كل الحقيقة حول خلية اليساريين النائمة في برلين

فكرة وجود خلية نائمة من النشطاء الإسرائيليين اليساريين في برلين هي ليست إلا امنية دفينة، فكما ان هذه النواة ضئيلة في إسرائيل فهي ضئيلة بأماكن أخرى. ايريس حيفتس توضح كيف تم تشكيل نظرية كاملة بناءً على وجبة عشاء واحدة!
ايريس حيفتس

 

فقط قبل أيام اكتشفت بأن وجبة رأس السنة (العبرية) التي نقيمها بكل عام على مائدتنا في برلين شكلت أساساً لنظرية كاملة تعتمد على يوم عيد واحد، اربعة أرجل لطاولة “ايكيا” و-30 مقعداً. القصد عن مقالة ايلانه همرمان التي ردت على نعمان هيرشفيلد الذي رد بدوره على اوري افنيري الذي طالب الإسرائيليين في برلين بالعودة الى إسرائيل- كل هذا من على صفحات جريدة “هآرتس”. لأنني كنت المضيفة في الوجبة المذكورة، كان علي ان استفيق من سبات الكتابة الذي وقع علي لكي أصحح بعض المغالطات الهامة.

المقبلات: ورق عنب محشو بالأرز، فقع محشو بجبنة الماعز، فاصوليا خضراء، سلطة ملفوف ولفائف خبز بيتية

بالوجبة الاولى علينا ادخال الواقع الى الغرفة ونفض البدعة التي يتم وصفها بمقالات افنيري وهمرمان: الحديث عن وجبة مع نواة عائلية ثابتة ينضم اليها ضيوف مختلفون يتواجدون بالمدينة. بالإضافة الى همرمان وغيرها من الضيوف، كان هناك اسرائيليان سكنا في حينه ببرلين، وشاركا بالماضي بالفعل بالتظاهرات الاسبوعية التي تقام في بلعين وبدرس، مثلاً، وبنضالات أخرى مؤيدة للفلسطينيين ومؤيدة للشرقيين.

منذ ذلك الحين، الشاب الإسرائيلي الذي سكن لمدة بدولة اوروبية أخرى ومن ثم عاد لبرلين، اعاد جنسيته الإسرائيلية لأصحابها مقابل الحصول على الجنسية الألمانية (ورسخ الجملة الخالدة “Ausbürgerung macht frei”، أي أن اعادة الجنسية فيها انعتاق). أما الشابة فعادت للسكن بإسرائيل، وهي الآن أم وتعمل بالاضافة الى ذلك- في منظمة تتلائم طبعاً مع رؤيتها السياسية- لكي تستطيع دفع ايجار البيت الخيالي حتى بمصطلحات عالمية. الحديث عن شخصين رائعين وملهمين، ولا شك لدي بأن شخصيتهما تفرح أي انسان. لهذا، يمكنني أن أفهم بأن الكثيرين كانوا يريدون صحبتهم بهذه الدولة او تلك ولكنهما بنهاية المطاف اناس فرديين لا يتواجدان فقط لتلبية احتياجات كل من يطلب.

الحديث اذاً عن نظرية كاملة حول الحضور الواسع لنشطاء يساريين (إسرائيليين) في برلين، نظرية تعتمد كما ذكرت على وجبة عشاء واحدة وبعض الضيوف. في الحياة الحقيقية: حتى لو قامت إسرائيل بقصف غزة لأكثر من شهر وبدأ الدخان يخرج من آذان النشطاء اليساريين الإسرائيليين في برلين حتى خرجوا الى الشارع، ممكن أن يصل عدد هؤلاء، بتقدير كريم، الى مئة شخص ربما (اذا كان ذلك في الصيف وكان بعض أصدقائهم ممن يعيشون في الولايات المتحدة وإسرائيل في زيارة). فكرة وجود خلية نائمة من النشطاء اليساريين في برلين هي ليست إلا امنية دفينة، فكما ان هذه النواة ضئيلة في إسرائيل فهي ضئيلة بأماكن أخرى. بالإمكان كتابة المزيد والمزيد من المقالات حول ذلك في “هآرتس” لكن هذه ستشير بالأساس الى مكنون نفس اليسار المتخيل، لا أكثر ولا أقل.

