حرب الهدم الحكومية... بين ما فات وما هو آت!

القرار الذي اتخذته حكومة إسرائيل بإطلاق مخطط لهدم ما يقارب الخمسين ألف بيت بالمجتمع العربي، لم يكن وليد صدفة وإنما كان جزءاً عضوياً من خطة أوسع وأشمل ترمي بالأساس إلى “معالجة مشكلة البناء غير القانوني” من منظور حكومي رسمي.
سليم سلامه

 

القرار الذي اتخذته حكومة إسرائيل في جلستها الأسبوعية الأخيرة (الأحد، مطلع هذا الأسبوع) بإطلاق مخطط الهدم بحقّ عشرات آلاف البيوت العربية لم يكن قراراً فجائياً، إطلاقاً، بل كان “عنواناً على الحيطان” منذ أشهر عديدة، على الأقل. ومَن تفاجأ بهذا القرار فإما كان غائباً عن البلاد منقطعاً عن أخبارها خلال الأشهر الستة الأخيرة، تحديداً، وإما كان مشغولاً بأشياء أخرى “أكثر أهمية” فلم يستطع إعارة الموضوع أدنى انتباه أو اهتمام!.

قبل أيام من إقرار الحكومة ما سمي بـ”خطة دعم الوسط العربي”، في نهاية كانون الأول من العام الماضي 2015، كان من الواضح تماماً أن إقرار هذه “الخطة” ـ ناهيك الآن عن مضمونها وحقيقة ما فيها من “دعم” ـ لم يكن وليد صدفة، في أفضل تقدير، وإنما كان جزءاً عضوياً من خطة أوسع وأشمل ترمي، بالأساس، إلى “معالجة مشكلة البناء غير القانوني” في الوسط العربي من منظور حكومي رسمي. أي، لشن حملة هدم رسمية منظمة، قانونياً وتنظيمياً وإجرائياً، على البيوت العربية المبنية بدون تراخيص، والتي تشير التقديرات إلى أن عددها يفوق الخمسين ألف بيت!.

أزمة البناء “غير المرخص” التي نشأت وتفاقمت جراء سياسات حكومية رسمية ممتدة منذ سنوات طويلة لا حلّ لها ولا مخرج إلا بقرارات وإجراءات سياسية، تعالج المسببات وجذورها وتضع حلولاً تصلح الغبن المتراكم بتجنيب مئات آلاف المواطنين العرب كارثة الهدم والتشريد الجماعية

في جلستها الأسبوعية التي عقدت يوم 27/12/2015 وتناولت موضوع “خطة الدعم”، قررت الحكومة ـ حسبما جاء في بيانها الرسمي في اليوم نفسه ـ “تأجيل البحث في الخطة إلى جلسة خاصة تُعقد يوم الأربعاء القريب”. وأضاف البيان الرسمي، بالحرف: “أصدر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تعليماته بتشديد وتعزيز ما في الخطة من مركّبات تتعلق بتطبيق القانون وبتشجيع البناء إلى أعلى (أي زيادة الطوابق) في بلدات الأقليات”!.

وفي ختام الجلسة اللاحقة، التي عقدتها يوم الأربعاء 30/12/2015 وأقرت فيها هذه “الخطة”، أكدت الحكومة في بيانها الرسمي أنه “في غضون 30 يوماً، سيقوم طاقم يترأسه نائب المستشار القضائي للحكومة بتقديم توصيات إلى الحكومة في موضوع فرض أحكام القانون، بحيث تتطرق هذه التوصيات إلى تعزيز فرض وتطبيق قوانين التخطيط والبناء وأحكامها”!….. أليس هذا كلاماً واضحاً تماماً؟!.

وبعد أربعة أيام من تلك الجلسة، في 4/1/2016، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية خبراً “يكشف” عن أن رئيس الحكومة “عيّن الوزيرين ياريف ليفين وزئيف إلكين لصياغة جملة من الشروط والمبادئ التوجيهية لتقديم الدعم للوسط العربي. وستتركز توصيات الوزيرين في مسألة فرض القانون والالتزام بتطبيق أحكام قوانين التنظيم والبناء”!.

وفي اليوم التالي، يوم 5/1/2016، أجرت إذاعة الجيش الإسرائيلي “غالي تساهل” ضمن برنامج رازي بركائي الصباحي مقابلة مع الوزير ياريف ليفين (سبقتها مقابلة مع عضو الكنيست أيمن عودة حول “أهمية الخطة”) أوضح ليفين خلالها، بصريح الكلام وبدون أية مواربة، أن تقديم أي “دعم” مما أقرّ في “الخطة” سيكون مشروطاً بضمان ما يلي: 1. تطبيق القانون؛ 2. البناء إلى أعلى؛ 3. اجتثاث البناء غير القانوني؛ 4. تشجيع الخدمة المدنية والعسكرية(!)، وأكد: “فقط السلطة المحلية (العربية) التي ستتعاون في تنفيذ هذه الشروط ستحصل على أموال الدعم التي أقرتها الخطة”!…. أليس هذا كلاماً واضحاً تماماً؟؟.

