ב: التفكير خارج المنظار الصهيوني

الى جانب الدعوة التي تسعى إلى الاندماج وربما الى موضعة الرواية الشرقية داخل الرواية الصهيونية، هناك دعوة أكثر ثورية في تقرير لجنة بيطون تسعى الى تخليص “التأريخ” وتعليم التاريخ من حصرية الرواية الصهيونية الكلاسيكية الاورو-مركزية بما يتيح مجال أكبر للحوار وتعدد الروايات.
جاي بن بورات

 

تقرير لجنة بيطون لتعزيز ميراث اليهودية السفرادية (نسبةً الى “سفراد بالعبرية أي أسبانيا) ويهودية المشرق في جهاز التربية والتعليم هو وثيقة كثيفة المحتوى عمل عليها الكثير من الشركاء، طرحت تشكيلة من الاقتراحات في مجالات مختلفة وأيقظت عفاريتاً نائمة لدى من أحسوا بالتهديد، فتعزيز طرف واحد يبدو كإضعاف للطرف الآخر في منطق المجموع الصفري التي تم تعويدنا عليه. ولكن اللجنة تقترح، في جزء من استخلاصاتها واقتراحاتها على الأقل، إعادة التفكير في الهوية والتاريخ، بما قد يفيد الجميع، وهي تفتح بذلك إمكانيات جديدة للخطاب حول الهويات والانتماء، بما يشبه السيرورات التي تحدث في أماكن  مختلفة من العالم. حوار من هذا القبيل لا يعزز مجموعة محددة فحسب، بل إنه يتيح خلق حوار حقيقي بين المجموعات المختلفة حول الماضي، الحاضر والمستقبل. هذا التفكير حول الهوية المنفصلة وتلك المشتركة، والذي بالإمكان استخلاصه من التقرير، سيكون مطالباً بالتوسع لكي يشمل مجموعات أخرى، كالمواطنين الفلسطينيين، رغم أن هؤلاء لم يكونوا جزءاً من التفويض الذي حصلت عليه الّلجنة.

الاقتراح الأكثر ثورية في هذا التقرير يسعى إلى تخليص ’التأريخ” وتعليم التاريخ من حصرية الرواية الصهيونية الكلاسيكية الاورو-مركزية، وعرض تشكيلة من الأراء كتشكيلة الروايات السائدة حول تاريخ يهود أسبانيا والمشرق والمنطقة عامةً

كان بالإمكان كتابة التقرير بشكل أفضل، والكتابة عنه أيضاً بشكل أفضل. فأجزائه المختلفة لا تترابط دائماً في قطعة واحدة، إن كان من ناحية الأسلوب أو من ناحية المضمون. فهنالك الكثير من التكرار، وهنالك مواضع كان التوسّع فيها  منهكاً مقابل مواضع أخرى نقصها التعليل والتفصيل، ومن الواضح بأن أناساً مختلفين قد كتبوا التقرير خلال فترة وجيزة. الأمر مؤسف لأن جزءاً من المقولات الهامة يضيع أو يفقد من قوته بسبب ذلك. يبدو، كما قيل من قبلي، بأن جزءاً ممن كتبوا عن التقرير أيضاً لم يكترثوا لقراءته كاملاً. هكذا، على سبيل المثال، مسألة ’قبور الصديقين والأولياء‘ التي أثارت عاصفة تظهر لمرة واحدة فقط (في معرض التقرير) دون توضيح أهميتها او تعليلها. عن أي أولياء نتحدث؟ ما هو هدف زيارة أضرحتهم؟ بكل الأحوال، في دولة يتم فيها تسخير أضرحة الاولياء بهذا الحجم بخدمة أهداف سياسية-اجتماعية شتى (كما في دول أخرى كثيرة، على فكرة) يصعب تبرير كل هذا الانفعال الذي أثاره الموضوع.