في الواقع هناك على ما يبدو حوالي 15 ألف إسرائيلي يسكنون في برلين (هناك تقديرات مختلفة ومن الصعب معرفة العدد الدقيق، فكثير من هؤلاء الإسرائيليين يسكنون ببرلين بفضل جواز سفر بولندي او هنغاري مثلاُ ويتم احتسابهم على هذا الاساس. في فترات الصيف والحروبات، الأعداد على ما يبدو أكبر بكثير). الحديث عن مجموعة متنوعة- لهذا لا يمكن الحديث عن “الاسرائيليين ببرلين” كمجموعة متجانسة. بعضهم جاؤوا لأنهم يستطيعون، بعضهم لأن لديهم حب استطلاع او انهم يتبعون صرعات من هذا النوع او ذك، بعضهم وجدوا بأنه من الأسهل بأن يكونوا عزب بلا اولاد او مثليين او سحاقيات، بعضهم الآخر يريد ان يتعلم بظروف أفضل وأسهل، بعضهم يحملون الجواز الالماني ويحصلون على دعم قليل من حكومة المانيا (ولو انه لا يمكن الاستهانة بحجمه بمصطلحات إسرائيلية). النشطاء اليساريون من بين هؤلاء هم مجموعة صغيرة كلها تعرف بعضها البعض تقريباً. كما في إسرائيل. أي: قلة قليلة تحمل معنىً رمزياً ليس أكثر.

برلين
ناشطات تحملن لافتات بالعبرية في مظاهرة اقيمت ببرلين بعد الحرب على غزة عام 2014

وعليه، فأيضاً مقالة ليسا بيرتس التي نشرت بالموضوع لا تصيب الحقيقة بل تعبر عن جانب آخر من عدم القدرة على تحمل الفقدان الذي تجلبه هذه الهجرة معها، مثل أي هجرة أخرى. في حين لا يستطيع افنيري وهمرمان تحمل فشل اليسار بإسرائيل وفقدان الكثير من الشباب الذين يتركون البلاد ويطالبون هؤلاء بالعودة بحجة نضال كتب عليه الفشل وكان مآله الفشل، تقوم بيرتس بتصويرهم كمجموعة موحدة تضم طلاب سينما معذبين، اتباع ثقافة هابطة و”طفيليين” لا سبب للتأسف على مغادرتهم. حتى لو استطعت كشرقية تفهم الغضب تجاه من يتخبطون بين شراء شقة في بئر السبع لعرضها للايجار او في برلين كاستثمار للأبناء، ففي الواقع لا يحظى الجميع بلعق مثل هذا العسل.

نعم، هناك إسرائيليون بين مواطني المانيا يحق لهم، مثل أي مواطن الماني، بأن يحصلوا على مخصصات رفاه- فلماذا نعتبرهم “طفيليين”؟ بهذه الحجة الفظيعة تم بإسرائيل، مثلاً، تبرير اختطاف اولاد من أهاليهم او ارسالهم لمدارس داخلية ومؤسسات اخرى. عدا عن ذلك فقد وافق مواطني إسرائيل قبل أكثر من عقد على التنازل عن مخصصات الاولاد، لكي يمنعوا، كما أراد تومي ويئير لابيد، هذه المخصصات عن اليهود الارثوذوكسيين والبدو، لكنهم قاموا بذلك بهدم مستقبلهم بأنفسهم. اليوم يقوم ابنائهم وبناتهم بتربية اولادهم في برلين ويتمتعون بتلك المخصصات التي ساهم أهاليهم في الغائها (كل هذا بعد نضال عنيد لحركة “الفهود السود” من اجل اعتماد هذه المخصصات). أمر مغضب حقاً. ولكن هل يوجد أي سبب جيد لدى من يؤمن بأن لكل انسان وولد حق العيش بكرامة لان يعارض مثل هذا العمل؟ اتعجب. بالوقت الحالي هناك في برلين على الاقل ثلاثة أشخاص يعتالون من مساعدة الإسرائيليين وعائلاتهم في عملية الهجرة.

