الخرائط المتعارضة- سيف ذي حدين: من بسط هيمنة إلى تفكيك الاستعمار

يمكننا فهم وجود الخرائط كمنظومة علاقات قوة تكرس الواقع وتجعله الحقيقة التي يرغب الطرف الاقوى في الصراع نقلها إلى السائح والباحث الآوروبي، الذي اخاله يترك البلاد وهو غير عارف بوجود الفلسطيني صاحب البلاد ومواطنها الاصلي.
جوني منصور

 

هناك من يعتبر الخرائط مسألة جغرافية فقط، ويتعامل معها بهذه الصفة. لكن في حقيقة الأمر أن الخرائط تحمل في جنباتها مقولات سياسية ومخزون تاريخي كبير، خصوصاً عند الحديث عن صراعات تاريخية – عقائدية وجيوسياسية كالصراع الصهيوني – العربي، والإسرائيلي – العربي/ الفلسطيني.

والجدير ذكره أن الخريطة، بخطوطها وألوانها ورموزها المتفق عليها عالمياً أو محلياً، تحاول أن تمثل الواقع القائم. لكن التعمق في الخرائط يبين لنا أن الأمر ليس كذلك حقاً. فالخريطة تبني قوة وجودية، وتعزز من استمرارية هذه القوة خصوصاً إذا كانت قوة دخيلة واختراقية تسعى إلى فرض أجندتها على ما هو قائم، وتُحدث فيه تغييرات جوهرية وليست فقط شكلية. والخريطة، بموازاة ذلك، تنفي وجود الآخر إذا كان طرفًا ضعيفًا أُغرِقَ في صراع تاريخي مرير كالصراع الذي تعيشه المنطقة في العموم وفلسطين في الخصوص.

يمكننا فهم وجود الخرائط كمنظومة علاقات قوة بين أطراف مختلفة يسود بينها صراع قوي طويل الأمد. هذه المنظومة تعمل على قلب الحقائق رأساً على عقب، بحيث يفرض الطرف القوي أو لنقل الأكثر قوة اسمائه وتعابيره ورموزه، ناكراً وجود الآخر

من هذه المنطلقات لا يمكن للخريطة أن تكون في منأى عن الصيرورة السياسية الجارية في المنطقة وعلى أرض الواقع. لهذا، ترتبط الخريطة بواقع تاريخي حصل في الماضي، أو أن واضعي الخريطة يميلون إلى فرض واقع تاريخي لا يزال يتفاعل إلى الآن، ولربما مستقبلاً.

فلو اخذنا خريطة اتفاقية سايكس – بيكون من العام 1916، أي قبل مائة عام، والتي تم وضعها على يد ممثلي الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا، من نافل القول أنها ألقت بظلالها على واقع ومستقبل منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك مجموعة الصراعات التي حصلت، وبعض منها يحصل كامتداد لما فرضته خطوط سايكس – بيكو.

في حالة أخرى، وهي أيضاً امتداد للمصائب التي خلّفتها خريطة سايكس – بيكو وهي النكبة الفلسطينية في 1948، استعانت إسرائيل بمجموعة خرائط وضعتها لتخفي الأماكن والمعالم العربية الفلسطينية ولتشير إلى الأسماء العبرية، ناكرةً بذلك الوجود التاريخي الفلسطيني في فلسطين. بمعنى آخر، تكون الخريطة حاضرة مكانياً الآن، دون أي ذكر لما كان في الماضي على هذه الأرض.

بيد أن الصراع لم يبق في حدود الشأن السياسي ممثلاً بالخريطة ومواقع جغرافية وتاريخية وغيرها، بل انطلق إلى حيّزات وميادين أخرى كالثقافة والموسيقى والزي والمآكل والمشارب وغيرها. الصراع انزلق أيضاً إلى عالم الخرائط كجزء من تثبيت الحقيقة التي يتسلح بها كل طرف.

في الحالة الصراعية التي يعيشها الفلسطينيون تمّت عملية إبادة المكان ماديًا بواسطة عمليات الهدم والتدمير والطمس الكلي تقريباً، حتّى أن قرى بكاملها لم يبق منها لا جامع أو كنيسة ولا مقبرة… وجاءت عملية طمس الأسماء عن اليافطات في الطرقات والشوارع… كما تجري منذ فترة عملية إبادة للأسماء والتسميات العربية الفلسطينية للمكان الأصلاني في الخرائط الاسرائيلية سواء تلك المرفقة مع الكتب التدريسية التي يتعامل معها المدرسون وطلابهم في المراحل العمرية المختلفة، أو تلك التي توزعها وزارة السياحة عبر مكاتب الاستعلامات التابعة لها والمنتشرة في مواقع كثيرة في البلاد، أو التي تستخدم للدلالة على موقع ما في محاضرات اكاديمية ورسمية، او التي تنشرها بلديات وهيئات أخرى…

إذن، يمكننا فهم وجود الخرائط كمنظومة علاقات قوة بين أطراف مختلفة يسود بينها صراع قوي طويل الأمد. هذه المنظومة تعمل على قلب الحقائق رأساً على عقب، بحيث يفرض الطرف القوي أو لنقل الأكثر قوة اسمائه وتعابيره ورموزه، ناكراً وجود الآخر. هكذا، نشرت مؤخراً خريطة للقدس على يد وزارة السياحة الاسرائيلية، لم يرد فيها إلا ذكر لكنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك، وعشرات من المعالم اليهودية، مما هو حقيقي أو مزيف لا وجود له على أرض الواقع. هذه المنظومات تكرس الواقع وتجعله الحقيقة التي يرغب الطرف الاقوى في الصراع نقلها إلى السائح والباحث الآوروبي الذي، اخاله يترك البلاد وهو غير عارف بوجود الفلسطيني صاحب البلاد ومواطنها الاصلي.

مؤرخ ومحاضر في قسم دراسات التاريخ في الكلية الأكاديمية “بيت بيرل”، مختص بتاريخ المدن الفلسطينية وخصوصاً حيفا.

*ينشر هذا النص تبعاً لمداخلة د.جوني منصور خلال الندوة التي عقدتها منظمة “ذاكرات” بيوم 20.6.2016، تحت عنوان “الخرائط المضادة- عن الخرائط كآلية لتفكيك الاستعمار”.

المزيد:

“الخرائط الإسرائيلية: محو آخر للقرى الفلسطينية المهجرة”، نوجا كدمون.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.