درويش على أثير اذاعة الجيش: لوائح اتهام!

في أعقاب العاصفة التي ثارت لبث قصائد محمود درويش على اذاعة الجيش “غالي تساهل”، نسوق فيما يلي قصيدة سامي شالوم شطريت التي وجهها لدرويش معتبراً قصائده “لوائح اتهام” لا مفر من الاقرار بها.

 

نجحت قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش بإثارة ثائرة السياسيين الإسرائيليين مرة أخرى ذلك بعد أن قام الاعلامي كوبي ميدان بإعداد وبث برنامج على اذاعة الجيش “غالي تساهل” استضاف في معرضه الشاعر والمترجم الطيب غنايم وناقش معه مسيرة درويش الشخصية والأدبية، ومن ضمنها، قصيدته “بطاقة هوية” المعروفة باسم “سجل أنا عربي”.

في أعقاب العاصفة التي أثارها البرنامج واعتراض وزير الأمن، افيغدور ليبرمان، ووزيرة الثقافة، ميري ريجيف، وغيرهم على التعاطي مع قصائد محمود درويش، نسوق فيما يلي قصيدة المفكر والأديب اليهودي الشرقي سامي شالوم شطريت “جدارية بلا جدار” التي خاطب فيها درويش في حينه معتبراً أشعاره “لوائح اتهام” لا مفر من الاقرار بها.

