من هو الاستشراقيّ هنا بالضبط؟ عن إعلان همشبير لتسرخان

حول شخصيّة أم منى التي تمثلها رنين بشارات، والتي كانت بطلة الإعلان العربيّ الشهير لمتاجر همشبير لتسرخان، الذي تمّ بثّه في نهائيّات كأس الأمم الأوروبية. سمير الأحمد يكتب عن النظرة الاستشراقية والكولونياليّة
أبو ليلى (سمير الأحمد)

 

من دون نية مسبقة، من دون الكثير من العبث، ومن دون الكثير من الكلمات والديكور، ومن دون مقالات أكاديمية، نجح إعلان تجاري واحد باللغة العربيّة أن يكشف عن الكثير من العيوب.
إنّ حضور اللغة العربية وممثلة عربية في الإعلان التجاري الخاص ب’ مشبير لتسرخان‘ والذي تمّ بثّه في وسط نهائيات مباريات كأس الأمم الأوروبية قد أثار غضب اليهود، وقد سارع أولئك للتافس فيما بينهم على القيام بعروض التعرّي: من هو أكثر عنصرية، من هو أكثر فاشية، من هو أكثر جهلا. وإلى جانب أولئك، فقد نجحت ’أم منى‘ في إثارة أعصاب العرب: صرخوا قائلين بأنها تجلب الخزي للمجتمع العربي، وتقوم بتشويهه، ولا تمثله!. فليكن.
لقد تباكت، حتّى، بطلات النسوية الإسرائيلية لدى وصفهن الإعلان بقولهنّ: ’إنه تمييز على أساس الجنس‘، ’ إنه استشراق‘ وما إلى ذلك من مصطلحات. إلا أن تحليلات النسويات اليهوديات، رغم ما تقدّم، تكشف عريّ النسوية الراديكالية؛ هذه النسوية التي تبنّتها المتعلمات اليهوديات من الغرب، ثم قمن، تالياً، بتتبيلها بوجبة أصيلة من الكولونيالية الإسرائيلية. وإلى جانبهن كانت النسويات العربيات اللواتي ورثن نسويتهن الراديكالية ، لفجيعتنا، ولفجيعتهنّ، من أخواتهنّ اليهوديات، وقد قمن ، غالبا، ومن دون إجراء أي تمحيص أو فحص، بممارستها على المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، و قد قمن بمعاينة الإعلان عبر ميكروسكوب  ’التمييز على أساس الجنس‘ و ’التمثيل‘.

إن إعلان ’همشبير‘ التجاري، ورغم بثّه في فترة الذروة اليهودية، باللغة العربية، لم يكن موجهاً، بالمطلق، إلى اليهود. فالجميع، وبضمنهم إدارة المشبير، يعلمون بأن أغلبية الزبائن العرب المحتملين عالقون، في الساعة التي نتحدث عنها، أمام الشاشة ويحرقون أعصابهم في مشاهدة المباراة، هؤلاء بالذات هم من خُصِّص الإعلان للإمساك بهم واجتذابهم. ليست هنالك مشكلة في مسارعة اليهود في الإعلان عن مقاطعة المشبير: تخيلوا معي أية متعة كامنة في التجول في متاجر هذه الشبكة من دون سماع اللغة العبرية. نحن أيضا يحق لنا التمتع بمجال هادئ وآمن ومفهوم.

لربما باتت أداة التحليل شعبية اليوم هي الدمج بين النسوية الراديكالية، والقليل من أفكار ما بعد الكولونيالية، والكثير من أفكار ما بعد الحداثة، والقليل من اقتباسات إدوارد سعيد التي يتم إخراجها عن سياقها. ولكن هل يصحّ هذا في حالة ’أم منى‘؟ هل هي أداة التحليل الوحيدة؟ . إنني، بالذات، أرغب بمواصلة التمسك بهذه الأداة التحليلية النسوية، في هذا المجال بالذات من ’التآمر‘ ومن مقولة ’عربيّة تقرأعربيّة‘ (بالإذن من العزيزة أورلي لوبين) وأن أحاول أن أقلب الأمور رأسا على عقب.