اذا ما تطرقنا لليساريين الذين “خرجوا من الخزانة” فالحديث عن بضعة عشرات من الإسرائيليين يسقطون عليهم أهمية أكبر بكثير من أهميتهم الفعلية. من ناحية حكومة إسرائيل ومصنعها الدعائي، مجموعات الإسرائيليين هذه تشكل تهديد وجودي فيتم تصويرها ك”حركة مقاطعة” جماهيرية تشغل مكان ايران وداعش عندما لا توفر هذه البضاعة المطلوبة لإثارة الذعر. على نفس المنوال، يتصور النشطاء القدامي في منظمات اليسار على أشكالها بأن هناك مجموعة قادرة على كل شيء وبأن هذه اذا ما أخذت دورها بإسرائيل فستقصر المسافة للخلاص. كلا الطرفين على خطأ بالطبع. هذا التقدير المغلوط ينبثق عن فكرة العودة الى صهيون المغروسة عميقاً حتى لدى قدامى اليسار الصهيوني لدرجة أنها تثير عوالم خيالية بأذهانهم. حان الوقت للوجبة الاولى.

الوجبة الاولى: سمك بوري بصلصة حمراء ليست حارة جداً فيجب المراعاة…

بهذه الوجبة علي ان أصلح الذاكرة المعطوبة او المقولة المختلقة حول “في العام القادم سنجلس على الشرفة” (قصيدة لنعومي شيمر) التي قمنا بغنائها بحسب همرمان على مائدة العيد. بالطبع لم نغني شيئاً من هذا القبيل: فأولا، اجتمعنا بمناسبة رأس السنة لهذا فقد استقبلنا العيد بالرمان، السمك، التمر والكوسا وأكلنا التفاح بالعسل طبعاً (كما هو متبع برأس السنة العبرية). من أين جاءت الشرفة اذاً؟ قمت بفحص الموضوع مع الشاب الاشكنازي الذي ساعدني على تحضير الطعام عندها، واكتشفت بأنه حتى لدى اليهود غير التلموديين بتاتاً ليس من المتبع استقبال العيد بأغنية الشرفة.

الى ذلك، يتم تصويرنا أيضاً كمستهلكي برامج اذاعية على “غالي تساهل” بساعات ما بعد الظهر. بالطبع لا اساس لهذا من الصحة- فهل هاجرنا الى برلين من أجل ذلك؟ لو كان من المهم بالنسبة لي بأن يسمع اولادي اعلانات تدعوهم لزيارة متحف سلاح الجو بالعيد او التقاط الصور الى جانب دبابة بساحة المدينة، لما ابتعدت حتى برلين حيث يتواجد حتى الآن احد المجتمعات الاقل عسكرة. هذا الوهم سعى الى تصوير وجبة العيد وتصويرنا كمجموعة “إسرائيليين” بما يتلائم مع الكليشيه حول الإسرائيلي المهاجر: هذا الذي يعيش جسده في الغربة المعذبة بينما نفسه التي تستلقي على الجدران والحواجز تتواجد في صهيون. كلنا اذاً نتوق لعد العصافير المنتقلة من اوروبا الباردة الى صهيون الحارة وللعودة معها الى “البيت” وللهبوط السلس في المطار حيث يقف بيت “الكوتج” (بالاشارة الى البيت الذي يظهر على علب جبنة “الكوتج” لشركة “تنوفا” الإسرائيلية والذي وضع لمدة سنوات بمنطقة المطار على لافتة اعلانية كبيرة تقول: “كوتج تنوفا- بانتظارك في البيت”). اليأس وامنية الحصول على حياة مريحة جعلونا نأخذ المسار المعاكس لاوري افنيري، وان نتصرف كلقلاق مع شعور مشوش بالاتجاه والوقت يجب ضبط بوصلته وتذكيره اين تتواجد القبيلة التي اقسم لها الولاء. هذه الفكرة الجامعة تثير النقاش الآن حول اذا ما كان فعل الهجرة من إسرائيل هو فعل سياسي أم لا.