جدارية بلا جدار

منذ زمنٍ وأنا أريدُ الكتابةَ إليكَ، لا عنكَ
وإلى الآن لا أدري من أين أبدأُ، ومن أين آتي بالكلماتِ أمام كلماتِكَ الأبديةِ، أنا العابرَ
بين بيوتِ أشعارِكَ، ووطنُ الكلماتِ ـ
مطويّاً في دواوينِ شعرٍ نحيلةٍ ـ
يملأني مؤخّرًا (إذا أردتَ الصراحةَ) بالحَسَد؛
ليس حسدَ الشعراء بل حسدُ المنفيّين:
كم هو لكَ تمامًا ذلك الوطنُ! وأنا لا وطنَ لي كهذا، لا كتابةً ولا أرضًا.
لكنْ، باللّهِ، لا تُشْفقْ عليّ ـ إذ ليس هذا هو المقصود؛
ففي نهاية المطاف، أنا هو القاتلُ،
ولن تَشْفعَ لي ألفُ عريضةٍ وعريضةٍ ضدّ الاحتلال.
فأنا الجنديُّ
الذي يَقْتل الحمائمَ الثلاثَ بطلقةٍ واحدةٍ، مرةً بعدَ مرةٍ،
وقد غدا الأمرُ عادةً:
فأنا الذي أَطلقَ النارَ على الحصانِ المتروكِ وحيدًا
قربَ البيت الذي غدا بيتيَ الجديدَ؛
وأنا الذي أَحكمتُ إقفالَ نوافذِه دونَ نُواح النادبينَ،
وأنا الذي سَدَدْتُ جيِّدًا باب البئْرِ بالباطونِ المسلَّحِ
كي لا أرى ولا أسمعَ الحياةَ في المياه.
وما حاجتي إلى حصانٍ عربيّ أو صُبّارٍ خالدٍ؟
فإنَّكَ لن تجدَ صبّارةً واحدةً لإلهٍ في كُثبانِ إِسدود،
حيث بَنَيْنا مدينةً لأُناسٍ لم يَسْمعوا باسمِكَ يومًا؛
فاسمُكَ امّحى بالمرّوكيّة، والروسية، والأشدوديّة
والحقَّ أقولُ لك، أندلسًا أو غيرَ أندلسٍ،
هكذا تُقام الأندلسُ في أشدود، بين اليهود مؤقّتًا،
وهم الآن يَحْتفلون بميلادِها الخمسين في متحفٍ عصريٍّ على ساحل البحرِ،
حيث كانت في الماضي “النبي يونس،” قريةُ الصيّادين،
وليس في المعرضِ ولو أثرٌ لحصانٍ عربيٍّ وحيدٍ أو لصبّارٍ،
والأطفالُ يتعلّمون هناكَ تاريخَ المدينةِ القديمَ،
المدينةِ التوراتيّةِ، لا الفلسطينية، لأنَّ المتاحفَ لا علاقةَ لها بالسياسة!
أنا أقرأُ أشعارَكَ كلوائحِ اتّهامٍ، وأُقرُّ بذَنْبي عن كلّ تهمةٍ،
في كلّ مرةٍ من جديد، وألفُ احتجاجٍ واحتجاجٍ من جانبي لن يفيدَ، لا ضدّ الصهاينة الشيوخِ ولا ضدّ الشباب،
الأشكينازِ منهم والمزراحيم، بيضًا وسودًا ـ فأنا واحدٌ منهم لأنّي لستُ واحدًا منكم،
وهذا هو بُؤْسُ بيتِ القصيدِ. وهأنذا أَسترقُ الخُطى عَبْرَ عتباتكم، جيئةً وذهابًا، كأنَّها عتباتي،
مرّةً أرشفُ القهوةَ العربيةَ،
ومرّةً أَلبطُ الرَّكْوةَ، وأَصرخُ: “أيُّها العربيُّ القذر!”
وأحطِّم كلَّ المرايا كي لا أرى فيها وجهَ جدّي،
متحيِّرًا فيها بأمري بلغةٍ عربيّةٍ،
وما دَخْلُ العربية هنا؟ أنا شاعرٌ عبريّ!
أنا شاعرٌ سجّانٌ ـ فلا تصدِّقْ ممّا أقولُ شيئًا ـ
وسجّانُ نفسي، وسجّانُ كلامي الذي
قُصقِصتْ جوانحُهُ،
وسجّانُ نومي الذي يَهْجرني ويهيمُ على وجهه بلا وُجهةٍ معيّنةٍ يستريح فيها.
كنتَ مصيبًا تمامًا: فالوطنُ ليس حقيبةً،
وكنتَ مصيبًا تمامًا: فالوطنُ حقيبةٌ حقّاً،
