كيف انجرَّت الهويّةُ اليهوديَّة-العربيَّة الى مجال الخيال العلميّ بالعبريّة

على ضوء مقطع الفيديو الذي نشره يوسي تصباري، يدور في الفيسبوك نقاش حول الهوية اليهودية-العربية: مرة أخرى يحدث ذلك بالأساس باللغة العبرية، مع بعض الانجليزية والفرنسية، دون اللغة العربية، التاريخ العربي، الثقافة العربية والفكرالعربي.
الموج بيهار

 

في الايام الاخيرة يجري عبر الفيسبوك نقاش حول الهوية اليهودية العربية وحول اليهود-العرب، ومرة أخرى يحدث ذلك بالأساس بالعبرية، مع بعض الانجليزية والفرنسية، دون اللغة العربية، التاريخ العربي، الثقافة العربية والفكر العربي. سلسلة النقاشات بدأت هذه المرة مع الفنان الكوميدي يوسي تصباري ومونولوج “ترشميري” (أي سجّلي ميري، بالإشارة الى وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريجيف) الذي نشر في برنامج نداف بورشطاين “حي بلايلة” وحصد دعماً ورفضاً، وأتى بردود كثيرة، منها مقطع لأوفير طوبول نشر أيضاً في نفس البرنامج.

تصباري يعتبر ميري ريجيف في قصيدته عربية، رغم ان عائلتها كانت تتحدث الحكيتية، وهي خليط من الاسبانية-اليهودية من شمال المغرب، ومن غير الجائز انها عرّفت نفسها على أنها عربية لا سيما وأن الهوية العربية مرتبطة ارتباطاً شديداً باللغة العربية. طوبول، بدوره، رأى أن تعريف تصباري لنفسه كعربي ما هو إلا محاولة لاسترضاء وجهة النظر الاشكنازية، وبأن هذة الفكرة ولدت في سنوات التسعين بين اواسط اليسار الراديكالي، دون أن يكون لها تاريخ. ويتسلى طوبول بفكرة اذا ما كان يتوجب مناداة تصباري بيوسف مكان يوسي، وهو يسخر بهذا من العادة التي كانت مقبولة في كل المجتمعات اليهودية متحدثة العربية، والتي نظرت الى الاسماء العبرية التي لها موازية عربية مباشرة كأسماء مشابهة بالامكان استبدالها وفق السياق. طوبول “يذكر” تصباري بأنه يهودي، وكأن الأخير نسي، رغم أنه يقول ذلك بوضوح في قصيدته (بالعربية)، ويقترح كبديل فئة “ابن المكان”، ولو أنها ليست أقل اشكالية، مثل أية فئة هوية أخرى، وهي بالتأكيد ليست سهلة على سلالة مواليد المغرب واليمن في البلاد.

لكي نتحدث عن المصطلح عربي يهودي بجدية يجب معاينة معنى الكلمة عربي ليس فقط باللغة العبرية في أيامنا او بالفرنسية الكولونيالية، بل بالعربية أيضاً وبالطريقة التي تغيرت بها الكلمة مع بداية الاسلام، ومجدداً منذ نهاية القرن ال-19 حتى أواسط القرن العشرين، ومنذها وحتى اليوم، وكذلك الفروقات في فهمها في المغرب، المشرق واليمن. هذه المعاينة يمكنها أن تفسر لماذا كان جزء من يهود العراق، سورية، لبنان ومصر يسمون أنفسهم عرباً قبل مغادرة بلادهم، ولماذا لم يسمي أغلب يهود المغرب واليمن أنفسهم عرباً قبل مغادرة بلادهم في المقابل. النقاش حول حدود العبرية دون العربية يشوش الاسباب والفروقات، بما يخفي، مثلاً، حقيقة ان المسلم في المغرب وتونس لم يسمي نفسه في بداية القرن العشرين “عربي”، رغم اننا أحياناً قد نسميه عربياً بلغتنا دون أن نعتذر، كما نسمي ابناء المهاجرين من الجيل الثاني والثالث من المسلمين من العالم العربي الذين هاجروا الى اوروبا وأمريكا، حتى دون أن يتقن هؤلاء العربية، بما يشبه اغلبية سلالة اليهود من العالم العربي في اسرائيل اليوم.

في مسألة الهوية العربية اليهودية السؤال هو كيف يمكن تسمية يهود العالم العربي باسم واحد، بينما لم يكن لهم في السابق اسماً واحداً، وهل نسميهم يهود شبه الجزيرة أم يهود العالم العربي ام اليهود العرب. بيد ان ذلك ليس قراراً قاطعاً مثله مثل السؤال حول كيفية تسمية يهود العالم الاسلامي والعثماني، او كل اليهود غير الاشكناز في اسرائيل، باسم واحد، والذي لا يمكنه ان يكون قاطعاً.