الوجبة الرئيسية: خروف بطريقة أندلوسية مع تمر ولوز، أرز مع فواكة مجففة بطريقة جدتي

النقاش الكبير في أعقاب مقالة نعمان هيرشفيلد يدور حول السؤال اذا ما كانت موجة الهجرة من إسرائيل الى برلين سياسية ام لا. من الغريب بأن التناقض بين حقيقة تبادل هذا النقاش بالحلبة الجماهيرية وبين السؤال نفسه يغيب عن أعين غالبية المناقشين. اذا لم تكن المسألة سياسية فلماذا اذاً يتم طرحها مرة تلو الأخرى؟ كل هجرة جماهيرية تقريباً تدمج دائماً بين الدوافع الشخصية والسياسية. موجات الهجرة في كل العالم تنبثق عن وضع سياسي. أيضاً هجرة اوري افنيري الى فلسطين وكثيرين قبله وبعده جاءت من دوافع سياسية، ومن لم تكن لديه دوافع سياسية فقد اهتموا بأن تكون لديه: كتفكيك التجمعات اليهودية في المغرب بيد مبعوثي الوكالة (اليهودية) او تفكيك العائلات بواسطة اختطاف اولادها. هجرة آلاف الشباب اليوم الى برلين: من اليونان، ايطاليا، اسبانيا واسرائيل هي هجرة سياسية. معظمنا لم نكن لنترك إسرائيل لو كان بإمكاننا أن نربي أولادنا وأنفسنا بطريقة تتلائم مع المستقبل الذي نتطلع اليه. والهجرة من إسرائيل هي فعل سياسي أكثر حتى مقارنةً بالهجرة من دول أخرى.

من يريد “عدم ترك الفلسطينيين” (هل سألهم أحد ماذا يفضلون؟ هل من المؤكد بأنهم يريدون بأن نبقى؟ هل هناك أصلاً “فلسطينيين” كمجموعة متجانسة مع نفس المصالح؟!) بإمكانه أن يكون ناشطاً بالتضامن معهم في لندن، باريس او برلين. اسرائيل اهتمت بتوزيع الفلسطينيين بكل العالم وهناك ما يكفي منهم للجميع.

على الاختلاف من ايطاليا واليونان، الصهيونية هي حركة نقلت ملايين الناس من مكانها. من أجل ذلك كان يجب بناء فكر جامع وموحد، ونعت الهجرة الى البلاد الموعودة ب”العليا” (الصعود بمعناها الحرفي) أما الهجرة منها فب”اليريدا” (أي النزول وهي عكس “العليا”). الحديث اذاً ليس عن حركة هجرة حيادية من ناحية أخلاقية بالسياق الاجتماعي، وهذا مفهوم تماماً مع الأخذ بعين الاعتبار ما تعرضه إسرائيل على مواطنيها. لهذا السبب أيضاً تطور “حراك الميلكي” (حراك قاده شباب ينادون بالهجرة الى برلين احتجاجاً على غلاء الأسعار بإسرائيل)، للتخفيف من وطأة مسألة الخيانة التي تنطوي عليها مغادرة البلاد. في المجتمع الإسرائيلي يتم اعتبار الظروف الاقتصادية كمسألة غير سياسية (وكأن السياسة الاقتصادية تخرج عن موظف مالية صغير يجلس في بيته) ولكن الموضوع الاقتصادي في العالم يعتبر بالطبع سياسي بل الأكثر سياسية حيث انه يحدد مصالح الحرب والعدائية ضد مجموعات أخرى او استيعاب هجرة هذه المجموعات مثلاً. “الدوافع السياسية” في إسرائيل تساوي “الفلسطينيين” او “العرب” أي: “الوضع الأمني”. لهذا السبب فحركات اليسار التي كان افنيري وهمرمان أعضاء فيها او ما زالوا منشغلة بإيجاد حل للوضع السياسي مقابل الفلسطينيين بينما يقتصر ندائها للنضال على هذه الحلبة. حقيقة عدم مقدرة الكثير من الشباب بإسرائيل على استئجار شقة دون العمل بثلاث وظائف لا تهم بتلك الدرجة ما يسمى بإسرائيل عادةً “اليسار” (وبالطبع لا تهم اليمين ولكن لا أحد يتوقع من اليمين بأن يدعم سياسة رفاه اشتراكية).

