يا أخي- قد جاوز المتطرفون المدى!

سياسة التكفير والتخوين التي ينتهجنا البعض في داخلنا, وسياسة اقصاءنا كنساء ومحاولة السيطرة على أجسادنا, اصواتنا وتفكيرنا هي خط احمر! مواجهة مثل هذه المحاولات هي واجب ليس اقل قومية ووطنية من أي واجب آخر فلا يمكن لشعب يقبع تحت احتلال فكري وثقافي أن يمارس مثل هذا القمع على نفسه بتسامح.
نسرين مصاروة

 

يريد لنا البعض ان نعتقد, ومن ثم  ان نتعامل، وكأن هناك نقاشات جانبية هامشية حول طول تنورة او طريقة لباس. لكن في الحقيقة ان النقاش اعمق من ذلك بكثير وهو دعوة  صارخة لإعادة النظر بالثقافة السامة التي نسمح لها ان تتفشى بيننا وقد حان الوقت ان نختار لأنفسنا موقفاً واضحاً تجاهها.

تتكاثر الاحداث العنصرية “الداخلية” في الآونة الاخيرة لدرجة تستحق اعادة قراءة النسيج الاجتماعي المجتمعي الفلسطيني, وإعادة بناء تعاملنا مع المشروع الوحدوي الحالم لشدة  الاختلافات ولعمقها, مما يتطلب منا الوعي الذاتي الكافي والجرأة لان نتعامل مع الأمور بغير تهاون- على غير عادة.

لا يمكن ان نصمت على هذا الكمّ الهائل من  محاولات المسّ والتسكيت التي تحاول فئة معيّنة من المجتمع فرضها كأمر واقع. لقد منح المتطرفين مساحة بحجة حرية تعبيرهم عن رأيهم من قبلنا، نحن النساء ومعنا كل من ينتهج نهج المفكر فولتير القائل: “انني اختلف معك في كل كلمة تقولها لكنني سأدافع, حتى الموت, عن حقك ان تقول ما تريد”، بيد أن هذه المقولة لم تعد صالحة في هذه الديناميكية المريضة, بأقل ما يمكن وصفها. اعلم جيداً أن هناك من سيقولون أنني بهذا اعطي صك تطرف لنفسي وأتصرف بما هو مثلهم, لكن كقول دنقل: “هل تتساوى يد سيفها كان لك, بيد سيفها اثكلك؟”.

لا علاقة للملابس بالعهر يا سادة, فنساء جمهورية مصر سُحلن من داخل نقابهن ليغتصبن اغتصاباً جماعياً في الشوارع. الاب الذي يغتصب ابنته والأخ الذي يفرض نفسه على اخته لم يغره فخذها او عنقها. ان هذا الفجور هو فجور النفوس.

مشوار التهاون بدأ بتسامحنا الخائن مع قتلة النساء ومسميات “شرف العائلة” وبذلك شرعنة اشتراط حق تلك النساء بالحياة بمدى التزامهن ب”الأعراف” و”المقبول”, ثم تسامحنا مع تحريم الرياضة للنساء والتعنيف الذي طال كل من وقف في صف الرياضية الطيراوية, وفيما بعد مع تحريم الدبكة الفلسطينية “المختلطة”, حتى وصلت الامور لمحاولة الطعن بشخصيات ناشطة مختلفة بما يسمى “بالشرف” أيضاً.  لن اخوض في ما افكر عن “الحرام” و”الممنوع” ومن يسنهما لأنه من الواضح ان بوصلتي الحقوقية النسوية تختلف كلياً عن بوصلة وأخلاق زمرة المتطرفين, واعترف انني، رغم اختلافنا، كنت افكر انني سأدافع عن حقهم في قول ما يفكرون حتى الموت لكنني اعلم الآن بأنني بذلك، على الاغلب، احكم على نفسي بالموت سدى.