فئة اليهود العرب تتواجد بالتأكيد في المشرق العربي منذ نهاية القرن ال-19، لذلك فاليهود العراقيون، السوريون، اللبنانيون والمصريون إستخدموها أيضاً في البلاد، قبل سنوات التسعين بكثير وقبل الخطاب الشرقي الراديكالي الجديد. في المقابل، أغلب يهود المغرب العربي تركوا بلادهم قبل أن يبدأ المسلمين المدنيين متحدثي العربية بتسمية أنفسهم عرباً، أي أنهم تاريخياً لم يسموا أنفسهم تقريباً باليهود-العرب. من الممكن اذاً رفض فرض الفئة المشرقية بأساسها على المغرب واليمن، لكن من غير المنطقي القيام بالنقيض، وفرض إنعدام الفئة، كما كان في المغرب حتى مغادرة اليهود، على المشرق.

قبل الاسلام، العرب كانوا من سكنوا في شبه الجزيرة العربية، وحينها بالضرورة كان هناك يهود-عرب، كما يظهر في “الجمارا” وفي كل المصادر العربية (بما يشمل شعراء الجاهلية اليهود-العرب مثل صموئيل ابن عدايا). بعد الاسلام، العرب كانوا ساكني شبه الجزيرة ومن خرجوا منها والبدو، وعندها سمي اليهود متحدثي العربية “المستعربون”، مثل المسيحيين متحدثي العربية، مع حالات قليلة، خصوصاً في الاندلس، ليهود سمّوا أنفسهم عرباً. حتى نهاية القرن ال-19، العرب كانت فئة إثنية للبدو وساكني شبه الجزيرة العربية، أما المسلمين في المدن الكبيرة في المشرق والمغرب فسميوا مسلمين لا عرب، الا انه والى جانب ذلك فقد كان هنالك بين اليهود من تماثلوا أيضاً مع فكرة العروبة، كثقافة وميراث. منذ نهاية القرن ال-19، وبتأثير حركة النهضة، تحولت العروبة تدريجياً الى تعريف لغوي وقومي جديد، وشملت بداخلها اليهود والمسيحيين، وقد كان لهذا تأثيراً حتى 1948 خصوصاً بالمشرق.

مع صعود جمال عبد الناصر في مصر، فكرة الهوية العربية القومية الجامعة لكل متحدثي اللغة العربية أثّرت على كل العالم العربي، إلا أنه وفي هذه المرحلة كان أغلب يهود اليمن ويهود المغرب في طريقهم الى الخارج (وفي الجزائر تحوّلت أجيال، خلافاً لإرادتها، لمواطنين فرنسيين)، وقد ألقى الصراع العربي الاسرائيلي بظله على شمل اليهود في الفئة بعد 1948 (في حدود ارض اسرائيل الانتدابية، هذه الفئة اصبحت شبه غير ممكنة منذ 1929).

بالاضافة الى كل ما ذكر يجب الاضافة بأن في الهوية العربية اليهودية هناك خلط بين التعريف والتماثل، كما في كل هوية. خيار الفرد تعريف ذاته كيهودي-عربي، والذي قد يكون بسبب الموروث الثقافي والتاريخي، وقد يكون بسبب تماثل آبائه وأمهاته ما قبل الصهيونية مع هذه الفئة، وقد يكون احتجاجاً على الواقع الآني، الا انه لا “يجب” أن يقابل برفض كبير كما يحدث الآن. مقابل ذلك، فمن الواضح أنه عندما يكون التعريف خارجياً، فهو يسطّح الفروق التاريخية: عندما يتم تعريف السفرادية ميري ريجيف على انها عربية، وعندما يتم تعريف كل اليهود الشرقيين كعرب وتهميش متحدثي السفرادية -اليهودية بمختلف لهجاتها، التركية، اليونانية، الكورمونتشي، البلغارية، الآرامية الجديدة، الفارسية بلهجاتها، الأمازيغية وغيرها. عندما يحدث هذا، وهناك فعلاً  فرض للهوية العربية على كل الشرقيين الذين اتى قسم منهم من ثقافات غير عربية، وفرض للرواية اليهودية-العربية التي كان لها حضور بالأساس في المشرق، وخصوصاً في العراق، على كل اليهود الشرقيين، فمن الطبيعي بأن يقابل ذلك برفض من قبل البعض. لكن يجب أن نتذكر أيضاً بأن صعود هذه الهوية يرتبط بسيرورة الغاء العروبة التي مر بها يهود العالم العربي في اسرائيل في إطار “كور الصهر”، وأيضاً بتطهر القومية العربية فيما بعد من الامكانية بان اليهود كانوا مرة عرباً.

