النصال مستمر رغم الهدم للمرة المئة: نساء العراقيب ضد جرافات الهدم

مئة مرة تلوّعت قلوب أهالي العراقيب امام مشهد جرافات الهدم، مئة مرة واجهوا صلافة نظرات شرطيي “اليسام”، الا أن سكان القرية البدوية ما زالوا يحاربون على أراضيهم. بمرور ست سنوات على عمليات الهدم، آفي بلخرمان رافق النساء التي تقفن اليوم بالصدارة في النضال الذي يقدنه لوحدهن تقريباً تحت الشمس الحارقة.
آفي بلخرمان

 

لمئة مرة على مدى السنوات الست الأخيرة داهمت قوات الهدم والمصادرة سكان قرية العراقيب البدوية غير المعترف بها في النقب، وعادت في كل مرة لتهدم خيام وعرش السكان المتشبثين بأرضهم. منذ أن هدمت بيوت القرية الواقعة بالقرب من مفرق لهافيم في أول عملية هدم، لمئة مرة عادوا وهدموا، عادوا وتسعفوا بمجموعة الأهالي الصغيرة والصامدة هذه، ليرجعونها مراراً إلى نقطة الصفر.

هل يمكن لأحد أن يستوعب هذا الرقم؟ هل يمكن لأحد أن يتخيل مجموعة تقف أمام هذه المظاهر؟ مئة مرة تلوع فيها القلب لرؤية موكب الجرافات ودوريات وحدة يوآف التي تنزل فجأة من الشارع الرئيسي الى الطريق غير المعبدة التي تقود للمقبرة الصغيرة- حيث يدفن أهالي القرية موتاهم منذ عام 1905 باقل تقدير، أي من قبل قيام الدولة بكثير- وهو المكان الوحيد المحصن من الهدم، لهذا فهم يعيشون على أرضها لتمتزج الحياة بالموت. مئة مرة ركض أهالي القرية وهرولوا لجمع ما يمكن انقاذه. مئة مرة هرلوا نحو أطفالهم لإبعادهم عن الجرافات، لإحتضانهم وتهدئة روعهم. مئة مرة من مواجهة صلافة وحدات “اليسام” (القوات الخاصة) التي تحاصرهم وتقف بينهم وبين الجرافات.

جرافات "الكيرن كييمت" على أراضي العراقيب، 21.07.16. مئة مرة هرول أهالي القرية لجمع ما يمكن انقاذه (تصوير: آفي بلخرمان)
مئة مرة هرول أهالي القرية لجمع ما يمكن انقاذه.  جرافات “الكيرن كييمت” على أراضي العراقيب، 21.07.16، تصوير: آفي بلخرمان.

إسرائيل تواظب على حربها ضد مواطنيها البدو سكان القرى غير المعترف بها. “اللهم إنا مظلومين فانتصر”، كتبها عزيز الطوري، أحد قادة النضال، مقتبساً من القرآن، في صفحته على “الفيسبوك” اثر واحدة من عمليات الهدم الأخيرة. “لا يمكن أن يتحصن المرء من الألم وأن يعتاد على هذه المشاهد”، قال لي مرة قبل الهدم. إن سكان القرية يقودون نضالاً سلمياً ومثابراً وقد دفعوا حتى اليوم ثمناً غالياً بالتوقيف، بمصادرة الأملاك، وبالدعوات القضائية التي تهدد بإفلاسهم: وبالأساس دفعوا ثمن الحياة الصعبة بظروف قاسية، المهم بألا يفقدوا أرضهم.

في الأسبوع الماضي دخلت جرافات “الكيرن كييمت” الى اراضي القرية وبدأت بحرثها إعداداً لمشروع تشجير كبير، على  الرغم من الاجراءات القضائية المعقدة والموجود في أوجها والتي تطالب الدولة من خلالها بإخراج الاراضي من ايدي السكان، الذين تعتبر بأنهم سيطروا عليها (بشكل غير قانوني)، لتقوم وتسجيلها كأراضي دولة. أما السكان فيقدمون إثباتات لملكيتهم على الأرض تعود بأقل تقدير ل-150 عام، بينما طالبت المحكمة “دائرة أراضي إسرائيل” بألا تقوم بأي تغيير لا يمكن الرجوع عنه قبل إصدار قرار المحكمة. إلا ان الدولة ما زالت تصر على إنهاك وبث اليأس في القلوب في محاولة لفرض أمر واقع. وفق السكان، لم تقم الشرطة ولا ممثلي “الكيرن كييمت” او “دائرة أراضي إسرائيل” بتقديم اي وثيقة تجيز اعمالهم في المكان.

