ما الذي لن نفعله باسم الكرامة القومية

مها النقيب تكتب عن الهجمة المرتقبة التي ستتسبب في إساءة ظروف اعتقال الأسرى: نحن واقعون في أسر قادة تتسبب أية اتفاقية مصالحة، أياً تكن، في المس بكرامتهم القومية، وكما تعودنا ففي كل مرة تجرح فيها هذه الكرامة القومية، ينطلق هؤلاء لتنفيذ عملية لاستعادتها.
 مها النقيب

 

حين يناقش وزراء الكابينِت اتفاقية المصالحة مع تركيا، وهي الاتفاقية التي تعتذر إسرائيل، بحسبها، لعائلات القتلى الأتراك وتقوم بتعويضها عن مقتل أبنائها، فإن الأمر يعني ’المس بالكرامة القومية وبقدرة الصمود القومية‘، بحسب وزير التربية والتعليم نفتالي بينِت. وكما تمّ تعويدنا على التفكير: فإن هذه الكرامة القومية لو جُرِحت، لا سمح الله، فإن علينا أن ننطلق لتنفيذ عملية لاستعادتها. بالإمكان، طبعاً وكما تجري العادة ،التهجم على عضو الكنيست حنين زعبي. فنحن لن ننسى بأنها كانت على متن المرمرة، الأسطول الذي سنقدم بسببه اعتذارا يمس بكرامتنا القومية، كما أسلفنا. يحدث هذا في كل مرة نرى فيها حنين زعبي ونتذكر  الضرر الذي تسببت به لكرامتنا القومية، كما أننا لن نضيع فرصة لضربها، بالمعنى الحرفي (فما جرى أثناء التصدي للأسطول كان مثالاً جيداً لنوع العمليات التي تنتهجها القيادة في إسرائيل في سبيل استعادة الكرامة القومية).

لربما كان بالإمكان أيضا استبعاد عضو الكنيست عايدة توما من رئاسة لجنة تعزيز مكانة المرأة؛ بيد أن الأمر الذي بإمكانه دائماً أن يحسّن وضع كرامتنا القومية هو إساءة ظروف احتجاز “أسرى حماس”، وهو الاسم الذي اعتاد الإسرائيليون على إطلاقه على أسرى الحرب. ’سيجري المجلس الوزاري المصغر نقاشاً حول إساءة ظروف احتجاز سجناء حماس المسجونين في إسرائيل‘، بحسب شرط وضعه الوزير غلعاد اردان مقابل موافقته على اتفاقية المصالحة [وهي الاتفاقية التي ] “تضر بالكرامة القومية”!.
يعلم الوزير اردان جيداً بأن إساءة ظروف احتجاز أسرى الحرب في السجن الإسرائيلي ليس من شأنها أن تعيد جثامين الجنديين هادار غولدِن وأورون شاؤول، ولا حتّى الجندي أفراه مانغيستو، إلا أن الأمر قد ينجح في تطييب خاطر الكرامة القومية؛ وإذا افترضنا بأن ’الأسرى” سيقررون أن يعلنوا إضراباً عن الطعام احتجاجاً على إساءة ظروف اعتقالهم، سيمكن بالطبع إطعامهم قسريّا  بالاستناد إلى القانون الذي سنّته هذه الحكومة، والذي يحمل الاسم الجميل والناعم “قانون تغذية الأسرى” ، وهو أمر من شأنه أن يرفع المعنويّات أكثر.