تطالب اللجنة، وبصدق، إرساء النقاش حول الموارد والتي من دونها ستكون توصيات اللجنة مجرد إشارات ميتة: سيكون من الصعب أن نشهد إقامة كلّية تعنى بميراث يهود المشرق، كما أن إلزام التلاميذ بدراسة مواد تتعلق بالموضوع قد تجلب المزيد من الضرر بدلاً من الفائدة.  يمكن لنا أن نعزو التراجع في حجم هذه المواد خلال السنوات الماضية إلى التراجع المتواصل في العلوم الإنسانية بشكل عام، لهذا فإن أن أية عملية إصلاح ينبغي أن تكون جزءاً من سيرورة أوسع للتغيير، على أمل بألا تحول هذه الموضوع إلى مجال أكاديمي هامشي يعيش على النوايا الحسنة للموظفين والمتبرعين. على المنوال ذاته، فإن من يقرأ الجزء المتعلق بتعليم الأدب في المدارس، قد يعتقد بأن الطلّاب يخرجون مدكوكين بأشعار عجنون وغروسمان وغيرهم، وبأن كل ما هو مطلوب هو إخلاء مكان للأدب السفاردي أو الشرقي. بينما في الواقع، كل ولي أمر مطلع على دراسة الأدب في المدارس الثانوية يعرف بأن نسبة هذه المواد هزيلة جدّا لا سيما وأنها تهمش لصالح الرياضيات والإنجليزية وسائر المواد التي يتم تفضيلها عملياً. أيضاً في هذا المجال، من دون إجراء  إصلاح شامل، سيكون من الصعب رؤية تأثير ادخال هذا الكاتب أو تلك الكاتبة، مهما كانوا لائقين ومناسبين، الى المنهاج على تعزيز ميراث اليهويد السفرادية.

الجزء المثير للاهتمام في هذا التقرير، برأيي، يبحث في الهوية أو الرواية التاريخية وفي مكانة اليهودية السفاردية. فيما يتعلق بجمهور التلاميذ المحافظين، يدّعي كاتبو التقرير بأن (هذا الجمهور):

“لا يتم تقبله بشكل طبيعي، لا في التعليم الرسمي ولا في التعليم الرسمي الديني. الجمهور المحافظ يمثل موقفاً لا يتناسق مع الإيدلوجية المهيمنة في كلا التيارين. سواء كان في التعليم الرسمي أو في التعليم الرسمي الديني، فإنه لا يتم التعاطي بشكل كافي مع المجتمعات التي يأتي منها هؤلاء التلاميذ، ولا يمكننا الاشارة الى ألفة مع ميراثهم اليهودي او وعي كافي لهويتهم اليهودية. إنهم حاضرون-غائبون في كلا التيارين”.

يقترح التقرير، لربما من دون قصد، حلّين وصوتين لهذا الغياب. ففي إحدى القراءات التي ظهرت في وسائل الإعلام، بدى وكأن هنالك محاولة لموضعة الرواية السفاردية (الشرقية؟) داخل الرواية الصهيونية: الكلعي مقابل هرتسل، نيسيم بيخار مقابل إليعيزر بن يهودا، أو محرقة يهود أوروبا مقابل محرقة يهود شمالي إفريقيا: أي بأن المطلب هو لتوسيع الرواية قليلاً بحيث تشمل اليهودية السفاردية ضمنها. هذه الرواية تندمج جيداً مع خطاب الحقوق والواجبات الذي يعتمد على مساهمة ما لتبرير مطلب المساواة، وبكلمات التقرير:

“ينبغي كتابة فصول تؤكد على مساهمة اليهودية السفاردية والشرقية لدولة إسرائيل منذ إقامتها وحتى اليوم، وإرساء هذه المساهمات في سياق راهن: في الاستيطان، في الأمن، في السياسة، وغيرها، على غرار قسم “المستعربين”.. وتسليط الضوء على أحداث وشخصيات تعتبر مثالاً يحتذى به”.

ولكن، وإلى جانب هذه الدعوة التي تسعى إلى الاندماج، وهي، بما هي عليه، محافظة أكثر من اللازم ولربما تهزم نفسها بنفسها، هنالك دعوة أخرى، مثيرة أكثر للاهتمام وتطرح احتمالات أكبر للحوار وتعدد الروايات.
الاقتراح الأكثر ثورية في هذا التقرير يسعى إلى تخليص ’التأريخ” (historiography) وتعليم التاريخ من “حصرية الرواية الصهيونية الكلاسيكية الاورو-مركزية”، وعرض “تشكيلة من الأراء كتشكيلة الروايات السائدة حول تاريخ يهود أسبانيا والمشرق والمنطقة عامةً من خلال التوازن، الاحتواء والمقارنة مع روايات اضافية”. هكذا بالإمكان تعلّم تاريخ اليهودية السفرادية من وجهة نظرها هي، ومن وجهات نظر أخرى، ومن خلال التطرق لأحداث تجري في أمكنة أخرى من العالم وتؤثر على العالم غير الغربي. عبر هذا المبنى الذي لا يتم من خلاله استخدام المحرقة  كتبرير لهذه الامور أو غيرها او كأداة للمناكفة، بالامكان التعامل مع التاريخ بتكافؤ أكبر ولربما يصبح هذا أقلّ تهديداً:

