تقرير لجنة بيطون: الهوية الشرقية تهدد "الليبراليين"

العاصفة التي ثارت بعيد اصدار تقرير لجنة بيطون لتعزيز ميراث يهود الشرق في جهاز التربية لا تتعلق بمضمونه بتاتاً إنما بحقيقة اقامة لجنة رسمية تتعاطى مع الهوية الشرقية، الأمر الذي يعتبره الكثيرون تهديداً على هويتهم الشخصية وعلى الهوية الإسرائيلية الجماعية كما يتصورونها.
يوسي دهان

 

أي شخص متزن، مستقيم ومنفتح يبذل جهد ويقرأ تقرير لجنة بيطون التي فوضت للبحث في سبل تعزيز ميراث يهود الشرق وأسبانيا في جهاز التربية، ، لا سبب لديه لأن يعارض روح التقرير الذي يمتد على 360 صفحة وعلى الأخص تحليله للوضع القائم والجزء الأكبر من توصياته. كل ما قام به أعضاء اللجنة هو الاشارة الى التشويه التاريخي المتواصل الذي آل الى غياب أي تعبير عن تاريخ وحضارة مجموعة كبيرة بإسرائيل عن المؤسسات التربوية والثقافية للدولة، وتقديم اقتراحات لتصليح هذا الواقع بحيث يطلع طلاب إسرائيل على تاريخ وثقافة المجموعات المختلفة: احد الركائز الاساسية للتربية الديمقراطية والمتعددة التي تربي على التسامح، التقدير والاحترام المتبادل.

ورغم ان مسألة قبور الاولياء والصديقين هي مسألة هامشية تماماً في التقرير إلا ان قراءة جزء من ردود الفعل على التقرير قد تخلق انطباعاً بأنه وابتداءًا من السنة الدراسية القادمة سيتم جر الطلاب بالقوة الى باصات لزيارة قبور الاولياء. ردود فعل نموذجية لعدد كبير من الناس- بالأساس من جماعة “الليبرالية” الإسرائيلية التي يخرجها أي ذكر لمصطلح “شرقي” عن طورها ولإطلاق صرخات متذمرة حول “سرقة الدولة”.

أعتقد بأن احد الأسباب المركزية للعاصفة التي ثارت غداة اصدار التقرير لا تتعلق بمضمونه بتاتاً، لهذا فجزء كبير من المنتقدين لم يكترثوا لقراءته حتى، إنما تتعلق بحقيقة اقامة لجنة رسمية تتعاطى مع ما يعتبره الكثيرون تهديداً على هويتهم الشخصية وعلى الهوية الإسرائيلية الجماعية كما يتصورونها، وهو تعاطي اللجنة مع الهوية الشرقية وتوصياتها لتعزيز هذه الهوية بواسطة تسويات رسمية مؤسساتية: خطيئة اللجنة الوحيدة هي ما يوصف عادةً ب”اخراج الجن الطائفي من الزجاجة”. التعاطي مع الهوية الشرقية قد يحرمهم من هويتهم الإسرائيلية الشاملة ويجعلهم يبدؤون بالتفكير بأنهم مجرد مجموعة أخرى بالمجتمع الإسرائيلي.

هناك انطباع بأن نقطة الانطلاق هي وجهة النظر الصهيونية، الرغبة في الاثبات بأننا أيضاً صهيونيين وبأننا عانينا بسبب ذلك. بيد أن رواية يهود الشرق وأسبانيا يجب أن تحكى دون علاقة بموقعهم على سلم الصهيونية.

هناك أيضاً هؤلاء، ممثلي الاحتجاج الاجتماعي واليسار الطبقي، الذين سوف يرفعون مرة أخرى الادعاء القائل بأن الانشغال بمسألة الهوية يأتي فقط لتحويل الأنظار بعيداً عن الصراع الوحيد الذي يجب الانشغال به ألا وهو النضال على تقسيم الموارد، بيد أن هذه نظرة مشوهه وضيقة جداً عن العدل الاجتماعي: الصراعات على العدل الاجتماعي ليست صراعات على تقسيم الموارد فقط انما أيضاً على الاعتراف والهوية، صراعات ضد الاقصاء والتهميش، صراعات لا يمكن فصلها عن اسئلة تقسيم الموارد والتأثير السياسي.

