عندما يطرق محمود درويش الباب

في كل مرة يرفع فيها الآخر صوته، يتواجد، يكتب بلغته، يغني، يرقص، يبتسم، يشق طريقه الى حيّز اللغة العبرية، في كل مرة يقوم الآخر ويبدأ بالمشي، يهتز مبنى القوة وتثور أمواج اليمين
مرزوق الحلبي

 

لو كان محمود درويش حياً، لما كان من الممكن توقّع رد فعله على العاصفة المناوبة حول برنامج عن شعره في إذاعة الجيش “غالي تساهل”. إلا أنه يمكننا أن نفترض أنه كان ليبتسم بسمة مليئة بالمعاني، كشعره، وحتما كان سيصطفي جملة تلخيصية ماحقة ينهي بها الأمر من ناحيته. إلّا أننا، أصدقاءه، محبيه ومتذوقّي شعره، أحرار في تناولنا لموضوع العاصفة- ولو لما تقول عن مسبّبيها، وعلى وجه الخصوص الوزير ليبرمان، ريجيف وجوقة المشجعين والمشجعات.

أنوّه وأقول، أنها ليست أول عاصفة في إسرائيل حول درويش وشعره: أذكر بشكل خاص اثنتين سابقتين قمت بتغطيتهما كصحفي وناقد أدبي. الأولى، عندما قام وزير التربية والتعليم السابق، الراحل يوسي سريد، بإصدار أمر في أواسط التسعينات في ظلّ نشوة اتفاقيات أوسلو يفي بتعليم شعر درويش. والثانية، قبلها، في أوج الانتفاضة الأولى، عندما نشر درويش قصيدته التي حصلت على أربع ترجمات مختلفة للعبرية بما يشمل العنوان “عابرون في كلام عابر”، الذي لائم عظمة الساعة الفلسطينية. منذها، كتب درويش ونشر عشرة مجموعات شعرية ونثرية قبل أن توافيه المنية مبكّراً، مثل كل الشعراء الذين تحولوا لأسطورة. نتعلم من العاصفة المناوبة مثل سابقتيها، فصلاً ونصف الفصل عن الكوزاكيين المنهوبين الذين صرخوا لإسكات صدى كلماته التي تخترق كل مدرعة وخرسانة، كل قلب وكلية، كل وزير ووزيرة حتى وإن جهلوا لغتهم وثقافتهم.

اسكات صوته ومحاولة محي اسمه من اللغة العبرية المتداولة على السنة الاذاعيين المخلصين لمهنتهم، مثله مثل محاولة اسكات “نكسر الصمت” وبقية منظمات حقوق الانسان من خلال قانون الجمعيات. هذه العاصفة تفضح وجه اسرائيل الرسمية في عصر من السياسة الديماغوغية السطحية من صنع نتنياهو وقطيع مرعاه. اسرائيل التي تمتنع عن رؤية الواقع كما هو، وعن سماع الحقيقة، والاصوات الاخرى، صوت الآخر العربي، الفلسطيني. ومن الاستقامة الاعتراف بانه هناك بعض المنطق في الموضوع فلا احد يريد سماع صوت الضحية الذي يشوش روتين حياته ويذكره بما فعل.

شعور القوة الذي يعيشه ويشعره معسكر اليمين في اسرائيل يجعله اكثر وضوحاً، صلافةً وثقةً بتوجهه العنصري الذي قد يتطور الى نوع من الفاشية الموجودة او إلى أبارتهايد اسرائيلي معلن.

