ميرتس بين الايديولوجية الكونية و"التخفيضات" الانتقائية

بإمكاننا ان نسأل ان كان امتناع فريج عن الدعم العلني للمجتمع المثلي صحيح استراتيجياً أم لا، ولكن عندما يحدث ذلك بحزب مثل “ميرتس” فذلك يشير الى نفاق الحزب ومعاييره المزدوجة.
اوفك ازولاي

 

لطالما وضع حزب “ميرتس” القيم الليبرالية الكونية على رأس سلم اولوياته. الحزب يزعم بأنه يصقل كافة المنضمين الى صفوفه بحسب المعايير الأخلاقية للعدل والمساواة بمعناها المطلق، ان كان هناك وجود لهذه، دون ان يضع لنفسه حدود تتعلق بالتصادمات الثقافية، أخذ المجموعات المحافظة والدينية بعين الاعتبار، او الاستخدام العملي والدلالي لمعالم سياسة الهويات. العكس هو الصحيح بالحقيقة. لطالما رفض الحزب سياسة الهويات من أساسها بحجة أنها تعيق النضالات وتقسم المناضلين بدلاً من توحيدهم تحت سقف هدف مشترك. “سياسة الهويات تهدم كل شيء جيد، بكل العالم”، ذهب عضو الكنيست السابق والمثلي المعلن نيتسان هوروفيتس الى القول في مقالة نشرها حول الموضوع بصحيفة “هآرتس”. منذ تأسيسه يتباهى “ميرتس” برؤية علمانية بحتة. المرحومة شولاميت الوني، مؤسسة “ميرتس”، زعزعت اروقة الكنيست المحافظة عندما وصلت الى المبنى بيومها الاول كعضو كنيست عن “مباي” وهي ترتدي فستاناً يكشف عن أكتافها، وكذلك عندما كانت منتخبة الجمهور الاولى التي تقيم طقوس زواج مدني رمزية او عندما اخرجت القانون الذي يمنع نكاح الذكور والذي يعود لفترة الانتداب البريطاني من كتاب القوانين بدولة اسرائيل.

لكن في الماضي غير البعيد بدأت تظهر فجوات بين الكونية المعلنة وبين انعكاساتها الانتقائية على المجموعات المختلفة بالمجتمع الإسرائيلي. مثال أخير على ذلك كان عندما قامت رئيسة الحزب الحالية، زهافا جلؤون، بنشر مشاركة احتجاجية تنادي بتأجيل سباق في القدس اقيم باليوم الاول من شهر رمضان، ذلك تفادياً لإقصاء المجتمع العربي من السباق، في حين  قامت كتلة ميرتس في رعنانا قبل أشهر من ذلك بنشر مشاركة تبارك اقامة السباق البلدي في يوم السبت مما يحمي، برأيهم، “الحياة المتحررة بالمدينة”. لم يبدو بأن اقصاء المتدينين والمتدنيات اشغل احداً هناك في “ميرتس”.

لا يكفي النفاق العادي الذي قد يضعف الشرقيين او المتدينين، المجموعات التي لم يزعم “ميرتس” تمثيلها بيوم من الأيام، فالنفاق بهذه الحال يمس بجمهور لا يتردد “ميرتس” بالقول بأنه الوحيد الذي يمده بالرعاية ويطالب بحمايته من مظاهر الكراهية.

المعيار المزدوج وصل أوجه مرة أخرى بالأسابيع الأخيرة عندما سمعت أصوات نقدية في الحزب تجاه عضو الكنيست عيساوي فريج لأنه لا يتجرأ على الحديث عن المثليين او المشاركة في مسيرة الفخر. فريج ادعى بأن ذلك يعود لكون المجتمع العربي مجتمع محافظ، ولكنني اتسائل ماذا كان سيحل بالحزب لو ان عضو كنيست شرقي يمثله قام بعرض ادعاءات مشابهة (هذا على افتراض بأن واحد كهذا نجح، بقدرة قادر، على التسلل الى صفوف “ميرتس”). لكن، كما هو معروف، في اليسار الأبيض يتم فرض الايديولوجية على اليهود فقط بينما بالإمكان اعطاء تخفيضات للعربي (المغاير بميوله) الذي يسحق من قبل محتله اليهودي. ذلك دون الاخذ بعين الاعتبار الفتيات والفتية المثليين بالمجتمع العربي الذين يواجهون رهاب المثلية في كل يوم ويوم.

يبدو بأن فريج الذي يدعم القوانين المؤيدة للمثليين سراً، حصل على اعفاء من الجانب العلني لهذا النضال. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فالنقد الذي يوجهه نشطاء مثليين داخل ميرتس على توجه فريج والدعم الذي يحصل عليه من بقية اعضاء الكنيست بالحزب يقابل بالإسكات منذ مدة طويلة. “هذا عمل ممنوع القيام به”، قالت جلؤون رداً على النقد الذي وجهه احد النشطاء المثليين بمؤتمر الحزب الذي عقد قبل عدة أشِهر في الناصرة. عضو الكنيست ميخال روزين (وهي رئيسة المنتدى الفخور، للتذكير) اضافت من جهتها وكتبت بأنه “تم تجاوز خطوط حمراء” بالنقد الداخلي بالحزب وبأن “هناك تشكيلة من الآراء في ميرتس”، وكأن النضال المثلي ليس جزءاً من مركبات الاجماع الذي تأسس “ميرتس” عليه حتى الآن بل موضع خلاف بين يمين ويسار. بكلمات أخرى، روزين قالت “لا تمسوا العربي المقدس خاصتنا.”

لا يكفي النفاق العادي الذي قد يضعف الشرقيين او المتدينين، المجموعات التي لم يزعم “ميرتس” تمثيلها بيوم من الأيام، فالنفاق بهذه الحال يمس بجمهور لا يتردد “ميرتس” بالقول بأنه الوحيد الذي يمده بالرعاية ويطالب بحمايته من مظاهر الكراهية. على ضوء هذا التعامل، بإمكاننا ان نفهم بأن “ميرتس” يعمل من أجل هذا الجمهور فقط عندما يكون الحديث عن عرب علمانيين وليس عندما نتحدث عن مثليات عربيات او عن العرب المتحولين جنسياً.

“ميرتس” فشل بإحدى محطات الامتحان الأهم حول ازدواجيته الأخلاقية. بإمكاننا ان نسأل ان كان امتناع فريج عن الدعم العلني للمجتمع المثلي صحيح استراتيجياً أم لا، ولكن ليس عندما يحدث ذلك بحزب مثل “ميرتس”: في “يش عتيد” او “المعسكر الصهيوني” نستطيع ربما تمرير ذلك وقبول الادعاءات حول البراغماتية والسياسة المدروسة لكن ليس عندما يكون الحديث عن حزب يبجل الدعم غير المتواني والمتزمت أحياناً للمجتمع المثلي. تنصل “ميرتس” الذي يعرض نفسه في أي نضال ممكن كحزب ايديولوجي أكثر منه براغماتي، تنصله من التهمة، أحياناً من خلال تجاهل جماهير مختلفة، ان أكد على شيء فهو يؤكد بالأساس على نفاقه البشع.

ناشط مثلي شرقي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.