوم 26.5.2016.

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.