في مدينتي, الطيبة, كتب “مجهولون” ان السوق الرمضاني في المدينة هو سوق “الديوثين”, وبعد ايام عدة طالب ائمة المساجد في جلستهم مع رئيس بلدية الطيبة ملائمة هذا السوق وبرنامجه الثقافي لما يتناسب مع شرائع الدين الاسلامي بادعاء أنه بتركيبته الحالية- برامج “عمو روني” ومواهب الاطفال الطيباويين- يخدش الحياء.  لا بد هنا من توضيح معنى الاصطلاح فالـ”ديّوث” في معجم المعاني الجامع هي صفة تعطى للرجل القوّاد على أهله, من فقد الغيرة والخجل: في مرجع آخر كتب أن للاصطلاح معنى “عصري” يستعمل عندما يقبل الرجل ان تمارس زوجته الجنس مع آخرين دون ان يغار. لا اعرف من المجهولين الذين رشوا مدخل السوق بهذه الكلمات ولا تعنيني تفاصيلهم لأنهم ليسوا إلا انعكاساً لثقافة العفة المفترضة تلك.

هناك تجاهل تام لحقيقة كون مدينة الطيبة, رابع اكبر المدن الفلسطينية داخل إسرائيل, وبعد ان عانت من عشر سنين عجاف، ترفع رأسها وأخيراً فوق سطح الماء لتتنفس. وكأن لا معنى لوجود مكان لأطفالنا يلعبون به, مكان للأمهات والأولاد والبنات, مكان لتعاطي ثقافتنا والتنزه دون الحاجة لعطف حراس المراكز التجارية في رعنانا وكفار سابا حيث تتم معاملتنا بشكل دائم كهدف متحرك او قنبلة موقوتة يجب تفكيكها, كل هذا لا يهم! المهم الا ينظر رجل بعين امرأة او العكس, المهم ان لا يحدث “لا سمح الله” ان تبتسم صبية يافعة لفرحتها في العيد فيغرم بها زميلها لنقل.

انا لا ارفض فقط توجّه تلك الثلة التي تظن بأنها العارفة وبأن لديها صلاحية لتعريف الاخلاق وإخراج كل من هو مختلف عنها عن إطار المقبول: انا ارفض الطريقة, الاسلوب والتوجّه الذي يطعن بأعراض النساء ثم يتوجه للرجال كمن عليهم “ان يغاروا” ويوقفوا حالة الزنى الجماعي الاجتماعي في السوق, وكأن الرجال هم المسؤولون والمخوّلون لمعالجة هذه الأزمة التي تسببها النساء.

الزنى والدعارة بإمكانهما ان يتجسدا بالمواقف ايضاً. الدعارة هي نهج حياة وطريقة تفكير. لا علاقة للملابس بالعهر يا سادة, فنساء جمهورية مصر سُحلن من داخل نقابهن ليغتصبن اغتصاباً جماعياً في الشوارع. الاب الذي يغتصب ابنته والأخ الذي يفرض نفسه على اخته لم يغره فخذها او عنقها. ان هذا الفجور هو فجور النفوس.

أما الاسوأ فهو بأننا بهذه الحالات نضطر إلى مخاطبة الآخر بهذه المفاهيم, فيزيد انشغالنا بما كان بهوامش حياتنا طيلة الوقت, لأنهم يصرّون، ليل نهار، أخذنا الى هذا المدّ والجزر الذي لا ينتهي. وهكذا، عوضاً عن بناء مجتمع متراصّ ينهض بكل شرائحه ويدعم نساؤه ليكنّ شريكات بالحمل السياسي والاجتماعي والثقافي, كما يليق بنا, ننشغل بفرض رأي مجموعة على المجموعة الاخرى.

الاخلاق لا تأخذ شكل الوعاء, اي ان الحرّ الحقيقي يبقى حرّاً حتى لو قابله ظالم, ونحن حتى لو قابلنا من يحاول ان يفرض رأيه ومعتقداته على حيّزنا العام, المشترك, نحاول دائماً حل المعضلات بالنقاش الحضاري, بالتفاهم او بما يسمى “بالاخذ والعطى”. هذه هي اخلاقنا لكن يبدو أن هناك من يظن, خطأً, ان هذا النهج هو نهج الضعفاء, ويحاول في كل فرصة, منعنا من ان نتنفس.

