تأهيل الطلاب لسوق العمل: المثل الأعلى لجهاز التربية؟!

الخطاب السائد بالسنوات الأخيرة يخلق انطباعاً بأن المثل الأعلى لجهاز التربية بإسرائيل هو تأهيل طلاب لسوق العمل بيد أن المطلوب من هذا الجهاز هو ضمان المساواة في الفرص ومنح الطلاب امكانية لاختيار مساق حياتهم  
يوسي دهان

 

مدير مكتب رئيس الحكومة ايلي جرونر قام بالأسبوع الماضي بفض خلاف طويل بين وزارة الاقتصاد ووزارة التربية. جرونر قرر بأن المدارس المهنية التي تتواجد تحت اشراف وزارة الاقتصاد ستنتقل خلال سنتين لإدارة وزارة التربية. هذا قرار صائب فلا يوجد أي منطق بأن تشرف وزارة الاقتصاد على مؤسسات تربوية أياً كانت.

ويتعلم في المدارسة المهنية-الصناعية هذه ما يقارب ال-13 ألف طالب موزعين على 70 مؤسسة هدفها المعلن توفير تأهيل مهني لطلاب تتراوح أعمارهم بين 15 الى 18 سنة. هؤلاء يتعلمون ثلاثة أيام بالأسبوع بمجالات المركبات، الكهرباء والالكترونيكا، الضيافة، التجميل وغيرها، ويعملون ليومين او ثلاثة أيام اضافية. هذه المدارس تشكل عملياً “محطة أخيرة” للطلاب الذين تسربوا من الثانويات النظرية والمهنية العادية التي تعمل تحت اشراف وزارة التربية.

بحث شامل أجرته السلطة القطرية للبحث والتقدير (“رامه”) قبل ثلاثة أشهر يظهر بأن هؤلاء الطلاب ينتمون لأكثر المجموعات المستضعفة بالمجتمع الإسرائيلي: طلاب يأتون من خلفية اجتماعية-اقتصادية متدنية، طلاب عرب وقادمين جدد. احد الاسباب المركزية لتسريبهم من جهاز التربية هو تأثيرهم على معدل التحصيل في المدارس. في حالة من التنافس الشديد، احدى الطرق لرفع المعدل المدرسي هي التخلص من الطلاب الضعفاء الذي يخفضون المعدل وتشجيعهم على الانتقال لمدارس صناعية- الدفيئة المركزية لخلق البروليتاريا الإسرائيلية.

تاريخياً قام جهاز التربية بتوجيه طلاب من طبقات اجتماعية واقتصادية متدنية، وبالأساس طلاب عرب وشرقيين وقادمين جدد، الى مساقات تربية متدنية، وبتوجيه اولاد من طبقة اجتماعية-اقتصادية متمكنة لمساقات تعليم معتبرة. تحقيق المساواة في الفرص سيكون ممكنناً فقط عندما يتم الغاء هذا النهج.

الفتية الذين يتعلمون في هذه المدارس يرسلون الى عالم العمل بعد حرمانهم من فرصة الحصول عل تربية قيمة توسع آفاقهم وتأهلهم للمواطنة الديمقراطية، ويوضعون على مسار يقودهم الى أسفل السلم الاجتماعي-الاقتصادي الإسرائيلي. بحسب نتائج البحث الذي أجرته “رامه”، على فكرة، فنسبة تسرب الطلاب من المدارس الصناعية تضاهي ضعف النسبة بين الطلاب الذين يتعلمون في مؤسسات وزارة التربية ويتسمون بنفس الميزات الاجتماعية والاقتصادية.

من يستمع الى الخطاب التربوي السائد بالسنوات الأخيرة يحصل على انطباع بأن المثل الأعلى لجهاز التربية بإسرائيل هو تأهيل طلاب لسوق العمل. حيث يتم وصف الاولاد في هذا الخطاب كموارد لزيادة التصدير ونسبة النمو الاقتصادي. لهذا، فرئيس الحكومة، وزراء التربية والصناعيين ينشطون بهمة من أجل زيادة عدد الطلاب اللذين يتعلمون بالمساقات المهنية. “عمال اللحامة وتجليس السيارات يكسبون الكثير من المال”، ادعى نتنياهو خلال الجدال الذي أثاره هذا الموضوع في جلسة الحكومة. لكن نتنياهو على خطأ. بحث أجراه بنك إسرائيل قبل خمس سنوات يظهر بأن تحصيل خريجي التربية المهنية، ان كان بالمدارس الصناعية او بالثانويات التكنولوجية-المهنية، أقل بكثير من تحصيل خريجي التربية النظرية المشابهين لهم: الاوائل حصلوا على تعليم فوق-ثانوي بدرجة أقل، عملوا بمهن برتبة أقل، وبحسب قسم من النتائج مرتبهم الشهري والأجر الذي تلقوه للساعة كان منخفضاً.

هذه النتائج تحصل على توكيد بالبحث الذي نشره “مركز طاوب” قبل شهرين والذي يبين بأن التربية المهنية عامةً تستنسخ المبنى الاقتصادي-الاجتماعي: بأن الطلاب الذين يتعلمون في مؤسسات التربية المهنية ينتمون لطبقة اقتصادية واجتماعية متدنية بينما في المساقات النظرية والهندسية يتعلم اولاد من عائلات متمكنة ومتعلمة.

تاريخياً قام جهاز التربية بتوجيه طلاب من طبقات اجتماعية واقتصادية متدنية، وبالأساس طلاب عرب وشرقيين وقادمين جدد، الى مساقات تربية متدنية، وبتوجيه اولاد من طبقة اجتماعية-اقتصادية متمكنة لمساقات تعليم معتبرة. تحقيق المساواة في الفرص سيكون ممكنناً فقط عندما يتم الغاء هذا النهج. سيكون ذلك ممكنناً عندما تعمل المدارس ببرنامج موحد لتدريس المواد الأساسية، وتعرض على الطلاب امكانية للاختيار من شتى المساقات بما يشمل الدراسات التكنولوجية. الأبحاث تؤكد بأن الطلاب يصلون الى تحصيل أعلى بالدول التي لا تعتمد التقسيم حسب القدرات، مثل فنلندا وكندا، أكثر منها بالدول التي تعتمد هذا النظام.

رؤية “عمال التجليس واللحامة” مشوهة. ليس من المفترض بأن يكون جهاز التربية في أي دولة ديمقراطية عبداً لسياسة اقتصادية من هذا النوع أو غيره. على جهاز التربية ان يضمن مساواة منصفة بالفرص، وأن يقوم بتأهيل الطلاب للمواطنة وتربيتهم ليصبحوا بالغين معتمدين على أنفسهم، أصحاب معرفة، غنى ثقافي وتفكير نقدي وإمكانية لاختيار مساق حياتهم.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.