فيما يتعدى العُنف واستنكاره!

مجتمعنا يشعر بفُقدان الاستقرار والأمان أو السيطرة على المصير والمستقبل، شعور يُرافقه الاغتراب الداخلي والخارجي: “الداخلي” يولّد عدم ثقة بالقِيَم أو بالقوانين الاجتماعية أما “الخارجي” فيتمثّل في الشعور العام لدى المواطنين العرب بأن أجهزة القانون والعدل لا تمثّل المواطن ولا تُنصفه أو أنها تعاديه فيلجأ إلى تحصيل حقوقه بيديه.
مرزوق الحلبي

    

لن يكون من الحكمة أن نشير إلى سبب ونقول هنا جذر العنف في مجتمعنا العربي في إسرائيل. للعنف- كأي ظاهرة اجتماعيةـ جُملة من الأسباب المكوّنة له. لن آتي على جميعها هنا بل على ما أعتبره أسباباً رئيسية له. وقد صار لزاماً أن نفعل ذلك في ضوء هذا الكم الهائل من الكتابات “المتخصصة” عن العنف وحوله والتي تنحو على الغالب منحى توصيفيًا أو استعراضياً دون خوض حقيقي في “الشائك” وفي العمق. سأتعمّد الإيجاز والكتابة الإدارية لأن مقالي هذا ليس تلخيصاً لنقاش وإنما إسهام فيه.

– من الأسباب البُنيوية للعنف هو كوننا مجتمعاً مقهوراً يمارس حياته تحت سقفِ سُلطة الآخر وسيادته، الأمر الذي أفضى إلى خلل وجودي يتجسّد في طفرات عنف عند المجموعات أو سلوكيات عنف عند الأفراد. وهي ناجمة عن الرغبة في استعادة التوازن الوجودي وتجاوز الخلل. وقد أشارت أدبيات المقهورين إلى كونهم مسكونين بالعنف كنظام دفاع عن النفس. ومن عادة الخاضعين للسيطرة أن ينسخوا نظام القهر الخارجي الواقع عليهم إلى علاقاتهم الداخلية ويمارسوا العنف ضد الحلقات الأضعف بينهم.

ـ تأسيساً على محور حضور القهر فإن مجتمعنا هو مجتمع محروم على العموم. فقد تحوّل من ليلة إلى ضحاها من مجتمع أكثرية، صاحب المكان وجزء منه، إلى مجتمع فقير ومُستضعف يعاني شحّ الموارد والفُرص كأقلية تحت رحمة أكثرية. وهذا النقص خلق وضعاً من التنافس على القليل من الموارد المتوفّرة، يتحول في كثير من المنعطفات إلى تناحر وعنف مكشوف أو مستتر. لنأخذ ما حصل في العلاقة مع الحيز المكاني مثالاً. كان هناك وَفرة من الأرض تحوّلت إلى نُدرة ومثار توتّر وصراع يتحول إلى عنف محليّ من فترة إلى أخرى..ـ الإنسان المقهور (خلاف المتحرّر) كيان هشّ سريع الغضب والهيجان في علاقاته مع أمثاله. يستعيد توازنه وكرامتهـ وهما تحت التهديد دائماًـ باستعراض قوته على مَن هم مثله!

ـ اشتقاقاً مما سلف في مسألة الأرض- أرض أقلّ وناس أكثرـ نتج أيضا أكتظاظٌ شديد وصارت البلدة العربية بلدة تفجّر سكاني، هو أيضا مصدر للاحتكاك الدائم الذي ينفجر من حين لحين على شكل عنف يومي مصدره الحاجة إلى مكان وحيز!

إذن، هي نهضة مُعاقة تنكسر فيها سيرورة التطور العامودي والأفقي فتتشوش العملية الاجتماعية التي تتسم بالفوضى وهي تربة خصبة لممارسات عنفية للجماعات أو للأفراد بوصفهم جزءً من الجماعات.

