تحت رعاية السلطة والشاباك: نشطاء فلسطينيون في خطر الإعتقال الفوري

ليبرمان يوقع على أمر يعلن “الحراك الشبابي” كرابطةً غير مسموح بها في إسرائيل. المشكلة بأن تعريف هذه “الحركة” واسع وفضفاض لدرجة أنه يعرّض كافة النشطاء السياسيّين الفلسطينيّين للإعتقال اللإداري. فمن هوالرابح الأكبر حقاً؟
عبد أبو شحادة

 

قبل عدّة أشهر قمت بالكتابة عن إختفاء ثلاثة نشطاء من رام الله، حيث تبيّن أن السلطة الفلسطينية قد إختطفتهم. اليوم وبعد عدّة تمديدات للتوقيف، يجري إتهامهم بإتهامات قصوى كالإنتماء لحزب الله والمشاركة في مخيمات تدريب في لبنان وتونس. إلا أنه ومع توافد المعلومات تتكشّف صورة أوسع مقلقة أكثر، تضع كلّ النشطاء الفلسطينيّين في دائرة الخطر كجزء من التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية و”الشاباك” الإسرائيلي.

النشطاء الثلاثة من رام الله، وفق رواية “الشاباك”، ينتمون ل-“الحراك الشبابيّ” (الذي سأفصّل حوله لاحقاُ). قرر وزير الأمن أفيغدور ليبرمان بأنه “تنظيم يعمل تحت غطاء منظمة شبابيّة”، ووقّع على أمر يعلن عنه كرابطة غير شرعية، وفق قوانين الدفاع في أوقات الطوارئ- خطوة أخرى للتضييق على النّشاط السياسيّ للشباب الفلسطينيّين داخل وخارج الخط الأخضر. وبينما لا توجد هناك منظمة واضحة تسمى “الحراك الشبابي”، فهناك شباب فلسطينيون من مدن مختلفة من داخل وخارج الخط الأخضر بالإضافة الى خارج البلاد والذين يتنظّمون بشكل عفوي بوتيرة متفاوتة وينشطون في مواضيع شتى- من النضال ضد الإحتلال، والعودة للقرى التي هجّرت منها عائلاتهم في عام 1948، وحتى المواضيع الإجتماعية كالعمل ضد العنف في المجتمع الفلسطيني، المساواة الجندريّة والقضايا البيئية.

بدل دعم وتعزيز “الحراك الشبابي” كآلية لبناء قيادات مستقبلية للشعب الفلسطيني، السلطة وبرحابة صدر تختار التعاون مع ليبرمان، لذا، ومع كل الإحترام للتبريرات حول منع الفوضى، لا يوجد تبرير للقمع العنيف.

هؤلاء الشبّان موجودون في كل المدن والقرى العربيّة، أحيانا يتنظّمون على المستوى المحليّ وينشطون لتحقيق أهداف سياسية محليّة. تتّصف هذه الحركات بالجيل الشاب للنشطاء، والذين يحرّكهم شغف حقيقي بعيد عن المصالح الضيّقة، ويميلون للمثالية غير المهادنة. بعضهم ينتمي لأحزاب وحركات سياسيّة رسميّة، وبعضهم الآخر مستقلّ، ويتسمون بالفظاظة والحدّة ويجيدون إستخدام شبكات التواصل الإجتماعية والضغط الجماهيري على القيادات القديمة.

صفة مهمة إضافية هي إنعدام الترتيب في نشاطهم مما يجعلهم غير متوقّعين. فنجدهم أحيانا في كل مكان وفي كل النشاطات السياسية، ومن ثم يختفون ويعودون. كما وتنعدم الهرميّة الواضحة، فكل ناشط يستطيع أن يقول أنه من “الحراك الشبابي”، ولأنع معرّف مع الشباب كما يشير الاسم فمن الطبيعي بأن يتبدّل النشطاء بوتيرة عالية، ليواصل بعضهم نشاطه ضمن الأحزاب أو المؤسسات وبعضهم الآخر بأماكن أخرى كليّاً. وهذا هو بالتحديد المخيف في الأمر الذي وقعه وزير الأمن: ففي حال عدم وجود منظّمة واضحة وقيادة واضحة، فإن التعريف القانوني ل-“الحراك الشبابي” يمكن أن يتم تفسيره بمفهومه الواسع بما يعرض كافة النشطاء الفلسطينيّين لخطر التوقيف الإداري. ومن هو الرابح الأكبر؟ السلطة الفلسطينيّة طبعاً لأن آخر ما تريده هو مواجهة نقد يتحدّى شرعيّتها وقياداتها. بالأخص عندما يحمل هؤلاء النشطاء شغفاً حقيقياً لإنهاء الإحتلال آخذين نضالهم على محمل الجدية، لا سيما وأنهم بغالبيتهم غير متزوّجين، ولا إلتزامات إقتصادية وعائلية لديهم ويسمحون لأنفسهم بأن يصرخوا بصوت عالي وبأن يككونوا لاذعين.

لست على علم أو إلمام بتفاصيل توقيف النشطاء الثلاثة من رام الله، كون أغلب المعلومات المتداولة قد مرّت بفلترة من قبل الشاباك، وليس باستطاعتي تصديق معلومات مصدرها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية المدعّمة بقوانين أوقات الطوارئ – عاملان معاديان للديموقراطية ومعروفان بمخالفتهم لحقوق الإنسان واعطاء السلطات قوةً مطلقةً ضد المواطنين. إلا أن المحزن أكثر هو قبول السلطة الفلسطينية لذلك، بدل دعم وتعزيز “الحراك الشبابي” كآلية لبناء قيادات مستقبلية للشعب الفلسطيني – خصوصا على ضوء الرؤية المثالية التي يحملها الشباب والتي تشجعهم على بناء علاقات وجسور بينهم وبين النشطاء من الطرف الآخر للجدار- السلطة وبرحابة صدر تختار التعاون مع ليبرمان، لذا، ومع كل الإحترام للتبريرات حول منع الفوضى، لا يوجد تبرير للقمع العنيف. وفي حال كان الخطر حقيقيٌ كما يدعي جهاز الأمن الفلسطيني، فعلى السلطة الفلسطينية تحمّل مسؤولية فشلها في النضال ضد الإحتلال وإقامة حكم يحفظ حقوق مواطنيه، حكم قادر على تقبل النقد الداخلي وعلى التغير وفق الرأي العام للجمهور. لا يوجد أي سبب بالعالم لأن يدفع النشطاء الشباب ثمن الفشل السياسيّ للسلطة.

ناشط في “التجمع” وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.