لا يمكنني التقليل من اهمية الاهتمام بدرويش وشعره بين اواسط من المجتمع الاسرائيلي اليهودي، ولكنني ايضاً لا يمكنني المبالغة بأهمية مثل هذا الفعل، ولا يمكنني تحميله معان متعددة- مع ان بإمكاننا ان ننسب له بعداً سياسياً ايجابياً، لطافة، لياقة وجمالية (فشعره مليء بالجمال الشعري والفني)، اضافة للشجاعة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الأجواء المكارثية التي يقودها اليمين الثمل بالقوة والمتغطرس. من جانب آخر لا يمكنني التقليل، لا من قوة الشعر، وشعر درويش خصوصاً، لا بقوة الرواية ولا بأهمية الغيرية كمرآة للانا. ومع ذلك، ففي مبنى القوة الحالي، هذه العواصف ستهب كلما طرق “الآخر” ابواب هذا المبنى وتنجح حتى في شق الخطاب الذي يخلقه. هذا ما حدث عندما حاولت جمعية “ذاكرات” عرض ما يسمى “أفلام النكبة”، أو عندما اصدر معهد “فان لير” كتاب يحاول التوقف عند علاقة النكبة والمحرقة. في كل مرة يرفع فيها الآخر صوته، يتواجد، يكتب بلغته، يغني، يرقص، يبتسم، يشق طريقه الى حيّز اللغة العبرية، في كل مرة يقوم الآخر ويبدأ بالمشي، يهتز مبنى القوة ويمتلئ بالعواصف على أشكالها.

العواصف تهبّ من قبل هؤلاء الذين يمتلئون غضباً في كل مرة يتبين فيها بأن سلطتهم التي تبدو  بديهية هي في الحقيقة وهم او أمنية دفينة على الاكثر. مع ذلك، فهناك فلسطينيون في الحيّز، وهم لم يتبخروا بل كثروا، وهناك اصوات اخرى ترفض قطعاً وبمنهجية الرؤية اليمينية المهيمنة، وهناك شعراء ومبدعون يشكلون النقيض للاحتلال الهمجي والاستيطاني، وهناك منظمات واشخاص يهود، فلسطينيون وآخرون يناضلون بشدة ضد الاضطهاد والمضطهدين ويطرحون امكانية التحرير، العدل والانصاف في العلاقات بين الشعوب وبشكل عام. من هنا، يمكننا أن نقرأ بصورة أفضل عواصف و”امواج” اليمين التي تثور كلما شوشت أصوات أخرى على عالمهم، وبالأخص صوت درويش الذي يعرف ملامسة “الوجودي” لديه ولدى غيره.

مع ذلك علينا عدم الاستهانة لا بشعور النصر في هذا المعسكر ولا بالرياح اليمينية التي تهب في اماكن اخرى والتي يمكننا أن نشعر بها هنا ايضاً. شعور القوة الذي يعيشه ويشعره معسكر اليمين في اسرائيل يجعله اكثر وضوحاً، صلافةً وثقةً بتوجهه العنصري الذي قد يتطور الى نوع من الفاشية الموجودة او إلى أبارتهايد اسرائيلي معلن. بل انه من غير الممكن الحول دون حدوث ذلك اذا ما صمم هذا اليمين على رغبته بالحفاظ على سيادته في الحيز الذي يقع بين البحر والنهر ملغياً الفلسطيني وانسانيته، حقوقه، حرياته وكرامته.

هذه قد تكون نتيجة شبه حتمية لتحولات اقليمية اوصلت اسرائيل لأفضل حالة استراتيجية منذ عقود. في هذه النقطة الاستراتيجية، اليمين الاسرائيلي يشعر بانه قوي وواثق بما فيه الكفاية لتحقيق نفسه ومآربه. وهو بالفعل يقوم بذلك مُسطِّحاً الديموقراطية ومحتكراً الدولة ومواردها. وفي طريقه الى هناك يقوم بالاسكات، الإقصاء، يشرع القوانين ليتجاوز العثرات، ينكر ويشوه الحقائق ويخترع جديدة مكانها حتى أنه يتهم ضحيته الفلسطينية– درويش- بأبشع الجرائم.

فهو يشعر بالنصر، وفي النصر كما في النصر، من الافضل بأن يكون النصر شمولياً- حتى ان كان الماضي القريب يدحض هذه الفرضية ويسخر من هؤلاء المصممين على بطلانه.

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.