كما يَشْرحُ اليهودُ ذلك في المطار: أتصعدُ الطائرةَ مع وطنٍ بأَسرِه داخلَ حقيبةٍ مشبوهة؟
إنّ في ذلك عدمَ مسؤوليّةٍ من الدرجة الأولى، تعالَ جانبًا رجاءً،
أنا المفتِّشُ الأمنيُّ الذي يرتدي ثوبَ المثّقفِ المزراحيّ
ويَبْحث دون جدوى عن وطنٍ متفجّرٍ داخل حقيبةٍ عربية،
وقد قيل لي إنّك تُتقن تمويهَ القنابلِ في عمقِ الكلمات.
وأنا، كلُّ كلماتِ الحبِّ والعذابِ التي كتبتُها، وسوف أكتُبُها،
وتلك التي تَدقُّ على صَدْغَيَّ، والتي لن أكتبَها،
كلُّ تلك الكلمات لن يكون فيها خلاصُكَ أو خلاصي؛
ذلك أنّني في حياتي إنّما أجسِّدُ موتَكَ.
أنتَ تختنقُ لأنَّني أتنفّس،
أنتَ تجوعُ لأنَّني آكُلُ،
أنتَ مقيَّدٌ لأنَّني طليقٌ.
سَجِّل:
سلاسِلُ قَيْدِكَ جناحانِ لي!
وكيف لي أن أكتبَ إليكَ كلامًا عن السّلام، عن “التعايش،” ولا تَقْرف،
حتّى وإنِ ابتعتُ حقيبةً كحقيبتكَ تمامًا وسافرتُ بعيدًا عن هنا،
ولقد سافرتُ فعلاً، بعيدًا، بعيدًا عن هنا؛ مرضٌ يستحيل شفاؤُهُ.
وكما قال لي ذاتَ مرةٍ مثقفٌ عربيٌّ بصراحةِ المجانين:
“كيف تستطيع أن تواصلَ الإصرارَ على انتمائك إلى اليهود؟”
فسخرتُ منه: ماذا تَقْصد بكيفَ أستطيع؟ أنا يهوديٌّ، ولا أعرف أن أكونَ شيئًا آخرَ،
يا لها من وقاحة! أنا يهوديٌّ، لستُ صهيونيّاً، بل يهوديٌّ، منذ فجر الإنسان المغربيّ أنا يهوديٌّ،
ولعلّني لم أَفقَهْ ذلك تمامًا إلى أنْ كبر ابني وصارَ يافعًا يُحسنُ القراءةَ بنفسِه ويَسْمعُ أشياءَ غريبةً…
وذاتَ يوم، حين حدّثتُه حزينًا عن مدى ابتعادِه عنّا، عن اليهودِ، أَنّبني بتهذيبٍ وقالَ:
“دعني وشأني، فقد قلتَ لنا هيّا بنا نذهب إلى أميركا لنهربَ من يهوديِّ الخليلِ. ولكنْ هيهاتَ أن تنجحَ إذْ ليس هناك في العالم يهودٌ آخرون… إنّك تَهْربُ من نفسِكَ يا أبي.”
فجلستُ وبكيتُ بمرارة؛ كم أحسدُهُ لحريّته،
وكم كنتُ أودُّ أن أُضيعَ صوابي، ومعرفتي المُصابة، ومُصيبةَ وعيي!..
ولذا، أيُّها الشاعرُ العربيُّ العزيز، أكتبُ إليكَ بالعبرية.
ولذا، يا رسّامَ الكلماتِ الخالدة، أَرسُمُ لكَ باليهودية،
جداريةً لا جدارَ لها لديّ، ولن يكونَ،
لأنّني قد ضِقْتُ ذَرعًا بأرضِكَ، وعلى الدوام أرضي تقيّأتني،
وهأنا أقتاتُ في منفايَ على ذرّاتِ الهباءِ، بين هناك وهنا،
مُغمَضُ العينين أنا هنا، مُلامِسًا وغيرَ ملامِسِ…
أنظرْ: كيف تَغْرقُ في النومِ أنتَ، بينما اليهوديُّ الذي فيَّ يسترقُ خُطى الكلماتِ
كي يُشعِرَكَ بالذَّنْبِ، ويستدرَّ رحمتَكَ،
ولن تهُبَّ حِكمةُ “الجامعةِ” لنجدتِكَ عن بِكْرة باطلِ الأباطيلِ،
ولا “نشيدُ الأناشيدِ” سيأتي، ولا أناشيدُ النشيدِ.
بل إنّ المسيحَ نفسَه لن يخلِّصَكَ منّي ولن يخلِّصني منكَ
لأنِّي قتلتُه هذا الصباحَ،
لا بل أنا أبكِّر كلَّ يومٍ لأقتلَه من جديد،
