الحفريات بالحرم: ما هو أبعد وأخطر من المشاكل الحياتية

استطلاع جديد يظهر بأن سكان القدس اليهود والفلسطينيين ينظرون بطريقة مختلفة تماماً للحفريات الأثرية بالمدينة: من جهة السكان الفلسطينيين، فالحفريات وصعود اليهود للحرم تقلق مضجعهم أكثر من منع البناء والنقص في البنى التحتية.  
يونتان مزراحي

 

يتضح بأن الاسرائيليين والفلسطينيين يفكرون بطريقة مختلفة حيال نفس العمل او النشاط. كان هذا احد الاستنتاجات التي توصلنا اليها في “عيمق شافيه” بعد تحليل نتائج الاستطلاع الذي اجريناه حول الطريقة التي ينظر فيها الاسرائيليين وسكان شرقي القدس للحفريات الاثرية في المدينة. بينما يبدو بأن الاستطلاع يتناول سؤال محدد جداً، تشير اجوبة المستطلعين بأنه قبل محاولة الوصول لتوافق هناك فجوات في تحديد ما هي المشكلات.

السؤال الاول الذي اوضح لنا بأن الكرفان ينظران الى عمل معين بطريقة مختلفة كان: ما هي برأيك أهداف الحفريات الاثرية في البلدة القديمة؟ كان على المستطلعين الاختيار بين اجابتين. 80% من بين اليهود الإسرائيليين اعتقدوا بأن اهداف الحفريات علمية: هدفها ايجاد ادلة تاريخية عن الحياة في المدينة لكل من سكن فيها على مر الفترات المختلفة. في المقابل، كانت الاجابات الأبرز بين سكان شرقي القدس تعزيز السيطرة اليهودية بالقدس (53%) ومحو الماضي الاسلامي (57%): الى هذه بإمكاننا أن نضيف 21% ممن يعتقدون بأن هدف الحفريات محو أي ماضي غير يهودي للمكان. فقط 14% من هؤلاء اعتقدوا بأن اهداف الحفريات علمية.

على الرغم من الفقر، المواجهات مع المستوطنين والنقص المزمن بالبنى التحتية الأساسية- عندما نتحدث عن الحرم الشريف وتاريخ القدس، فالفلسطينيون يشعرون بأن هناك تهديد على هويتهم، ديانتهم وحقهم التاريخي. من ناحيتهم، المس بالقدس كرمز هو تهديد أكبر من الظروف الحياتية الفيزيائية.

الاستنتاج المنبثق عن هذا السؤال هو بأن غالبية الاسرائيليين ينظرون للحفريات الاثرية كنشاط علمي أي غير سياسي، وعليه، لا مشكلة في إجرائه- بينما الطرف الآخر ينظر اليها كتهديد واضح على هويته وارثه في المدينة.

الاستطلاع يظهر بأن المواقع الأثرية في القدس هي وجهة رائجة بين زوار القدس القديمة. اكثر من 90% من الاسرائيليين زاروا القدس على الأقل مرة واحدة في السنوات الثلاث الأخيرة. 72% منهم قصدوا مواقع أثرية ك”مدينة داود”، مركز ديفدسون، أنفاق الحائط الغربي وغيرها. هذا المعطى يشير برأينا الى أهمية زيارة المواقع الأثرية بالقدس بالذات علماً بأن في المدينة مواقع استقطاب متنوعة ابتداءً من الحائط الغربي ووصولاً لسوق “محانيه يهودا”، “ياد فاشيم” (مركز احياء ذكرى المحرقة) وغيرها.

عندما سألنا سكان شرقي القدس ما هو الموضوع الذي يقلقهم بالدرجة الاولى، أشار 67% منهم الى صعود اليهود للحرم الشريف مع العلم بأننا عرضنا عليهم اجابات أخرى جاءت بالدرجات الأخرى بالترتيب التالي- الحفريات الأثرية، منع البناء والنقص في البنى التحتية.

باعتقادنا حقيقة تعامل سكان شرقي القدس مع الحفريات الأثرية كنشاط مقلق أكثر من منع البناء او النقص في البنى التحتية تؤكد بأن المشكلة السياسية المركزية بالقدس من ناحية هؤلاء السكان هي عدم الاعتراف الاسرائيلي بالهوية وبالعلاقة التاريخية للفلسطينيين مع القدس.  مما يعني بأن التوجه الذي يحاول اليمين والمركز السياسي في إسرائيل تعزيزه والذي يقول بأن المشاكل المركزية ستحل اذا ما حصل سكان شرقي القدس على سكن لائق وحياة أفضل- هو توجه يعتمد على افتراض اسرائيلي وربما ينبع من البحث عن حلول سهلة وليس بالضرورة مما يحتاجه الطرف الآخر حقاً. على الرغم من الفقر، المواجهات مع المستوطنين والنقص المزمن بالبنى التحتية الأساسية- عندما نتحدث عن الحرم الشريف وتاريخ القدس، فالفلسطينيون يشعرون بأن هناك تهديد على هويتهم، ديانتهم وحقهم التاريخي. من ناحيتهم، المس بالقدس كرمز هو تهديد أكبر من الظروف الحياتية الفيزيائية.

هناك استنتاجين مركزيين لهذا الاستطلاع:

الهوية، الانتماء القومي وعرض الماضي هي مواضيع مركزية بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. النشاط الأثري في سلوان وحفر الأنفاق تحت الحي الاسلامي تعتبر تهديد مركزي على الفلسطينيين. هذه النشاطات تبدو وكأنها لا تمس بجودة حياتهم بيد أن المس برمز ديانتهم وقوميتهم يهدد السكان أكثر من عدم الاستثمار بالخدمات والبنى التحتية.

الاستنتاج الثاني الذي لا يرتبط بالأثريات بالضرورة انما بالصراع عامةً هو بأنه حان الوقت ربما بأن نحاول فهم المشكلات والتهديدات التي يشعر بها كل طرف. ففي حين لا يرى الاسرائيليين بالحفريات قضية سياسية، ينظر الفلسطينيين اليها كتهديد مركزي. قبل البحث عن أية حلول، لا بد من اجراء مسح للمشاكل- ليس بناءً على ما هو مريح لنا الاسرائيليين انما على اساس الاستماع لكلا الطرفين. الاستماع ليس للخبراء وأمثالهم بالضرورة انما بالأساس لهؤلاء اللذين لا يسمع صوتهم أبداً وبهذه الحالة: الفلسطينيين سكان شرقي القدس.

عالم آثار وعضو بمنظمة “عيمق شافيه” التي تعنى بمكانة الآثار في الصراع السياسي والمجتمع.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.