ولم أسجّل هنا سوى نزراً يسيراً جداً مما نشرته، بكثافة نسبية، وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة، بما فيها عربية، طوال الأشهر الستة الماضية كلها، حول خطة الهدم هذه وشروط “التعاون” معها للحصول على “الدعم” (أشير، هنا، إلى أن اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بهذا الموضوع مبعثه أن “البناء غير القانوني في الوسط العربي” يؤرّق منذ سنوات عديدة أوساطاً غير قليلة في الحلبة السياسية الإسرائيلية، تشمل يمينها كلّه وبعض “وسطها” و”يسارها” أيضاً!).

فلمَ الضجة الآن، فقط؟؟ وممَّ المفاجأة؟

غير أن ما يعزز القلق ويزيد بواعثه، زيادة على الصمت المتواصل في موقع “الحاضر الغائب” خلال الأشهر الستة الماضية كلها، هو ما أصدرته “الهيئات والشخصيات القيادية” العربية الآن من تصريحات وبيانات، في أعقاب قرار الحكومة الأخير (يوم الأحد الماضي) تبنّي وإقرار كامل توصيات “خطة كامينتس” للهدم الجماعي في الوسط العربي. وهي تصريحات وبيانات تزخر بعبارات “رفض الخطة” و”التحذير” من مغبة تنفيذها وعواقب هذا التنفيذ… تحذيرات ليس ثمة ما يسندها ويعززها، مما يوحي بأن ما كان هو ما سيكون في مواجهة هذه “الحرب الحكومية الرسمية”.

كان ينبغي أن يتم الاستعداد لمواجهة هذه “الحرب” من قبل، بشن حملة تعبوية تحشيدية على المستوى الشعبي مرفقة بتشكيل وإعداد طواقم واسعة ومؤهلة من المختصين، المهندسين والمخططين والمحامين، إلى جانب طاقم إعلامي مهنيّ، على أن تلتئم هذه الطواقم فورياً وبصورة متواصلة لوضع برامج تفصيلية للتصدي لهذه الحرب الداهمة ومقاومتها، محلياً ودولياً، على نحو يوضح للحكومة الإسرائيلية وأذرعها المختلفة رسالة جلية وحازمة لا تقبل أي تأويل أو مساومة، مفادها: لن نسمح بتنفيذ هذه الخطة الحربويّة، مهما كانت الظروف وتحت أية شروط!.

ولا تعني هذه الرسالة، في أي حال، تشجيع أية “تجاوزات” و”مخالفات” قانونية، بل تؤكد أن أزمة البناء “غير المرخص” التي نشأت وتفاقمت جراء سياسات حكومية رسمية ممتدة منذ سنوات طويلة لا حلّ لها ولا مخرج إلا بقرارات وإجراءات سياسية، تعالج المسببات وجذورها وتضع حلولاً تصلح الغبن المتراكم بتجنيب مئات آلاف المواطنين العرب كارثة الهدم والتشريد الجماعية وتضمن انتفاء الاضطرار القسري إلى البناء “غير المرخص” في المستقبل. هذا، عوضاً عن “التهديد” بأننا “سنعيد بناء كل بيت يتم هدمه”، وهو ما لا يساهم في إنهاء هذه المأساة وإلغاء الحاجة الماسة، الاضطرارية، للعودة إلى البناء “غير المرخص” مستقبلا، فيبقي الأزمة جرحاً مفتوحاً على أسوأ الاحتمالات!.

ولئن كان هذا كله لم يحدث من قبل، خلال الأشهر الطويلة المنصرمة كما ذكرنا، فلا مجال لتأجيله أكثر وليس من المنطق أن لا يشكل محور البحث والقرارات في “الاجتماع الموسع التمثيلي الشامل” الذي أعلنت “اللجنة القطرية للرؤساء” أنه سيُعقد يوم غد السبت في مكاتبها في الناصرة، ولو من باب أفضلية المتأخر على العدم! أما انتهاء الاجتماع إلى ما اعتدنا عليه من قرارات وإجراءات (بيانات وتصريحات، وحتى الإضراب العام!)، فمن شأنه أن يُبكي أجيالاً قادمة وأن يفوّت فرصة تاريخية سانحة لإفهام السلطات الرسمية في إسرائيل وقباطنتها، مرة واحدة وإلى الأبد: لن تستطيعوا مواصلة التعامل معنا بمثل ما كان!.

صحفي وحقوقي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.