اختطاف الأولاد اليمنيين: الانكار مستمر رغم الشهادات الكثيرة

بدل الالتفاف حول شهادات العائلات التي اختطف اولادها والذهاب باتجاه المصالحة، يختار الكثير من الاشكناز الاستمرار في انكارهم وتعميق المشاعر الصعبة بينهم وبين اليهود الشرقيين: كل الاسئلة حول مصير الاولاد يجب أن توجه اليوم للدولة التي تتحمل عبء الاثبات بشكل كامل.
توم مهاجر

 

في الاسبوع الماضي تم احياء يوم الذكرى ورفع الوعي لقضية الاولاد اليمنيين اللذين اختطفوا من أهاليهم خلال السنوات الاولى لدولة إسرائيل. وقد جاءت النشاطات هذه السنة بعد فترة وجيزة من اطلاق جمعية “عمرام” (التي أعمل فيها) لموقع الكتروني خاص يركز شهادات العائلات التي ما زالت تطالب بمعرفة مصير اولادها حتى اليوم. لسذاجتنا اعتقدنا بأننا اذا ما قمنا بإحضار شهادات عائلات كثيرة حول الطرق التي اختطف اولادهم من خلالها، سيكون هناك توجه لاصلاح الخطأ الاجتماعي، الاعتراف الجماعي بالحقيقة وربما المصالحة بالمستقبل البعيد أكثر. بيد أن ردود فعل الكثير من الأشكناز لنشاطات يوم الذكرى لم تخرج من حيز الانكار وتشويه الحقائق ولبس لباس الضحية. على هذه الخلفية من المهم بأن نعود ونؤكد على بعض الحقائق الاساسية.

للجان التحقيق المختلفة وصلت أكثر من ألف شهادة لعائلات اختطف اولادها. الشهادات مطابقة بغالبيتها الساحقة- جهات طبية قالت للعائلات بأن الولد\البنت مريض\ة، قاموا بأخذ الأولاد وبعد عدة أيام أبلغوهم بأن الولد\البنت قد توفوا. لم تسلم للعائلات أية شهادة وفاة ولم تحصل هذه على معلومات حول مكان دفنهم. في هذه الأيام، قامت مئات العائلات بتقديم شهاداتها لجمعية “عمرام” ومئات أخرى شاركت بالنشاطات التي تقيمها الجمعية بأنحاء البلاد. من لا يصدق شهادات هذه العائلات كأنه لا يصدق شهادات اليهود الناجين من الكارثة، وهناك عدد لا بأس به من هؤلاء في العالم.

حتى اليوم، لم تقم الدولة بفتح القبور لتثبت بأن الاولاد ماتوا حقاً ودفنوا بالأمكنة التي تمت الاشارة اليها أحياناً. لهذا، بالامكان القول بأن الدولة لم تقم يوماً بتقديم اجابات للعائلات حول مصير اولادهم اللذين اخذوا منهم من قبل ممثليها.

عدا عن ذلك فمن يقوم بمراجعة المواد القائمة حول الموضوع يكتشف بأن هناك شهادات لممثلين رسميين تؤكد على مصداقية شهادات العائلات. نسوق هنا على سبيل المثال شهادة اهوفا غولدفيرب، المفتشة القطرية للخدمات الاجتماعية في “الوكالة اليهودية”، أمام لجنة التحقيق الرسمية، والتي قالت فيها: “هناك أولاد ارسلوا خارج معسكرات (القادمين الجدد) دون تسجيل، وقد اتبع ذلك بشكل منهجي على مدى كبير”. وقد اعترفت غولدفيرب بأن الاجابة لأسئلة الأهالي حول مصير اولادهم كانت بأنهم “لم يعودوا بين الأحياء”. أيضاً روزا كوشينسكي، ممرضة في معسكر “عين شيمر”، أشارت الى نفس النهج: “كنت آخذ طفلين او ثلاثة.. كانوا يرسلونني مع سيارة الاسعاف الى العفولة حيث كنا نترك الأطفال أصحاء وسالمين. في اليوم التالي كنت آخذ اطفال آخرين وأسأل عن الأطفال اللذين تركناهم هناك.. كانوا يقولون بأنهم ماتوا.. ماذا يعني ماتوا؟ لقد كانوا أصحاء ولم يعانوا من مكروه.. كانوا يقولون بأنهم توفوا.. هذا غير صحيح.. غير صحيح.. لقد ارسلوهم للتبني”.

كل الاسئلة حول مصير الاولاد بعد اختطافهم يجب أن توجه اليوم للدولة. العبء يقع عليها بشكل كامل. الجهات الرسمية كانت آخر من تولى أمر الاولاد وفي غالبية الحالات كانت تلك الجهات الطبية. الشبهة الأكبر بأنه تم بيع الاولاد خارج البلاد لأهداف شتى، فهناك آلاف الحالات ولكن لا وجود للجثامين في البلاد. عيدو مينكوفسكي، حفيد رؤوفين مينكوفسكي من لجنة مينكوفسكي-بهلول رد عبر “الفيسبوك” على استعراض الشهادات والنقاش الجماهيري الذي تطور في اعقابها. بحسب ادعائه: “لجنة مينكوفسكي-بهلول اكتشفت حقيقة مدوية حول الاولاد اليمنيين المفقودين. لقد اكتشفوا بأن أكثر من 300 ولد قد توفوا!! لسبب ما لا يتم ذكر هؤلاء اليوم مع انهم مسجلين ومكان (جثامينهم) معروف”.

مينكوفسكي لا يقول الحقيقة. بما أن ممثلي الدولة هم اللذين أخذوا الاولاد من أهاليهم وبما أن الدولة تدعي بأن هؤلاء قد توفوا، المسؤولية عن تحديد مكان دفن الاولاد تقع على الدولة. ما دام ليس هناك قبور تحمل أسماء الاولاد ولا توجد فحوصات ملائمة تربط بين الاولاد وعائلاتهم، لا يمكن الجزم بأن الأولاد ماتوا ودفنوا في البلاد. حتى اليوم، لم تقم الدولة بفتح القبور لتثبت بأن الاولاد ماتوا حقاً ودفنوا بالأمكنة التي تمت الاشارة اليها أحياناً. لهذا، بالامكان القول بأن الدولة لم تقم يوماً بتقديم اجابات للعائلات حول مصير اولادهم اللذين اخذوا منهم من قبل ممثليها. الى جانب ذلك، يجب أن يكون واضحاً بأن الحديث ليس عن مئات الأولاد بل عن آلاف الأولاد. في لجنة التحقيق الرسمية (لجنة كيدمي) الحديث كان عن 1500-5000 ولد مفقود وهذا فقط بين السنوات 1948-1954.

هذه الامور التي ذكرتها أعلاه هي أمور مفروغ منها بالنسبة لنا. منذ البداية لم نشكك في مصداقية العائلات، ومنذ البداية قلنا بأن الدولة هي تلك التي يتوجب عليها تقديم الاجابات حول مصير الأولاد. لكن استنكار ومراوغة الكثير من الأشكناز أدت الى النتيجة العكسية- بدل الالتفاف حول شهادات العائلات والذهاب باتجاه المصالحة، عمق الاسبوع الأخير المشاعر الصعبة بين الشرقيين والأشكناز. ليس أمامنا هنا إلا أن نؤكد على أمر واحد- بأننا مستمرين في نضالنا حتى اعتراف الدولة الكامل بالجريمة التي اقترفت بحق الاولاد وعائلاتهم.

ناشط في جمعية “عمرام” لدعم الثقافة والهوية الشرقية. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.