العدل الثقافي لدى ميري ريجف: حكر على الجمهور اليهودي!

مطالبة وزيرة الثقافة بتوزيع عادل أكثر للموارد الثقافية مُحق ويجب النضال من اجله، إلّا أن تحقيق تفسير الوزيرة لفكرة “العدل الثقافي” سيخلق واقعاً معادياً للديموقراطية، دون حرية وعدالة، وثقافةً ذليلة ومتدنية.
يوسي دهان

وزيرة الثقافة والرياضة، ميري ريجف، محقّة عندما تتحدث عن الحاجة لتعزيز “العدل الثقافي” في اسرائيل، وهناك حقيقة في كلامها حول توزيع الموارد المشوه للمؤسسات الثقافية والفنية والذي يميّز ضد جماهير مختلفة في المجتمع الاسرائيلي. نعم، مخصصات الدولة للثقافة يتم تحويلها بأغلبها لذات الجمهور ولذات المؤسسات الثقافية والفنية في تل ابيب، في حين لا تحصل شرائح واسعة في الهوامش الجغرافية والاجتماعية على حصة ملائمة من الموارد تسمح لها بتطوير واستهلاك ثقافة  تعتمد على تجربة حياتها وتعكس ثقافتها. هناك أيضاً حقيقة في إدعائها بأن تمثيل الجمهور الشرقي وسط متخذي القرارات المسؤولين عن تخصيص الموارد غير كاف، الأمر الذي ينعكس أيضا على مضامين الانتاج الفني باسرائيل.

هذه الظواهر تم توثيقها في وثيقة لائتلاف المنظمات “ليبي بمزراح” (أي: قلبي في الشرق) الذي راجع توزيع الموارد الثقافية بين الأعوام 2001-2008، حسب مجموعات مختلفة في الجمهور الاسرائيلي. تخصيص الموارد غير العادل والمستمر منذ أعوام، يخالف روح قانون الثقافة والفن من عام 2002، والذي ينص على “التعبير عن التنوع الثقافي في المجتمع الاسرائيلي ووجهات النظر المختلفة الموجودة فيه”.

العدل الثقافي يشمل أيضاً حق الأفراد والمجموعات بحرية الانتاج الفني، الحرية التي تدوس عليها ريجف عندما تعمل على قطع ميزانية مسرح الميدان العربي في حيفا لعرضه مسرحية لم ترق لها.

أناس كثر، بينهم شخصيات ثقافية ونشطاء شرقيون يناضلون من أجل التعددية الثقافية وضد التمييز والقمع الثقافي التاريخيين، يدعمون موقف ريجف. من الصعب ألا نتعاطف مع موقف الوزيرة على ضوء رفض المدراء الأبديين للمسارح ومؤسسات الثقافة تغيير ما يعرضونه، وعلى ضوء الانتقادات العنصرية ضدها من طرف بعض الاشخاص الذين يكسبون من هذه التسويات. الا انه يجب على من يدعم موقفها ويشاركها نضالها، أن ينتبه الى تفسيرها الضيق لمصطلح “العدل الثقافي”، والذي يجعلها من أخطر الأعداء لهذه الفكرة. هكذا، على سبيل المثال، فكرتها عن العدل في التوزيع تقتصر فقط على التوزيع العادل للموارد ضمن الجمهور اليهودي، ولا نية لدى الوزيرة لتصحيح التمييز المستمر ضد الجمهور العربي في مجال الثقافة.

يجدر الذكر أن مصطلح “العدل الثقافي” لا يقتصر فقط على توزيع الموارد اللائق، بل يشمل حق الأفراد والمجموعات الثقافية بالانتاج والتمتع بالثقافة في ظروف من الحرية. العدل الثقافي يشمل أيضاً حق الأفراد والمجموعات بحرية الانتاج الفني، الحرية التي تدوس عليها ريجف عندما تعمل على قطع ميزانية مسرح الميدان العربي في حيفا لعرضه مسرحية لم ترق لها. العدل الثقافي يجب ألا يكون مشروطاً باجتياز امتحان “الولاء الثقافي” الذي تطرحه الوزيرة، وهو الامتحان الذي سيحرم مؤسسات ثقافية من الميزانيات بحجة المس بدولة اسرائيل ورموزها. المزاوجة بين “الولاء للحكم” و”الثقافة” هي بمثابة تناقض.

ريجف تدعي أنها “ليست صرافاً آلياً”، وانها كوزيرة ثقافة تتمتع “بحرية التمويل”، أي بالحق والصلاحية لتحديد أية أعمال ومؤسسات ثقافية تستحق الحصول على تمويل من الدولة. هذا الفهم تم التعبير عنه بحدة أكثر هذا الأسبوع، عندما إدعت الوزيرة أن على الحزب الحاكم التدخل بالتعيينات والمضامين في شركة البث الجماهيرية. الحق في “حرية التمويل” معناه لدى الوزيرة بأن الفن والثقافة في البلاد سيضطرون الى عكس افضلياتها وافضليات حزبها الحاكم. “حرية التمويل” تعني تقليص حرية التعبير لدى الفنانين، تحديد قدرتهم على اطللاق خيالهم، وعلى التشكيك بالمسلّمات وبالقيم المقبولة، وعلى انتقاد الاقتصاد، المجتمع والسياسية القائمين وطرح بدائل خلاقة.

مطلب ريجف لتوزيع عادل أكثر للموارد المخصصة للثقافة والفن، وللتمثيل اللائق للمجموعات المختلفة بإسرائيل بهيئات اتخاذ القرار، هو مطلب مُحق ويجب النضال من اجله، إلّا أن تحقيق تفسير الوزيرة لفكرة “العدل الثقافي” سيخلق هنا واقعاً معادياً للديموقراطية، دون حرية وعدالة، وثقافةً ذليلة ومتدنية.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.