“آبائنا مدفونون هنا على الاقل منذ 120 عام”، قالت لي حكمة، وهي من سكان القرية، “لن نتحرك من هنا. هل هناك حاجة لاثبات اقوى لملكيتنا على هذه الارض؟ لأننا كنا هنا من قبل قيام الدولة؟ كيف يمكنهم الادعاء بأننا سيطرنا على الأراضي– لعلهم هم من سيطر على اراضينا؟ من ناحيتي، أنا مستعدة للموت هنا ان اقتضت الحاجة. الدولة تعاملنا بعنصرية لأن لديها القدرة على ذلك. نحن نعرف كيف تتقدم الأمور: في البداية يزرعون الأشجار، وبعد سنين يقلعونها ويبنون بلدة جديدة لليهود.

“آبائنا مدفونون هنا على الاقل منذ 120 عام”، قالت لي حكمة، وهي من سكان القرية، “لن نتحرك من هنا. هل هناك حاجة لاثبات اقوى لملكيتنا على هذه الارض؟ لأننا كنا هنا من قبل قيام الدولة؟ كيف يمكنهم الادعاء بأننا سيطرنا على الأراضي– لعلهم هم من سيطر على اراضينا؟ من ناحيتي، أنا مستعدة للموت هنا ان اقتضت الحاجة. الدولة تعاملنا بعنصرية لأن لديها القدرة على ذلك. نحن نعرف كيف تتقدم الأمور: في البداية يزرعون الأشجار، وبعد سنين يقلعونها ويبنون بلدة جديدة لليهود. لقد مررنا بذلك من قبل… ففي عام 2000 سيطروا على اراضي عائلة العقبي ليزرعوا غابة، وبعد ذلك قاموا باستبدال الغابة ببلدة “جفاعوت بار”. سيّجوا من حولها، وأعطوهم الكهرباء والماء، ومنعوهم من بيعنا الماء. علينا نحن احضار ماء الشرب لأنفسنا”.

كان الطقس حاراً جداً يوم الخميس الماضي. صيف حار وجاف وشمس حارقة. حتى السكان المعتادين على الحر لم يقدروا على تحمل حالة الطقس. المشاهد كانت مؤلمة: شرطيي “اليسام” منعت السكان من الاقتراب الى الجرافات التي تحرث الارض بهمة، ولم يتبقى أمامهم سوى مشاهدة خطوط الأرض وهي تتغير تحت سلاسل الجرافات. عزيز الطوري ووالده، الشيخ صياح، تم توقيفهم منذ الصباح الباكر وأبعادهم عن الارض. قبل ذلك بيوم تم الاعتداء على النساء والاطفال وتوقيف سكان آخرين من قبل قوات “اليسام”.

العراقيب3
فجأة بدأت النساء تركض نحو إحدى الجرافات التي اقتربت إلى حيث وقفن، ولم يستطع افراد الشرطة القلائل من منعهن.. العراقيب، 21.07.16، تصوير: آفي بلخرمان.

عمليات التوقيف بحق رجال القرية خلقت وضعيةً غريبةً ومثيرةً برز فيها النضال النسائي العنيد، فنساء القرية هن من يقدن النضال لأنهن اقل عرضة للتوقيف التعسفي. لقد وقفن امام افراد الشرطة ورددن شعارات “اليهود والعرب ضد هدم البيوت، لا توجد قرية غير معترف بها لا اليوم ولا غداً، أخرجوا من اراضينا”، وهن يضجّن بقنان بلاستيك مليئة بالحصو، ليلفتن اليهنّ انتباه الضابط الذي يحرسهنّ. “انظر ماذا تفعل انت وزملائك”، صرخت النساء. “يفترض بك حمايتنا من الذين يسرقون اراضينا. بدل ذلك فانك تقف هنا مدافعاً عنهم. عن اللصوص”. “أنا احرسكن من الجرافات حتى لا تصيبكم الأذية”، أجابهم الضابط بصوت ناعم. أشك في اذا ما صدّق هو بنفسه ما قال.

عندها حدث شيء مدهش. فجأة بدأت النساء تركض نحو إحدى الجرافات التي اقتربت إلى حيث وقفن، ولم يستطع افراد الشرطة القلائل من منعهن، فتقدمن بأياديهن العارية نحو كف الجرافة ليطردنها الى الوراء، مما دفع سائقها للرجوع ومغادرة المكان لوقت طويل. عشرون امرأة مصممات وغاضبات.

