المذبحة في اورلاندو: من الطرف الآخر لجدار القمع

عملية القتل الجماعية التي وقعت في نادي للمثليين باورلاندو أثارت الكثير من الغضب والألم وسط المجتمع المثلي وذكرتنا بأن النظام الراهن الذي يحلل دمنا هو الجريمة الكبيرة بحق. لن ننجر وراء رهاب الاسلام لأن الجرائم التي تقترف بحقنا هي ارهابية حتى لو لم تتم بيد مسلم!
تانيا روبنشطاين

 

في الأمس وبعد وصول الخبر حول عملية القتل الجماعية في اورلاندو، تدفقت المشاركات على الفيسبوك معبرة عن الصدمة، الغضب، الألم والحزن الكبير، وهكذا أيضاً في كل محادثة كانت لي مع أعضاء المجتمع المثلي من حولي.

الجميع قام باستبدال صورة “البروفايل” بعلم الفخر الذي تسيل عليه الدماء، علم الفخر مع الخط الأسود أو علم الفخر مع شمعة الروح- صور رأيناها مرة تلو الأخرى وأملنا في كل مرة بألا نضطر لرؤيتها مرة أخرى ولكننا نعرف بأن ذلك اليوم ما زال ببعيد. إلى جانب الصور، تطفو في كل مرة الذكريات أيضاً: عملية القتل في ال”بارنوعار”، مسيرة الفخر بالقدس، المسيرة الثانية بالقدس، أحداث ستونوول، المثليات اللواتي تعرضن للتعسف والعنف أو اللواتي قمن بالانتحار، وكل لحظة أسى من تلك اللحظات التي تمر علينا بوتيرة أكبر مما نستطيع احتوائه.

أريد أن اتحدث عن “الصدمة الملحة”، المصطلح الذي يشير الى التأثيرات النفسية للوضعيات الاجتماعية القمعية المتواصلة على النفس، ذلك بحسب الطبيبة النفسانية د.آفي زيف. هذه لا تشمل عمليات القتل الجماعية التي تترك ندبة في نفوسنا فقط إنما أيضاً القمع اليومي الذي نعيشه (بعضنا أقل وبعضنا أكثر، بعضنا بهذه الطريقة وبعضنا بأخرى)- الذي يترك في نفوسنا شروخ وجروح تنفتح من جديد في كل مرة تسقط فيها ضربات الواقع علينا. نفس الواقع الذي تتمتع فيه الكثيرات من بيننا ربما على الحق بالزواج في بعض الأجزاء من العالم ولكن بعضنا الآخر لا يتمتع حتى بميزة الوصول إلى البيت بسلام. واقع فيه مسيرات فخر مبهرجة وجماهيرية ومنظمات لديها ميزانيات ضخمة ولو أن هناك بيننا من لا يجدون مكاناً للسكن أو إمكانية لإعالة انفسهم.

أريد أن اتحدث عن جرائم الكراهية. مصطلح “جريمة كراهية” هو مصطلح غير معقول وتقريباً مهين، وكأن الجريمة تأتي فقط إلى جانب الكراهية، وكأن الكراهية ليست جريمة بحد ذاتها. ما العلاقة أصلاً. الكراهية هي عاطفة انسانية قد نشعر بها تجاه شخص نعرفه، بحق أو بغير حق، ولكن على أساس علاقة انسانية.

لن نوافق بأن يتم وسم هذا القتل فقط ك”ارهاب” اسلامي ضد الغرب، وكأنه بالامكان تسمية الارهاب الذي ينفذ بحقنا إرهاباً فقط عندما يتم بيد مسلم.

هذه ليست كراهية. هذا عنف هو نتاج التحريض الذي يسعى إلى الابقاء على النظام الراهن. النظام الذي يحدد من في الداخل ومن يبقى في الخارج، لمن مسموح ولمن ممنوع. النظام الذي يملي العنصرية، رهاب المثلية، التمييز على أساس الجنس والتعصب الجنسي. النظام الذي يقرر بأن دم بعضنا مباح. هذا النظام هو الجريمة التي تولد كل الجرائم التي تنفذ على أجسادنا ونفوسنا.

أريد أن أتحدث عن القمع. عند سماع الأخبار حول هوية المعتدي، رجل مسلم من أصول افغانية قد يكون على علاقة بداعش،  اعضاء المجتمع (المثلي) في محيطي وقفوا على ارجلهم الخلفية وقالوا بأننا لن نسمح باستخدام هذه الحقيقة والعنف الذي انتهج ضدنا لتبرير رهاب الاسلام. وكأن العالم العربي العلماني والمسيحية واليهودية تخلو من رهاب المثلية الذي يقتل أحياناً بالبنادق وأحياناً أخرى بوسائل محنكة ومراوغة أكثر. نحن كمجتمع يعرف ما هو القمع، لن نسمح بأن يمرروا هكذا رسالة على ظهرنا. لن نوافق بأن يتم وسم هذا القتل فقط ك”ارهاب” اسلامي ضد الغرب، وكأنه بالامكان تسمية الارهاب الذي ينفذ بحقنا إرهاباً فقط عندما يتم بيد مسلم. لن نسمح لأي طرف من الأطراف التي تقمعنا بالتملص من المسؤولية.

أريد أن أتحدث عما يوجد في الطرف الآخر من جدار القمع- أريد أن اتحدث عن التضامن وعن المجتمع (المثلي). شعارات ونصوص كثيرة تتحدث عن مجتمعنا كمجتمع حب، والحب ينتصر على كل شيء. قد يكون هناك الكثير من الحب بيننا، والكثيرات منا تنتمين لهذا المجتمع بسبب علاقات الحب ولكن هذا ليس الأمر الوحيد أو المركزي الذي يوحدنا. لقد توحدنا بسبب من حاولوا اقصائنا، اسكاتنا وتفتيتنا. هؤلاء يقومون بذلك ليس بسبب الكراهية ولكن بسبب عدم ملائمتنا للأنظمة السائدة في العالم. لذلك النظام الذي يملي القمع على شكل رهاب المثلية، العنصرية، القومجية، التعصب الجنسي، التمييز على أساس الجنس وكل طريقة أخرى للإشارة إلى من هو مختلف ودمه مباح.

تاريخياً، المجتمعات تتوحد وتتقوى مقابل المحاولات لتفتيتها. كما في السيناريو الذي مررنا به سوية بالكثير من المرات، سوف نبكي ونحزن ومن ثم نقف واحدة بجانب الأخرى ونحارب. سنخرج إلى الشوارع، ستقوم الواحدة بدعم الأخرى وسنحارب من أجل حق كل واحدة فينا بأن تعيش حياتها بأمان، تقبل واحترام. على أمل بأن نقوم بذلك من خلال التضامن مع من تعانين من قمع شبيه إلى جانبنا. سنقوم بذلك دون أن ننجر لرهاب الاسلام، ومن خلال الاشارة بالأصبع لكل المتهمين اللذين يحللون دمائنا. سنقوم بذلك من خلال استكمال بناء مجتمعنا كمجتمع يعرف كيف يقدم لنا الدعم عندما نبكي ونتألم. سنقوم بذلك برأس مرفوع، فخر وحب. سنقوم بذلك بالرغم من اننا خائفات، وسننجح لأن لدينا الواحدة الأخرى.

 ناشطة سياسية بمجال المثلية، النسوية، مقاومة الاحتلال، الهجرة من الاتحاد السوفييتي، الرفق بالحيوان وأمور أخرى من هذا القبيل. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.