ـ بناءً على ما تقدّم فإن مجتمعنا يشعر بفُقدان الاستقرار والأمان أو السيطرة على المصير والمستقبل. شعور يُرافقه الاغتراب الداخلي والخارجي: و”الداخلي” يولّد عدم ثقة بالقِيَم أو بالقوانين الاجتماعية، وفي التالي رغبة في التحرر منها لجهة أنماط من الاحتجاج وعدم الانضباط كتعبيرعن رفض الحالة أو استظهار رجولة مفقودة أو فحص الحدود مع “شلطات داخلية”: أما “الخارجي” فيتمثّل في الشعور العام لدى الجماعة العربية هنا والأفراد بأن أجهزة تطبيق القانون ونظام إحقاق العدل- المحاكم وغيرهاـ لا تمثّل المواطن ولا تُنصفه أو أنها تعاديه فيلجأ إلى تحصيل حقوقه بيديه. بل يكفي الشعور بأن هذه المؤسسات ليست مؤسساته ليُقيم لنفسه “نظاماً” مستقلاً يتعاطى من خلاله مع الأمور. وليس خافياً وِفق الأدبيات ذات العلاقة دخول الاغتراب عاملاً أساسياً في إذكاء نزعات العنف أو تحوّله إلى لغة متداولة أو عودة الفرد للتعويل على “مؤسسات طبيعية” كالعائلة والحمولة والأسرة لتحصيل حقوقه أو مصالحه!

ـ ما تقدّم يخلق حالة يصير السعي فيها إلى امتلاك السلاح- وعادة غير المرخّص- محصّلة حاصل تماشياً مع ما تقول به نظريات ذات صلة من أن حيازة السلاح هي فعل لاستعادة التوازن والشعور بالأمان وضمان الكينونة في شروط من انعدامه.

ـ إضافة إلى هذا وذاك، فقد شهد مجتمعنا تحولات جذرية في مفهوم السلطة أو في هرمية السلطات. فقد هدمت عملية التحديث القسري “سلطات” ومباني سلطوية داخلية موروثة أو طبيعية ولم ينشأ سلطة بديلة تضبط العلاقات.

ـ السياق العام المتشكّل على وقع نظام السوق واللَبْرلة الاقتصادية ساهم في تعدد القوى الاجتماعية في البلدة العربية وفي شيوع مفاهيم الربح والخسارة في العلاقات الاجتماعية التي تفككت قواعدها وأسسها التقليدية دون أن تتشكّل قواعد أخرى ناظمة للمجتمع وبانية لعلاقاته. فعائلات الجريمة جزء من المشهد كنشاط اقتصادي غير مشروع. والتنافس على الموارد القليلة أصلاً غير محكوم لقانون أو معيار متفق عليه.

ـ سلطة الدولة الحاضرة بقوة لضبط مجتمعنا مقابل المؤسسات والمجتمع الآخر، باعتبار مجتمعنا مسألة أمنية، غائبة بشكل شبه تام تقريباً عن الفوضى الداخلية وانعدام اللُحمة الاجتماعية. بل من العادة أن تناور السلطات في استعمال الساحة الداخلية لتهدئة الخارجية: بمعنى، أنها قد تلجأ إلى تسخين الأوضاع الداخلية أو تركها لشأنها مقابل تطبيق القوانين على خط التماس معها.

إنها النهضة المعاقة أو حالة السيولة في تطور مجتمعناـ هي أيضا تجلب معها بذور العنف! إذن، هي نهضة مُعاقة تنكسر فيها سيرورة التطور العامودي والأفقي فتتشوش العملية الاجتماعية التي تتسم بالفوضى وهي تربة خصبة لممارسات عنفية للجماعات أو للأفراد بوصفهم جزءً من الجماعات.

وأخيراً، ومن وحي هذه المرحلة، لا يُمكنني أن أصدّق أناساً يهتفون ضد العنف هنا ويهتفون في الوقت ذاته للطاغية في الشام وينافحون عن دمويته وتدميره عشرات المدن والأرياف وتحويل ثلثي الشعب السوري بين نازح ولاجئ ومهجّر وقتل نحو 400 ألف من أبناء وبنات شعبه. ولا أصدّق الذين يفرحون لمجيء الطائرات الروسية لتعبث خراباً في سورية. أو بمعنى آخر، لن أصدّقك وأنت تتحدث ضد العنف بينما أنت تستبطنه، ولو قيّض لك،  لمارسته بأبشع صوره ضد المختلفين عنك. كيف يُمكنك أن تكون ضد العنف وأنت مشروع احتمالي له؟ كما أنني لا أصدّق رجل دين يعنّف ويحرّض ويحقر الآخرين ويفتري على بنات شعبه مستغلاً وقوفه على منبر المسجد، بينما هو يعظنا بأن العنف آفة وأن الأفضل أن نسوّي أمورنا بالحوار!

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.