ردمنا آبار الماء، فصار غور الأردنّ عطشاناً

عن استخدام الماء سلاحا لتنفيذ التطهير العرقي: أمير بيتان، الناشط في جمعية ’تعايش‘ يكتب عن نشاط مجموعة تعايش في قرية الجديدية، لمدّ خطوط الماء إلى قرى محاصرة بأوامر إعلان محيطها مناطق إطلاق نار.
أمير بيتان

 

إنّه يوم الخميس،الساعة الآن هي الخامسة والنصف صباحا. انطلق أربعة من ناشطي ’تعايش‘ من القدس إلى غور الأردن، وانضم إليهم أربعة آخرون من تل أبيب. ينسلّ إثنان منّا وهما يحملان الـ’مسطرين‘ [أداة لرصف الإسمنت] في القرية الفلسطينية الصغيرة، التي كانت ذات يوم أكبر بكثير، ويرافق الجميع راعي أغنام طيلة الصباح. يواصل الستة الآخرون جلستهم مع أبي صابر في بلدة ’الحديدية‘.

تعمل ’تعايش‘، منذ بضعة شهور في غور الأردن، في محاولة منها لمساعدة السكان المحليين في الصمود أمام قوات الاحتلال. لربما وصلنا متأخرين أكثر من اللازم، لأن نحو 85% من السكان في بلدة ’الحديدية‘ قد تركوا بيوتهم.
تستخدم إسرائيل هنا وسيلة بسيطة لكنها قاسية: منع الماء.

إن  الإعلان عن المناطق باعتبارها مناطق إطلاق نار  هي وسيلة أخرى لطرد السكان المحليين من أماكن سكناهم.

يصل الماء القليل إلى هنا عبر خزانات صغيرة متنقلة. أمّا الماء فهو غالٍ جدا: تبلغ كلفته أكثر من خمسة أضعاف كلفة الماء للبيت في إسرائيل، ونحو عشرة أضعاف من كلفة الماء للمستوطنين من مزارعي الغور. كان السكان الفلسطينيون هنا يعتاشون في الماضي من الزراعة، وكانت المنطقة مسكونة باكتظاظ نسبي. و بالإمكان رؤية بقايا التجمعات السكنية المهجورة الواقعة في قلب منطقة إطلاق النار الواسعة. إن الإعلان عن المناطق باعتبارها مناطق إطلاق نار هي وسيلة أخرى لطرد السكان المحليين من أماكن سكناهم. لم تكن المياه مفتقدة قبل الاحتلال الإسرائيلي: فهنالك، في هذا المكان، الكثير من ينابيع الماء، وحول كل نقطة تجمع سكاني هنالك العشرات من الآبار. إلا أن شركة ’مكوروت‘ قد بدأت منذ سنوات السبعينيات بسحب مياه الينابيع، فيما قام الجيش بردم آبار المياه باستخدام الصخور والتراب.

ترتفع درجة الحرارة، ستصل درجة الحرارة هنا، في ظهيرة اليوم إلى 40 درجة، وبين الفينة والأخرى نحظى بنسيم ساخن أو غيمة صغيرة تغطي وجه الشمس. يا لها من متعة. لا توجد هنا مكيفات أو مراوح، فالقرية الصغيرة غير مرتبطة بشبكة الكهرباء، أو بشبكة الماء، أو بشبكة الصرف الصحي أو بأي نوع آخر من أنواع الشبكات. ولأن القرية قد صارت سجينة في قلب منطقة إطلاق نار، فإن جميع مبانيه (وخيامه) قد صدرت ضدها أوامر هدم، وحطام البناء في المنطقة يشير إلى أن الإدارة المدنية قد مرّت من هنا.