لأُؤجِّلَ نهايةَ النهاياتِ كلِّها،
“لأنَّه في ذلك اليوم يُكفِّرُ عنكمُ”
لأنَّه في ذلك اليومِ سيهزِمُ خوفَ الأعالي والأسافلِ،
وفوقَ أمواجِ الدِّمَنِ الهائجةِ سيأتي إليَّ مُهرولاً.
في ذلك اليوم ستنقلبُ العوالمُ، وسأواجِهُ إذّاك
جدّي وابني، وأحدِّقُ في عيونهم وأقولُ: كفى!
ففصولُ حياتي أكاذيبُ يهوديةٌ عربيّةُ التطريزِ،
وليس ذلك لأنَّني استلبتُ حياتَكَ وجَعَلْتُها حياتي؛
فحياتي كانت ذاتَ يوم حياتَكَ، إلى أن جاء الملكُ داوود بن غوريون من پولندا وأَسْقَطَنا معًا بضربةِ مقلاعٍ واحدةٍ،
كأنَّنا كنّا عَيْنيْ ذلك الـ “جُلْياتِ” نفسِه على الأقلِّ في عينيه.
طلْقةٌ پولنديةٌ يتيمةٌ قَضَتْ علينا كليْنا.
غارقَيْن كنّا بالصلواتِ، وروايةِ الحكايات، والخبّيزِ، وعصْرِ الزيتون،
وغيرِ ذلك من مَشاغل القَلْبِ المشرقيّةِ الناهبةِ للوقتِ والمُرفِّهةِ عن العقول.
لكنّ المَلِكَ اصطفاني فبعثني حيّاً،
كما فعل النبيُّ أليشَع، بنَفْخةِ فودكا واحدةٍ، وأَطلقَ سراحي عليكَ،
وهَتفَ: العربيُّ مات! العربيُّ مات! عاش
اليهوديُّ الجديدُ!
سَجِّلْ:
وُلدتُ يهوديّاً مِنْ موتِكَ، موتِكَ العربيِّ فيَّ،
ثم انطلقنا نَرْقصُ “الهورا،” ذاك الپولنديُّ وأنا،
والپولنديُّ ينَفنِفُ لحيةَ جدّي
ويشير إلى بشرتي الداكنة مغنِّيًا: من هنا أنا، من هنا أتيتُ، هنا بيتي!
فامتلأتُ بفخرٍ يهوديٍّ جديدٍ،
وبأسنانِ ذئبٍ جارحةٍ،
أمّا أنتَ فـ “روحْ مِنْ هونْ!”
لقد أبيتَ أن تنصرفَ من أمام عينيَّ الناظرتيْن إلى الأفق الغربي…
وصرتَ عدوّي الذي يختلِسُ النظرَ إليّ من المرآةِ كلَّ صباحٍ من جديد،
وصرتُ أبصقُ وأَشْتمُ وأقضي عليكَ مرّةً تِلوَ أُخرى،
كي أعيدَ خلقَ نفسي يهوديّاً مُجدَّدًا.
لا تُسِئْ فهمي: فأنا لستُ هنا لأَحلَّ مكانَكَ
أنا لستُ مستشرقًا، بل شرقيٌّ أنا، يعني أنا يهوديٌّ مزراحيٌّ،
لا غفرانَ أو تكفيرَ لي، ليس في هذا التناسخِ.
وربّما في اليوم الذي ينتصرُ فيه رفاقُكَ الثلاثةُ، الباحثون عن أكسير الحياة، على خوفِهم من الأعالي،
ـ جلجامش وسليمانُ ويسوع (يسوعُ ملكُ اليهود، يسوعُ ملكُ اليهود) ـ
وينزلون من أعالي شجرة الحياةِ إلى أرضِ نهايةِ النهايات كلِّها،
في ذلك اليوم، الذي لن يأتيَ إلى الأبد،
سأمزِّق القناعَ عن وجهي،
قناعَ عُذوبةِ النفْسِ والمُحَيّا،
أصبحُ كائنًا ما أكون،
وأيّاً مَنْ أكونُ فسوفَ أكونُهُ،
يهوديّاً بلا يهودٍ،
عربيّاً بلا عربٍ،
حقيبةً بلا وطنٍ،
وطنًا بلا حقيبةٍ،
رسّامًا بلا كلماتٍ،
شاعرًا بلا ألوانٍ،
جدارًا بلا جداريّةٍ،
جداريةً بلا جدارٍ.

*عن العبرية إلى الإنكليزية: دينا شونرا، عن الإنكليزية إلى العربية: سماح إدريس، قارنها بالأصل العبري: أنطون شمّاس.
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.