دليل الأمكنة!

مرزوق الحلبي

 

في الحديقةِ العامةِ

التي من المفروض أن تكون،

مقاعدُ كافيةٌ للجميع

يجلسون عليها ويضحكون من تعاستهم!

 

في الساحة فائضٌ من منابر

يرتفع الكلامُ فيها أعلى

من قاماتِ الخُطباءِ

ثم يرتطمُ بالأرضْ

 

في الجليلِ أكثرَ منْ زيتونةٍ

تختبئُ في جوْفِها حيّةٌ

وحولها ألفٌ يدّعي كلُّ واحدٍ منهم

أنه شاعرُها الأوحدُ

 

في مرجِ ابنِ عامر

أكثر من نصراويةٍ

ونُدبة بيّنة

وغريبٍ يلتقطُ صورةً لعبّادِ الشمسِ

 

في لغتنا فائض من ثقوبٍ

ينفذ منها المبتذلون إلى القصيدة

ويتسلّل الاِشقياء

ويأتي منها “الأصدقاءُ المنافقون” أفواجا!

 

في البحر ما يكفي مِن زُرقةٍ

لي ولكِ

نغيب فيها عن أعينِ الحرسِ

ونحضرْ

 

في الغابةِ ما يزيدُ من خُضرةٍ

يجري فيها القلبُ

وراءَ أكثر من حُبّ

 

في الشُرفةِ، ما أزهرَ مِن وردٍ

وقصّة حبّ باقيةٍ

وأمانيَ لا تزالُ هناكِ

وأغاريدْ

 

على طاولةِ الشاعرِ

قلمٌ واحدٌ وعشرُ مَماحٍ

لأن الشعر محوُ للكلامِ

وسِواهْ

 

في الجريدةِ أقلامٌ

تكتب من اليمينِ إلى اليسارِ

ومن اليسار إلى اليمين

بصوتٍ واحدْ

 

في الوجدانِ

بوصلةٌ تتبّع إبرتُها

أصواتَ المظلومين

وتخِز!

 

في البراري

وحشٌ واحدٌ يطاردُ الحيواناتِ

التي يُمكن أن تكونَ ودودةً

لولا بندقيّتُه!

 

في المجازِ

الطعنة منَ الخلفِ

لا تقتل الحقَّ وإن أردَتْ

رسولَه

 

في البرارِي حجَلٌ يكرُجُ،

في عينِ كلِّ حجلةٍ صورةُ صيَّادٍ

وفي قلبِها

خراطيشُهُ!

 

في البُرجِ حارسٌ

يعدُّ النجومَ التي ضيَّعها في طفولته

ودقات قلبه

ريثما ينتهي الوقتُ الضائعُ

 

وسط المدينةِ سورٌ عالٍ

تعشِّشُ الطيورُ في جانبٍ منْهُ

وتأكل الحَبَّ في الجانبِ الآخرْ

وتطيرُ على قدرِ شغفِها

 

في المرصدِ عينانُ ثاقبتانُ

واحدة ترى إلى الغربِ

والثانيةُ إلى الشرقِ،

كالغربِ!

 

في الفضاءِ طيرٌ جارحٌ

لا ينقضّ على العصافيرِ

وهي تُغنِّي!

 

على جنباتِ الشارعِ

أوراقُ شجرٍ مُتعَبَةٍ

تُؤنسنا كلّما سِرنا وحيديْن

 

في أيامِنا التي لم تُفلتْ منْ قسوةِ الجفافِ

شقوقٌ،

تطلعُ مِنْها العفاريتُ وبعضُ النراجسِ

 

في الفجرِ ما نحتاجُه مِن ضوءٍ

يطردُ العتمةَ خارجَ الوقتِ

كي يُوقِظنا الديكْ

 

في المساءِ أكثرُ منْ فُسحةٍ

تسْكنُها الآمالُ التي تُبقينا

أحياءْ

 

على الشاطئ ما يفيضُ من رملٍ

لقصورٍ نبْنِيها

وموجٍ يهدِمُها

وضحكاتُ طفولتِنا

 

في الإطارِ صورةٌ

يظهرُ فيها ملائكةٌ بِيضُ،

وأنبياءٌ منَ الرجالِ،

وشيوخٌ ملتحون،

ونسوةٌ ينتظرنَ مكسورات الأعناق

 

في تاريخِنا هُوىً سحيقةٌ

يخرج منها تنِّينٌ ينفثُ النارَ

فتحترق صورتُنا في أعيُنِنا

 

في موروثنا أساطيرُ

وفي الأساطيرِ أبطالُنا يَذبَحون أبطالَهُم

فيستقِرُّ الوجودْ!

 

في حكاياتِنا فائضٌ من تفاؤلٍ

شديدٍ

تجعلُ النهاياتِ متوقَّعةً

والخيباتِ أشدّْ!

 

في جُرحيَ المفتوحِ

مِلْحٌ، عبَّأهُ الأخوةُ ذَرّةً ذَرّةً

وعلى شفةِ الجُرحِ نَظراتُهم التي تعرفُونَها

من جراحِكُمْ!

 

في ظهريَ اكتظاظٌ شديدٌ

بألسن تستغيب وأيادٍ تطعنُ

المهمّ أن وجداني بقيَ حيًّا!

 

بين أصابعي منزلق للوقتِ

لكن السبابة باقية هناكْ

 

على شباكي ماءٌ وحَبٌّ للعصافيرِ

وبطاقةُ اعتذارٍ علَى ما فعلتُهُ بِها

في صِبايْ

 

في أرضِنَا ما يَفيضُ

من شواهدَ وقُبورٍ

وأكاليلَ زُهورٍ لا تستُرُ هَوْلَ الجَريمةِ

 

في كلامِنَا أكداسٌ منَ أفعالِ القلوبِ

والقليلُ القليلُ منَ الأفعالِ

القادرةِ على السيْرْ

 

في المُنجدِ أكوامٌ منَ الخُردةِ

وفي متنِه جثَثٌ لمُفرداتٍ ميِّتةٍ

تسدُّ طريقَ الأفعالْ!

 

في مدخلِ حديقتِي اختراعٌ عجيبٌ

لتدويرِ الأغصانِ الجافةِ

والوقتِ الهاربِ منَّا

سهلة التشغيل، فاضغط على الزرّين الأزرق والأبيض

وأنتَ فادمْ!

 

في قلبي أمكِنَةٌ

للذينَ أحبّهمْ

ولا كراهيةَ لأحدْ

 

في عينيَ،

كل أحزانِ الحلّاجِ

وإشراقةُ العارفينْ

ولمعةُ العاشقينْ، العاشقينْ

 

في العقلِ،

مجَرّةٌ منْ أسئلةٍ

وإمامٌ واحدٌ

وقوافلٌ من الآلهةِ التائهينْ!

 

في الدنيا،

متّسعٌ لكلِّ شيءٍ

كي نعيشَ

وكي نموتَ دون أن ينقصَنا شيْءْ

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.