انطباعي بأن كتاب المدنيات الجديد– المليء بالمغالطات والذي يشكل جزء من المسيرة الخطيرة للتلقين القومي والمعادي للديمقراطية- لم يثر مثل هذا الغضب والسخط الذي أثارته الخطوة المتواضعة والمحقة للجنة بيطون لادخال صوت اضافي للحيز التربوي والثقافي بإسرائيل. صوت تم اقصاءه وإسكاته او عرضه بطريقة مشوهه ومستهينة. من المجدي بهذا السياق قراءة تقارير لجنة الأدب واللجنة الفرعية للأكاديميا، البحث والتدريس حول المنظور الاوروبي للأكاديميا الإسرائيلية تجاه كل ما يتعلق بالتاريخ والفكر اليهودي والإبادة التامة تقريباً لمجال دراسات اليهودية الشرقية في الجامعات.

فيما يتعلق بمضامين التقرير، في بعض ملخصات اللجان الفرعية هناك انطباع بأن نقطة الانطلاق هي وجهة النظر الصهيونية، الرغبة في الاثبات بأننا أيضاً صهيونيين وبأننا عانينا بسبب ذلك. بيد أن رواية يهود الشرق وأسبانيا يجب أن تحكى دون علاقة بموقعهم على سلم الصهيونية. في هذا السياق، يبدو أحياناً بأن المقياس الصهيوني همش احدى الحقائق المركزية حول اليهود الشرقيين الذين عاشوا في الدول الإسلامية والتأثير الحاسم الذي كان لهذه الحياة المشتركة على طريقة حياتهم، قيمهم وتفكيرهم، وهي الأمور التي يعبر عنها بشكل ممتاز الكتاب الذي أعده كل من موشيه بيهار وتسفي بن دور ״Modern Middle Eastern Jewish Thought, Writings on Identity, Politics, and Culture, 1893–1958״. هذه المسألة تحصل على مساحة في قسم صغير من تقارير اللجان الفرعية بينما تغيب تماماً عن أقسام أخرى. الرواية التاريخية المشتركة ليهود الشرق والعرب ليست صحيحة تاريخياً فقط بل أن لها انعكاسات ثقافية وسياسية كبيرة على خلق حوار بين المجموعتين- حوار شيق كان حاضراً على مدى سنوات بدول اسلامية مختلفة وهنا أيضاً. تخصيص مساحة مركزية لهذه المسألة بمقدوره أيضاً أن يساهم في محاربة المواقف العنصرية لدى قسم ليس بصغير من الطلاب اليهود تجاه العرب.

على الرغم من كل هذا فالتقرير، بأقسام معينة، غني ومثير جداً بوصف الواقع وتحليله، وبالإمكان ان نتعلم منه الكثير عن جهاز التربية الإسرائيلي وتعامله مع هذا الموضوع، وحول العيوب والتحريفات بالمجالات المختلفة التي تعاطت معها اللجنة. التقرير ليس نظرياً فقط بل يشتمل على توصيات شتى بعضها عملية ومفصلة وبالإمكان تطبيقها خلال وقت قصير. احدى التوصيات المركزية هي تخصيص الموارد، خطة خماسية بقيمة مليار وربع المليار شيكل لتطبيق توصيات التقرير. الآن كل ما علينا هو أن ننتظر لنرى ان كان وزير التربية نفتالي بينيت، الذي عانى الكثير من الطلاب والطالبات الشرقيين من تمييز في الجهاز الذي يقع تحت مسؤوليته كما أظهر التقرير، هو سياسي آخر بقائمة السياسيين الطويلة التي قطفت الارباح السياسية على ظهر من يقوم الوزير بوصفهم مؤخراً ب”اليهودية الشرقية المبجلة”.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.