اعادة تعريف مصطلح "الدفاع عن النفس"- فقط عندما تكون الضحية عربية!  

يبدو بأن التعامل مع مصطلح “الدفاع عن النفس” بالآونة الأخيرة يغلب المركب الشخصي على المركب الموضوعي: شعرت بخطر، قتلت، أنا بريء! بيد أن اعادة التعريف هذه لا تقتصر على الخطاب العام بل تتغلغل أيضاً في ممارسات الجيش.
ياريف موهر

 

تراكم حالات اطلاق النار المشبوهة ضد فلسطينيين والنقاش الجماهيري الذي تثيره، مثلاً حول حالة الجندي اليؤور أزاريا المشهورة (حيث أعدم شاب فلسطيني بالخليل)، ترمز بأن شيئاً حفياً بدأ يظهر مؤخراً على الطاولة في الساحة الجماهيرية بإسرائيل. ثمة حملة، مخفية وخطيرة، قد أطلقت لإعادة تعريف ما هو “الدفاع عن النفس”، على الأقٌل عندما يتعلق الموضوع بعرب. بحسب اللذين يقودون هذه الحملة- خليط من قادة اليمين، السياسيين المحرضين من اليمين والمركز وصولاً إلى المعقبين على شبكة الانترنت- الدفاع عن النفس يعني: “شعرت بتهديد مقابل عرب\ي”، لهذا فهناك خطر على حياتي وباستطاعتي أن أتصرف ضده\م بكل الطرق، والأمر صحيح أيضاً على المستوى الفردي وأيضاً على المستوى القومي. لهذا، فحتى التفسيرات غير المقنعة، كتلك التي أسمعها الجندي أزاريا، قد لقيت لها آذاناً صاغية بين أواسط ملحوظة من الجمهور (الإسرائيلي).

بصفتي مؤيد كبير لحق الدفاع عن النفس، أنا امتعض من هذه المحاولة لشمل وضعيات تتظاهر بأنها دفاعاً عن النفس تحت اطار هذا المبدأ الهام والأساسي. عندما تتظاهر وضعيات مختلفة من الشك والتخوف بأنها دفاعاً عن النفس، يتم تشريع حالات قتل كثيرة وغير ضرورية بأقل لسان.

إعادة تأطير السؤال “ما هو الدفاع عن النفس” تشكل أيضاً ارشاد قانوني مخفي لقاتلي العرب: كل ما عليكم القيام به هو أن تقولوا بأنكم شعرتم بخطر (وهي مسألة شخصية للغاية بالطبع) ولن يكون من الممكن تقريباً اثبات عكس ذلك.

الدفاع عن النفس، وأنا أقصد هنا المصطلح العام وليس التعريفات القانونية، هي حالة موضوعية ذات بعد شخصي ليس بهامشي قد يكون مضللاً بلا شك: تمييز وضعية كوضعية تعرض الحياة لخطر فوري. هذا التمييز من الممكن بأن يتضح كمغلوط فيما بعد ذلك بسبب محدودية الادراك الانساني، الشعور بالخطر وضغط الوقت، ولكنه يبدو صحيحاً في ذات اللحظة- مثل الشرطي الذي يطلق النار، لنقل، على ولد يمسك بمسدس لعبة في ساحة جريمة خطيرة ومتوترة. هذه حالات تراجيدية مركبة تختلط فيها التصنيفات الاثنية\القومية والتحديات الأمنية الحقيقية. ولكن في أعقاب قضية أزاريا وحالات أخرى، هناك من يسعى الآن إلى توسيع المصطلح على المستوى الدلالي: مؤيدي هذه الحملة يحاولون تهميش المركب الموضوعي في تعريف الدفاع عن النفس وتغليب المركب الشخصي- شعرت بخطر ما مقابل عرب؟ من المفروغ منه بأن أي عمل قمت به حيال ذلك هو عمل مشروع.

أحياناً أمر بساعات الليل في أحياء ليست آمنة بشكل خاص، ويمر مقابلي أناس يبدون لي مشبوهين ولكني لم أكن لأخرج بريئاً (أو لأعتبر بريئاً بنظر جزء كبير من الجمهور) اذا ما قمت باطلاق النار عليهم فقط بسبب شعوري هذا. في الضفة الغربية، بالمقابل، هذه تعتبر ردة فعل مفهومة ضمناً.

لهذا فإعادة تأطير السؤال “ما هو الدفاع عن النفس” تشكل أيضاً ارشاد قانوني مخفي لقاتلي العرب: كل ما عليكم القيام به هو أن تقولوا بأنكم شعرتم بخطر (وهي مسألة شخصية للغاية بالطبع) ولن يكون من الممكن تقريباً اثبات عكس ذلك. ف”من الصعب أن نحكم عليهم ونحن نجلس في مكاتبنا المكيفة”- كليشية صحيحة ولكن لا علاقة لها بالموضوع في هذا السياق. هكذا يحصل مطلقي النار، بفضل حجة ضعيفة، على تسهيلات ملحوظة على الأقل ببنود التهمة والعقوبة أو على معاملة متهاونة على المستوى الجماهيري إن لم يكن عل المستوى القضائي كذلك. من هنا يكون من الصعب بأن يثبت أحد بأن الشعور بالخطر هو ليس إلا حجة تم الباسها على الحالة او أنه لم يكن له أي أساس بالواقع حتى لو أن مطلق النار شعر به حقاً.