خلال الحراك الاجتماعي (عام 2011) تم تصوير شاب في جادة “روتشيلد” علق على خيمته علم المانيا ولافتة تقول “لا استطيع دفع ايجار البيت، اعطوني جنسية أجنبية”. قبل عدة عقود لم يكن بالإمكان التخيل بأن يقوم أحد برفع علم ألمانيا بوسط تل أبيب. هذا فعل يحتج على الفشل الصهيوني ويطالب بالجنسية الالمانية كتحدي. هجرة الإسرائيليين الى برلين هي تحقيق لهذا التحدي وهي تثير بالسياق الإسرائيلي- بطريقة مفهومة تماماً- الكثير من المعارضة. هل هناك شيء مجنون أكثر من أننا نأتي الى زيارة إسرائيل بعد ان هاجرنا الى برلين لكي لا يلتحق اولادنا بالجيش وبأنهم لا يستطيعون زيارة الخالة التي اختبأت في خزانة لمدة ثلاث سنوات بهنغاريا وصارت تؤمن مع تقدمها بالسن بأنها لا تستطيع استقبال الزيارات او الخروج من هناك لأن الكثير من الجنود يتواجدون في كل مكان؟ هذا هو الواقع المختل الذي نعيش به لأننا اتخذنا خطوة سياسية، خطوة لها ثمن بالتأكيد.

خلافاً لتئير كمينر ورافضي الخدمة الآخرين، لا يخدم اولادي في الجيش ولا يزجون بالسجن بسبب ذلك. أي سبب بالعالم يبرر تحمل مثل هذا العقاب؟ بماذا اخطأ هؤلاء عدا عن كونهم ولدوا لام إسرائيليه؟ من يؤمن بأن الحرية هي الحرية لتلبية احتياجات والديه فليرسل اولاده للسجن في صهيون. انا بالطبع سأدعم كل رافض ورافضة خدمة ولكن لماذا يتوجب على اولادي بأن يقوموا بإعالة سجن عسكري، اياً كان، وبإعالة جنوده اذا كانت هناك امكانية ايضاً للرفض وأيضاً لحماية أنفسهم؟ اعتقد بأنه من الأنسب بأن تتعاون ابنتي مع تلميذة أخرى من التشيلي وتلميذة ثالثة من المانيا لتحاول، بدعم من معلمتها الايرانية ومعلمتها الشرق المانية، احداث تغيير لكي لا يتعلم اولاد اللاجئين في الاروقة المظلمة للمدرسة ولكي يحصلوا على نفس الاستراحات. هذه مهمة مناسبة أكثر لابنة 17 عام تقريباً من ورشة تحضير للسجن العسكري.

في كل العالم تقريباً يعتبر هذا الفعل من قبل الوالدين مقبول جداً، وكذلك الفعل الذي يصفه اساف رونال الذي رد على هيرشفيلد هو الآخر او الأهالي الذين يشعرون بأنه لا خيار أمامهم وبأن عليهم البقاء بإسرائيل. يجب بأن يتعلم اولادنا بأن يفكروا بشكل نقدي ومنفتح لا أن يمروا بمطرقة تلقين من هذا النوع او ذك. واذا ما ارادوا الرجوع الى إسرائيل بشدة ودخول السجن، فهذه الامكانية ستكون قائمة دائماً أمامهم. اليوم أكثر من أي وقت مضى. الفرق بين المهاجرين ومن لا يهاجرون هو بالظروف، بإمكانية الاختيار، بمدى التمرد والأمل وبمتغيرات شخصية أخرى على ما يبدو. هذه هي الحال في واقع لا يجد فيه الكثير من اليهود بيتاً آمناً بإسرائيل بل أن جزءاً كبيراً منهم لا يجدون بيتاً أصلاً. لهذا فهم يقومون بإيجاد حلول، كل وفق قدراته ومسالكه. وهم عندما يقومون بذلك ككتلة وكمجموعة فان ذلك يصبح بالطبع ظاهرة اجتماعية وسياسية.

عدد ليس بقليل من الشباب الذين يسكنون في برلين يأتون من عائلات اشكنازية، نجحوا في اقناع اهاليهم باستصدار هذا الجواز او غيره وبكثير من المرات بالحصول على دعم لشراء شقة في المدينة. هكذا، فبالتوازي مع شراء يهود الولايات المتحدة وفرنسا للعقارات في إسرائيل، هناك عائلات تقوم بإخراج الاموال من اسرائيل وتشتري الشقق كاستثمار في برلين. هذا الدعم ليس مادياً فقط، كما يوضح افنيري، فهناك أهالي يتفاخرون بأولادهم الذين نجحوا في برلين، والكثير من هؤلاء الابناء يحصلون على موافقة الأهل لمغادرة البلاد. احياناً يتوهم الأهالي بأن ذلك سيكون لمدة زمنية محدودة وأحياناً يفرحون بإمكانية اخراج اولادهم من إسرائيل بينما يبدو الأمر في جيلهم أصعب.