“على سبيل المثال، في تعليم المحرقة، ما من شك بأن وصف تسلسل الأحداث ينبغي أن يركز على اليهودية الأشكنازية. ومع ذلك، ينبغي أيضا توصيف الذي حصل في شمالي إفريقيا، وفي بعض الشهادات اختيار قصص شخصية من سالونيك أو من تجمعات يهودية سفاردية أخرى، مع المواظبة على التكافؤ التاريخي اللائق بين أوروبا وشمالي إفريقيا”.

هكذا أيضا، يمكن لسفر التلاميذ إلى شمالي إفريقيا أن يقدّم لهم وجهة نظر جديدة، ليس عن المنفى فحسب، بل أيضاً عن الإحتمالات الواردة للعلاقات ما بين اليهود والعرب في الحاضر والمستقبل، من دون الوقوع في فخ رومانتيكية الماضي، من جهة، أو فخ “العالم كله ضدنا”، من الجهة الأخرى. الصهيونية هي ليست المنظار الذي سيتم من خلاله تعليم تاريخ اليهودية السفاردية، ذلك من دون التخلي حتى عن مساهمتها في هذا السياق . تكتب اللجنة في هذا الخصوص:

“ستلبس الصهيونية هنا طابعاً مختلفاً[…] الصهيونية لم تولد على يد اليهود الذين كانوا يسكنون في الدول الاسلامية، ولم تخصص في بداياتها لتوفير حلّ لهؤلاء، كما لم يبدو بأنهم كانوا بحاجة الى حل. هؤلاء اليهود لا يقومون بقيادتها بل يتبنونها فحسب، وهي تلعب دورا متبايناً في تقرير مصيرهم- ليس فقط الإنقاذ وتوفير الملجأ، كما كانت الحال مع يهود أوروبا، بل عامل يزعزع مكانتهم ويوفر لهم الملجأ في ذات الوقت”.

مصطلحات على غرار الكولونيالية ، الوطنية (العربية واليهودية)، اللاسامية، الاقتلاع والهجرة، تتخذ كلها معان جديدة من خلال رواية (أو روايات) اليهودية السفاردية التي تثري النقاش حول هذه المصطلحات. وكما توضح اللجنة مرة أخرى:

“ايضاً هجرة اليهود من الدول الإسلامية كانت مختلفة عنها لدى يهود أوروبا، من ناحية ظروفها ودوافعها، وأيضاً استيعاب هؤلاء (اليهود)  في دولة إسرائيل كان مختلفا عن استيعاب المهاجرين الذين قدموا من أوروبا. تنبغي معاينة هذه الأمور بشكل شامل والنظر في استخدام مصطلح ’هجرة‘ إلى جانب الـ’علياة‘ (“الصعود” بمعناه الحرفي، وهو المصطلح الذي يستخدم للاشارة الى الهجرة لدولة إسرائيل وتمييزها عن الهجرة العادية) والتعاطي حتى مع ظاهرة ’النزول‘ (المصطلح النقيض للـ’علياة‘) من البلاد نتيجة الالتقاء بكور الصهر الإسرائيلي”.

تعليم التاريخ اليهودي، الإسرائيلي، وحتى الصهيوني خارج اطار الرواية السائدة، يحدث منذ سنوات  طويلة في أطر أكاديمية، وحتى في جزء من المدارس الثانوية. بامكان التوسع والاعتراف أن يتيحا مساحة لشمل مجموعات اضافية، يهودية وغير يهودية في هذا المضمار.

محاضر في قسم الادارة والسياسية الجماهيرية في جامعة بن غوريون بالنقب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.