هذة هي الحال أيضاً بالخطاب السياسي الواسع: استمرار حكم التمييز العسكري في الضفة عموماً يفسر كدفاع عن النفس على المستوى القومي على الرغم بأنه لا يوجد الكثير بينه وبين الدفاع، ومن الواضح بأنه حتى دون السيطرة على شعب آخر وحرمانه من حقوقه ليس هناك خطر وجودي على القوة العسكرية الإسرائيلية العظمى.

الحملة من أجل توسيع مصطلح “الدفاع عن النفس” لم تطال بعد المستوى القضائي الرسمي ولكنها حاضرة بقوة في الخطاب الجماهيري والاعلامي وبين السياسيين المحرضين. عدا عن عدم المسؤولية فهذه الحملة تنطوي أيضاً على مركب عنصري: فمقابل المجرمين او الارهابيين اليهود، يتم اعتبار الدفاع عن النفس كأمر موضوعي بالأساس بينما مقابل العرب يتم اعتباره كشخصي بالأساس- شعرت بخطر، قتلت، أنا بريء.

بيد أن الحملة من أجل التعريف الشخصي للدفاع عن النفس مقابل العرب لا تقتصر على مستوى الخطاب فقط بل أنها تتغلغل عملياً في ممارسات الجيش. هذا ليس بالأمر الجديد ولكن يبدو بأنه يمر بعملية مأسسة ويخلق شقاً بين المستويات المسؤولة عن العلاقات الخارجية والدعاية وبين المستويات العاملة في الميدان، وكذلك بين مجموعات مختلفة من الجنود والضباط داخل الجيش: من جهة، هؤلاء اللذين يحاولون الالتزام بتعليمات اطلاق النار قدر الامكان، ومن جهة أخرى، هؤلاء اللذين يطالبون بأن نحمي أنفسنا من المتهمين بالارهاب- أي كل العرب تقريباً.

في الجيش هناك “تعليمات اطلاق النار” الرسمية وهناك “اجراءات اطلاق النار” العملية- هوة كبيرة تفصل بين هذه وتلك. فالتعليمات الاولى ليست غير هامة ولكنها تقل أهمية عن الثانية. “تعليمات اطلاق النار” التي تتم مناقشتها من قبل “فلاسفة” الجيش تعرف الدفاع عن النفس بمصطلحات موضوعية بأساسها بحق- وضعية تعرض الحياة لخطر واضح وفوري وتبرر اطلاق النار بهدف القتل. المشكلة بأن فلاسفة الجيش هؤلاء هم عادةً جزء من المنظومة التي تبرر أو تنكر اجراءات اطلاق النار العملية، في الميدان. هم يتنكرون لحقيقة مرور مصطلح الدفاع عن النفس بعملية توسع لا تطاق وبأنه لم تعد له علاقة منذ زمن مع تعريفاتهم النظرية والجافة.

الفتى الفلسطيني رأفت بدران ابن ال-15 الذي قتل بالأسبوع الماضي على شارع 443 ربما قتل “سهواً” ولكن اجراءات اطلاق النار التي تفرق بين دم ودم هي ليست غلطة. الجنود شكوا بأن سيارة فلسطينية قريبة هي المصدر لإلقاء الحجارة باتجاه سيارات اليهود (ولو أنه من الصعب تقنياً القاء حجارة كبيرة من داخل سيارة ولكن لنفترض بأن ذلك ممكنناً). هناك مكان للتساؤل ما هي الأسلحة التي ميزها الجنود عندما قاموا بإطلاق النار القاتلة على السيارة والتي قد تشكل خطر فوري على الحياة. هذه مسألة يجب ان يتم فحصها بجدية ولكن فحص من هذا النوع هو ممكن فقط عندما يكون موضوعي وغير منحاز وليس عندما تكون هناك نية لتحليل الواقع كمحامي دفاع دائمين للأيدي الخفيفة على الزناذ. كما أنه من الصعب اجراء فحص من هذا النوع عندما تقوم اواسط واسعة من الجمهور، بما يشمل وزراء كبار في الحكومة وأعضاء كنيست من الائتلاف، باعتبار الدفاع عن النفس ك: شعرت بتهديد مقابل عربي(!).

مراجعنا الدينية تقول “سارع بقتل من يهم لقتلك” وليس- سارع بقتله ان بدى لك مشبوهاً(!!).

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.