لنسقط جميعاً اذا كنا سنلغي نشاطاً اجتماعياً فيه من تراثنا الذي نحارب بأسناننا لحمايته من مشروع تهويد فلسطينيتنا- فقط لأنه يخدش “الحياء”. عن اي “حياء” نتحدث ونحن نقتل نساءنا بدم بارد بالضبط كما تقتلهن اسرائيل على المعابر.

في نهاية الامر، مواجهة مثل هذه المحاولات والتوجهات هي واجب ليس اقل قومية ووطنية من أي واجب آخر, حتى ان هدم النفس انكى من هدم البيت- البيت يمكن بناءه من جديد عشرون الف مرة لكن النفس تموت أحياناً وهي ما زالت على قيد الحياة. ثم انه لا يمكن لشعب يقبع تحت احتلال فكري وثقافي أن يمارس مثل هذا القمع على نفسه بتسامح. هذه الازدواجية  بالمعايير ارعن من بطش العدو, لان العدو الداخلي يلبس لباس الهوية المشتركة والوحدة, لكن حتى الوحدة لن تكون بأي ثمن!. ان سياسة التكفير والتخوين التي ينتهجنا البعض في داخلنا, وسياسة اقصاءنا كنساء ومحاولة السيطرة على أجسادنا, اصواتنا وتفكيرنا هي خط احمر!.

لم يعد مشروع الدولة الحرة الموحدة المستقبلية يغريني، ولا اريد ان اردد شعارات فارغة عن حق الشعب في تقرير مصيره عندما يكون نصف هذا الشعب خارج المعادلة, وعندما تحرم النساء-  نصف الشعب- من حقهن بتقرير مصيرهن بحجة ان هناك وصيّ يعرف مصلحتهن وما هو انسب للجميع. لتسقط الوحدة اذا كنا سنسمح بأن تنام امرأة وهي مهددة لأنها خططت نشاطاً شعبياً ثقافياً في بلدتها. لنسقط جميعاً اذا كنا سنلغي نشاطاً اجتماعياً فيه من تراثنا الذي نحارب بأسناننا لحمايته من مشروع تهويد فلسطينيتنا- فقط لأنه يخدش “الحياء”. عن اي “حياء” نتحدث ونحن نقتل نساءنا بدم بارد بالضبط كما تقتلهن اسرائيل على المعابر.

حين تصبح كلمة “المختار” غير سارية المفعول, ولا تحل قضايا القتل والاغتصاب والتحرش “على فنجان قهوة”, وحين نجرّم جرائم اغتصاب الفكر والحيّز العام كما نجرّم القتل على يد الشرطة, فقط حينها بإمكاننا ان نسمي انفسنا أحراراً, فلا يوجد نصف حرية, ولا يمكن ان يكون هناك ناشطاً في حقوق الانسان  يدافع عن حق الناس في المأوى لكنه يؤمن في سبي النساء, لا يمكن!.

في السطر الاخير، اود ان اوضّح لمن ليس واضحاً له, بأن النساء تطمح وتحلم بما هو ابعد بكثير من اغراء الرجل واغواءه. لدينا نماذج من النساء يسابقن السحاب, علينا كما على كل الأمم ان تفخر بهن وندعمهن ونوفر لهن البيئة المناسبة للعمل الى جانب شركائهن الرجال للنهوض بهذا المجتمع الجريح. أوليست المقاومة حق؟ علينا جميعاً مقاومة هذا الظلام, الداخلي كما الخارجي, ببث النور في كل ما هو حولنا، وعلينا ألا نترك الحيز العام في يد من يهدمون كل حجر نبنيه ويعودون بنا سنين الى الوراء.

حان الوقت لأن نختار موقفاً واضحاً وجريئاً، موقفاً بصراحة وجرأة حنين زعبي الشخص وحنين زعبي المبدأ, تلك التي تقف امام قاتلنا جميعاً لكنها ترفع رأسها, ولو وحيدة, مراهنة على سلامتها وحريتنا. هذا نموذج  من النساء اللواتي يخضن الحياة لأجل الحياة والعدالة، بطريقتها ومبادئها وتخبطاتها. ماذا تختلف محاولاتكم البائسة عن محاولات اسرائيل, المؤسسة المستعبدة المهيمنة,  في فرض قواعد اللعبة وسقف الحياة؟!.

محامية وناشطة نسوية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.