في مكان غير بعيد عنّا، يقوم عمال فلسطينيون بتنظيف بئر ماء. سينتهي التنظيف وفيما بعد ستأتي مرحلة رصف جدران البئر بالإسمنت إلى أن يصير البئر جاهزا لاستيعاب الماء من جديد. هذه حقيقة فيزيائية صعبة. قامت ’تعايش‘ بالأمر خلال سنوات في جنوبي جبل الخليل: كان الجيش والمستوطنين يردمون الآبار، وفي بعض الأحيان يقومون بسكب مادة السولار على الماء، وكان الفلسطينيون برفقة ناشطي ’تعايش‘ يعودون لتنظيف الآبار. إلى أن بتنا، خلال السنوات الماضية، شهودا على انخفاض حاد في الأضرار المتسببة لآبار الماء. فهل سننجح أيضا هنا في غور الأردن؟

يلاقينا أبو صابر بالترحاب، نجلس ونستمع لما يقوله لنا. هو يحكي قصة أكثر من أربعين عاما من التنكيل الموجه إلى السكان الفلسطينيين المحليين، الموضوع الرئيسي هو الماء هنا. يقدّم واحد من أبنائه الشاي لنا. يشرب الناس في غور الأردن حتى في فترة رمضان، فالحرّ لا يطاق، لكن أبا صابر علماني، وهو لا يحسب حساباً أي أحد، ولا حتى لإسرائيل. وخلال الشهور الأخيرة قام أبو صابر بتركيب خط ماء على امتداد كيلومترات كثيرة: ’إسرائيل لا تريد أن تعطينا الماء‘، لذا، فقد قام بربط أنابيبه بمصدر مياه تابع للسلطة الفلسطينية.

نحن هنا في مناسبة ربط المقطع الأخير من الخط. قبل ذلك بيوم، وفي الوقت الذي كانت أعمال الربط فيه على أشدّها، جاء الجيش وقام، بكل بساطة، بخطف واحد من أطفال أبي صابر. وقد تم تحرير الطفل بعد بضعة ساعات لاحقاً. وقبل أن يصل الأنبوب ننطلق في جولة إلى تلة قريبة من مستوطنة “حمدات”. على رأس هذه التلّة كانت، فيما مضى، قرية فلسطينيّة، و قد قمنا بإحصاء نحو 12 بئر ماء حول المستوطنة. إن أغلب هذه الآبار طافحة بالحجارة والتراب اليوم.

بعد عدّة ساعات يصل أنبوب الماء. نخرج إلى البرّيّة، على بعد عشرات الأمتار من المخيم، ونقوم بربط الأنبوب ثم نمدّه حتى مبنى الحمّام الذي بناه الاتحاد الأوروبّي في المكان. ما من ماء يجري في الأنبوب بعد، لكن ساعة الماء تظهر الأرقام التالية 00000.

نحن نعرف تماماً بأن الجيش يراقب النشاط، فهنالك كاميرات مركّبة على هوائيات تبعد عنّا ثلاثة كيلومترات، تعمل هذه الكاميرات على امتداد 24 ساعة طيلة سبعة أيام في الأسبوع. تظهر دوريتيّ جيب عسكريتين بعد نصف ساعة، يدّعي الضابط بأننا قد خالفنا قرار تسمية المنطقة كمنطقة عسكرية مغلقة الساري على المكان، لكنه لا يظهر لنا أية ورقة مكتوب عليها الأمر. تصل سيارات أخرى، هؤلاء، في هذه المرة، ناشطون في منظمات مساعدة دولية. يترك الجيش المكان بعد ساعتين، لكنّ الاحتمال الأكبر هو أن يعود بعد أن نغادر المكان.

بات الوقت متأخرا، فانطلقنا إلى قرية عقبة للقاء الحاجّ سامي، رئيس المجلس المحلي هنالك. قرية جميلة على سفح الجبال، وهي منظّمة بشكل مثالي. قام سكان القرية بتحضير بنية تحتية من شبكات المياه بهدف ضخ المياه الجارية إلى المنازل، إلا أن الإدارة المدنية ترفض أن تربطها بالماء: ’عليكم أن تتوجهوا إلى المحكمة العليا‘، يقترح موظفو الإدارة المدنية، وهي عملية قد تستغرق عشرة أعوام. وفي المؤقت، فإن الإمكانية الوحيدة هي إحضار خزانات ماء متنقلة وملء بئر الماء الرئيسي للقرية.

 ناشط في تعايش

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.