التنكيل بالأسرى السياسيين وتعذيبهم في السجن الإسرائيلي، وإساءة ظروف اعتقالهم بين الفينة والأخرى ستدغدغ دائماً الكرامة الصهيونية لهؤلاء وستضخمها، أما نحن الأسرى خارج السجون، فما علينا سوى أن نحضر الملاجئ للحرب المقبلة  علينا

هذه هي الكرامة القومية ذاتها التي من أجلها اقتنع الجنود بأنه من المفيد أن يقوموا بقتل رفيقهم الجندي الذي سقط في الأسر، وبأن يقوموا بقتل عدد كبير من المدنيين بإطار ما يسمى “إجراء هنيبعل”. إن هذا القتل مفضّل أكثر، بل ويوصى به حين يكون بديلاً عن المس بالكرامة القومية المتمثلة في احتمالية إجراء اتفاقية تبادل أسرى (وشخصيّا، صار لديّ تقدير كبير تجاه مراقب الدولة الذي تمكّن من النظر قليلاً إلى ما هو أبعد من الكرامة القومية، وطالب بإلغاء ’إجراء هنيعبل‘).وإن أدى ذلك إلى جولة قتالية جديدة في غزّة، كما حدث إبّان حملة الجرف الصامد، وهي التي اندلعت بعد إضراب كبير عن الطعام أعلنه جميع الأسرى السياسيون في السجون الإسرائيلية، فإن الأمر سينطوي، في ذاته على الدواء الذي سيعالج أية ضرر ألمّ بالكرامة وسيزيله عن الوعي القومي، ستتحول المعارضة إلى ائتلاف، وسيكون الشعب موحّداً من دون تمييز بين يسار أو يمين، جميعنا سنصير أقوى، وسينتصر “جيش الدفاع”.

بالإمكان، دائماً، إقناع أمهات الجنود الثكالى بأن موت أبنائهنّ على أيدي جنودنا هو أمر أفضل. فهذه النهاية التراجيدية قد أنقذت أبناءهنّ من سلسلة تعذيب كانوا سيمرّون بها لدى وقوعهم في أسر أولئك الشياطين، من الواضح للجميع بـ’أنهم لن يستطيعوا أن يكونوا إنسانيين مثلنا، وبأنهم في الأساس ليسوا أخلاقيين ورحيمين مثلنا”، هل هذا صحيح؟ بِمَ تختلف ظروف الأسر في غزّة عن ظروف الأسر في إسرائيل؟.

في بداية العام، حين كانت عيون الناس في هذه البلاد موجهة إلى قرية عرعرة بحثاً عن نشأت ملحم، منفّذ الهجمة في ديزنغوف، قامت حماس بإطلاق عدة مقاطع فيديو يظهر فيها غلعاد شاليط أثناء أسره وهو يشوي اللحم ويشرب مع آسريه. ولم يكن هنالك، نسبياً، انشغال كبير في مضمون هذه المقاطع، لربما بسبب كون البلاد كانت مشغولة في موضوع أكثر سخونة، ولربما كان السبب مقصوداً. على ما يبدو فإن الإجابتين صحيحتين معاً، فمن الواضع بأن هذه المقاطع ستتسبب في شق جدار الترهيب ونفي الإنسانية الذي تبنيه الحكومة وتستثمر فيه (أنا لا أحاول أن أقول بأن الأسر يمكنه أن يكون جنّة، ولكن، وبالنظر إلى النتائج النهائية، كانت المسافة بين الأمرين على بعد سنتمتر من الكرامة القومية)، تجدر الإشارة إلى أن جزءاً من الأسرى الذين تم تحريرهم في تلك الصفقة، قد أعيدوا أيضاً إلى الى السجن منذ زمن، تحت عنوان ’الكرامة القومية‘.
بالوقت الحالي، نحن واقعون في أسر قادة تتسبب أية اتفاقية مصالحة، أياً تكن، في المس بكرامتهم القومية. إن التنكيل بالأسرى السياسيين وتعذيبهم في السجن الإسرائيلي، وإساءة ظروف اعتقالهم بين الفينة والأخرى ستدغدغ دائماً الكرامة الصهيونية لهؤلاء وستضخمها، أما نحن الأسرى خارج السجون، فما علينا سوى أن نحضر الملاجئ للحرب المقبلة علينا.

 ناشطة اجتماعية وسياسية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.