غادرت الجرافات كلها المكان ووقفت بعيداً. انتظر الجميع قدوم تعزيزات الشرطة التي لم تتأخر طويلاً، لتغلق المنطقة، بحيث لا تستطع النساء الاقتراب من الآليات. “لا افهم كيف يقبل سائقو الجرافات العمل مع هذا الكم من الشرطة الذي يحرسهم. الا يزعجهم انهم شركاء في نهب اراضينا؟ لو كنت مكانهم لنزلت عن الجرافة وقلت ان هذا العمل لا يلائمني”، قالت حكمة بإحباط وهي تجلس مع عشرات السكان على ارض مرتفعة مقابل الآليات الثقيلة وهي تنظر بقلة حيلة لما يحدث.

في الظهيرة جاءت بعثة من اعضاء الكنيست عن “القائمة المشتركة” للتضامن ولتثبيت عزيمة السكان. فوقفوا امام افراد الشرطة وامام الآليات الكبيرة، وقالت عضو الكنيست عايدة توما سليمان، رئيسة لجنة مكانة المرأة، للنساء التي حاورتهن انها ومثلهن ترى بمحاولة السيطرة على اراضيهن جزء من سياسة شاملة وتمييزية ضد الجماهير العربية في الدولة. “هذه الاراضي ملك للسكان. هي ما تبقى من بيوتهم. انهم يحاولون جعل السكان يعيشون بالقلة، على هوامش بلدة ما والاستيلاء على  اراضيهم. هذه السياسية، سياسة اكثر ما يمكن من الارض واقل ما يمكن من العرب، ما زالت سارية في اسرائيل، وما زالوا يحاولون فرضها بالقوة. من الجيد ان هناك نساء قويات لا يتنازلن ويناضلن، ومن الجيد ان هناك اطفال يتعلمون من امهاتهم ومن آبائهم كيف يحمون بيوتهم”، قالت. أما بعد الظهر فتم اطلاق سراح الموقوفين، ليس قبل ان تحاول الشرطة اشتراط اطلاق سراحهم بموافقتهم على الابعاد عن اراضي القرية والتزامهم بعدم بناء القرية من جديد. الموقوفين رفضوا ولكن لم يكن مفر من اطلاق سراحهم.

لا يمكنني الانهاء دون التعبير عن احباطي الشخصي. كمن يوثق العديد من النضالات في الضواحي البعيدة عن المركز لمجموعات يتم اقصائها والتعامل معها كشفافة، يحبطني جداً ان ارى سكان العراقيب يناضلون لوحدهم. بلا وسائل اعلام مركزية تغطي الأحداث، بلا اعضاء كنيست يهود يأتون لدعم المواطنين الذين يناضلوت ضد التمييز وتقريباً بلا نشطاء وناشطات يهود. اذ أن النهب هو ذات النهب، والعنف هو ذات العنف، والمواطنة هي ذات المواطنة- أنا لا اجد فرقاً كبيراً بين سكان العراقيب وسكان “حي هآرجازيم” او “جفعات عمال” او سكان المساكن الجماهيرية الذين يتم اخلائهم من بيوتهم. القوى التي تعمل ضدهم هي ذات القوى التي تطمع في الارض لتسكن فوقها يهود من الطبقات الوسطى والعليا. انه ذات النضال العادل، السلمي، على الحق في سقف يأويهم ودخل يعيلهم، وعلى الحق في ان لا يتم تجريدك من بيتك وارضك، الا انه وعندما يكون الحديث عن مواطنين عرب او بدو، فجأة يتحول النقد على تعامل الدولة مع مواطنيها والتماثل العفوي مع ضحايا العنف الشرطي بنوع من الشك يقول بأنه “لا يمكن المقارنة فهذه قصة مختلفة تماماً”، وبعدم ثقة اتجاه سكان القرى غير المعترف بها.

هذا مؤسف ومسيء وبالأساس بعيد كل البعد عن النزاهة والاستقامة.

 

يدعوكم أهالي العراقيب يوم السبت القريب لاحياء ذكرى ستة اعوام على بدء عمليات الهدم. للتفاصيل زوروا صفحة الحدث على الفيسبوك

صحفي مدني يوثق النضالات في الضواحي الاجتماعية والسياسية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.