بالاضافة الى كل ذلك، يجب أن نضيف بأنه في مسألة الهوية العربية اليهودية، السؤال هو كيف يمكن تسمية يهود العالم العربي باسم واحد، بينما لم يكن لهم في السابق اسماً واحداً، وهل نسميهم يهود شبه الجزيرة أم يهود العالم العربي ام اليهود العرب. بيد ان ذلك ليس قراراً قاطعاً مثله مثل السؤال حول كيفية تسمية يهود العالم الاسلامي والعثماني، او كل اليهود غير الاشكناز في اسرائيل، بإسم واحد، والذي لا يمكنه أن يكون قاطعاُ، وهو يتحرك بين الفئات القديمة- أبناء طوائف الشرق وسفراد- والفئات الحديثة- الشرقيين (او كما يقال بالعبرية “مزراحيم”). ليست هذه التسميات التي عرّف بها يهود العالم العربي أنفسهم، لكنهم أيضاً لم يسموا أنفسهم شرقيين، وحتى عندما سميوا عرباً في النقاش حول المسلمين في تونس في القرن ال-18، كان هناك اسقاط لهوية قومية حديثة على فترة سابقة.

يبدو من المنطقي تسمية ثقافة اليهود المتحدثين باللغة العربية ثقافة عربية- يهودية، ووضع لهجاتهم المختلفة بالعربية تحت الاسم المشترك العربية-اليهودية: في المقابل، كأفراد، يمكننا الحديث عن يهود شبه الجزيرة العربية ما قبل الاسلام كيهود عرب، وأن نتحدث عن المشروع اليهودي العربي في المشرق منذ القرن ال-19، وعن أفراد عرفوا عن أنفسهم بهذه الفئة مثل يعقوب تسنواع، أنوار شاؤول، ميري بصري، سمير نقاش  وآخرون. يمكننا الاشارة الى الاختلافات بين المراحل المختلفة لتعريفهم كيهود عرب منذ نهاية القرن ال19: فاذا ما كان التماثل في البداية مع النهضة العربية والثقافة العربية، فقد تغير في سنوات الثلاثين والاربعين للتماثل مع القومية العربية، أما لاحقاً وبعد العام 1948 وهجرة اغلبية اليهود من العالم العربي، فعندما تظهر فئة الهوية اليهودية العربية، فهي تعكس غالباً نقداً ضد المشاريع القومية المتزمتة، وضد الصهيونية التي قامت بالغاء عروبة يهود العالم العربي وقامت بدفعهم نحو هامش المجتمع والاقتصاد، وضد الحركة القومية العربية والتي منذ 1948 وحتى 1967 قامت بشكل تدريجي بتقيأ غالبية اليهود ولم تعترف بهم كجزء من المجتمع العربي، باستثناء المغرب.

بالإمكان أيضاً ان نسأل: هل المليون يهودي الذين تحدثوا العربية في 1948، ما زالوا عرباً، ولو أنه لم يبقى منهم سوا بضعة آلاف يتحدثون العربية اليوم؟ من الواضح أن الجواب لا يمكن أن يكون ايجابياً بشكل مبسّط، الا أن نقيضه ايضاً ليس دقيقاً وهو نتاج عصر التفرقة والتطهير القوميين.

ذاكرة عربية، ثقافة عربية، مطالبة بمكان في التاريخ العربي- هي جزء من هوية يهود العالم العربي حتى اليوم، ولن تختفي بسهولة من الهوية في البلاد، في اطار الصراع العربي الاسرائيلي وعلى ضوء حضور العربية بشكل يومي. يجب الانتباه أيضاً إلى الخطاب في العالم العربي اليوم حول عروبة اليهود متحدثي العربية وأبناؤهم في اسرائيل. فهل تشكل كل هذه الامور مدخلاً لمستقبل آخر ومختلف عما نعرفه اليوم؟ حتى وان لم يكن الأمر كذلك، فإنها تشكل نقداً للقومية المتزمتة، العربية واليهودية، ولعصر الفصل، وبدايةً لبديل مركب اكثر. من أجل أن نتحدث عن كل هذة الأمور بطريقة مركبة علينا الخروج من الفئة اليهودية العربية والرجوع أيضاً الى التكافل اليهودي-الاسلامي.

 شاعر، كاتب وناقد أدبي، ناشط وعضو مؤسس في حركة “الشرقية المشتركة”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.