إن رنين، في عروض الستاند أب التي تقدمها، أو في إعلان همشبير التجاري المشار إليه، تضع إصبعها، بطريقة مبالغ فيها، على كل ما هو ممنوع على المرأة التطرق إليه.

إن ’أم منى‘ هي امرأة عربية متزوجة، خرقاء قليلا، تلثغ في كلامها قليلا، ترتدي لباسا تقليديا، وتضع منديلا لطيفا على الرأس. إنها بمعنى ما ’المرأة العربية التقليدية الكلاسيكية‘. صحيح، هذا بالضبط هو الغلاف، الشكل الخارجي لأم منى. إلا أن الممثلة الموهوبة والرائعة، رنين بشارات، تفعل بالضبط كل ما لا يُتوقّع من ’امرأة عربية على هذه الشاكلة أن تفعله. إن رنين، في عروض الستاند أب التي تقدمها، أو في إعلان همشبير التجاري المشار إليه، تمعن في وضع إصبعها، على كل ما هو ممنوع على المرأة التطرق إليه. وبذا، وعلى العكس من مظهرها الخارجي، فهي تلمّح إلى تعرفها على شباب صغار عبر الفيسبوك (ياللعار)، وتدعو ’زوجها‘ إلى جولة عرس جديدة (وهو حقّ محفوظ للزوج العربي في التزوج مجددا)، وهي ترغب في قضاء شهر عسلها وفي الاستمتاع في إسطنبول (وما هي المعاني التي يستدعيها تعبير ’استمتاع‘ في سياق شهر العسل في أدمغتنا جميعا باستثناء سلسلة متواصلة من الرعشات الجنسية؟ )

ترتدي ’أم منى‘، إذا، لباسا تقليديا، أين هي المشكلة؟ من هو الذي خلق العلاقة الإلزامية التي يصبح بموجبها اللباس العربي التقليدي، بالضرورة، بدائيّة؟ من هو فعلا المسؤول عن هذا التخييل؟. إن القضية، في الواقع، هي ذات القضية المتعلقة بالنساء العربيات اللواتي يخترن الحجاب، وبتعامل الغرب معهن عبر محاولة تصويرهن وكأنهن نساء ’همجيات‘. وبالتالي: من هو الاستشراقيّ حقّاً؟ أهي ’أم منى‘ في إعلان همشبير أم هنّ بطلات النسوية الراديكالية- اليهوديات- الإسرائيليات، والعربيات-الإسرائيليات معا؟ هل المشكلة كامنة في ما ترتديه ’أم منى‘ أم في الحلم الرطب الغربي/الإسرائيلي وفي محاولته لتثبيت التصور النمطي عن النساء العربيات؟ هل لا تُعتبر هذه المحاولة في فرض ’الهندام‘ الغربي/ الإسرائيلي/ العلماني على النساء العربيات ممارسة استشراقية وكولونيالية؟

ما قامت به رنين بشارات، وما تواصل القيام به، هو أمر في غاية البساطة: إنها تجلب أمامنا المرأة التقليدية، التي تبدو، ظاهريا، حمقاء وبدائية، وتفضح جميع الآراء المسبقة والتصورات النمطية الثابتة لدينا عنها،  ثم تكشف أمامنا عن امرأة مستقلة تقطع حدود الرقابة المجتمعية والمحظورات الأبويّة ؛ إنها أمرأة تتسم، رغم مظهرها الخارجي، بالحكمة، واللذاعة، وهي مضحكة وتملك الجرأة للتحدث عن كل شيء، بما فيه الجنس. أو،  كي نصوغ الأمر بلغة مهذبة: إنها تقوم بعملية تآمرية، انقلابية، وهي تعكس المعكوس.
إن ’أم منى‘ تثبت بأن جميع المصطلحات النسوية الغربية/ الإسرائيلية تفقد معناها حين تتم محاولة فرضها بالقسر على الشرق والشرقيين. أي على المشرق.

كاتب مستقلّ، من كفر قرع

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.