لكن يتضح بأن هؤلاء حتى لو حصلوا على موافقة أهاليهم فآباء الامة لم يصدروا لهم شهادة تسريح بعد. لهذا السبب هناك انطباع بأن النقاش الحالي هو بالأساس نقاش بين الأجيال: افنيري وهمرمان يستصعبان تحمل فشل المشروع الصهيوني وكون الطريقة التي بنيت من خلالها دولة إسرائيل مدمرة وتحول دون الحياة الجيدة والعلاقات الجيدة بين الناس. اليمين يعي ذلك وهو مستعد لتحمل الانعكاسات. بالإمكان تفهم الصعوبة في تحمل هذا الفشل: عندما يستثمر شخص كل حياته بمحاولة لبناء شيء لكن هذا الشيء يفشل- وهذا ينطبق على كل المشروع الصهيوني- فمن الصعب التعامل مع عدم الجدوى والاعتراف بالواقع الصعب والحداد عليه. لكن هذه مرحلة ضرورية لخلق التغيير. فوظيفتنا كأهالي بأن نضمن بأن تكون هناك امكانية لان يعيش أولادنا بكرامة، وإذا ما فشلنا بذلك فمن الأفضل بأن نعترف بالفشل من أن نقول لهم بألا يتركوا لكي لا نبقى لوحدنا.

همرمان تعترف أكثر من افنيري بالواقع الصعب وبفشل النضال. ما تبقى لإقناع الاسرائيليين المتخيلين بالعودة هو مفهوم للحرية ينطوي على نضال ومعاناة وتضحية. أي: فكر مسيحي-بروتستانتي يقدس المكان الفيزيائي، التناخ والعمل والعرق كقيم هامة. ولتسهيل الاعتراف بفشل النضال بنفس الوقت بالإمكان ان نواسي أنفسنا ب”سوف ترى، سوف ترى، كيف ستكون الاحوال حسنة في العام المقبل” (كما تقول قصيدة شيمر المذكورة سابقاً). اذا كان هناك شيء مشترك بين الإسرائيليين المهاجرين فهو حقيقة بأنهم- كل واحد لأسبابه ودوافعه- لا يقدسون المكان الفيزيائي ولا المعاناة. وبعد ان اعترفوا بالواقع، كما يدركونه- ويبدو بأنه لا خلاف بين هيمرمان وبيننا بهذه النقطة- فهم يختارون بطريقة مختلفة عن هيمرمان وغيرها.

كل هذا لا يقول بأننا أصبحا أناس آخرين في برلين او بأننا نسينا بأننا في “عاصمة ألمانيا” (من تربت مع جدة نجت من سنوات الحصار الالماني الثلاث للينينغراد لا يمكن أن تنسى بهذه السرعة ولا حاجة لتذكيرها بشيء حقاً): في المدينة ما لا نهاية من الامكانيات للنشاط السياسي. جزء من الاسرائيليين هنا ينشطون بحركات يسارية مختلفة، جزء منهم بنضالات اللاجئين وبعضهم باستيعاب لاجئين آخرين. ومن يريد “عدم ترك الفلسطينيين” (هل سألهم أحد ماذا يفضلون؟ هل من المؤكد بأنهم يريدون بأن نبقى؟ هل هناك أصلاً “فلسطينيين” كمجموعة متجانسة مع نفس المصالح؟!) بإمكانه أن يكون ناشطاً بالتضامن معهم في لندن، باريس او برلين. اسرائيل اهتمت بتوزيع الفلسطينيين بكل العالم وهناك ما يكفي منهم للجميع.

التحلية

عصفورة اضطرت الى اجتياز النهر الهائج. اخذت فرخها الاول، وسألته بوسط النهر: “عندما أشيخ هل ستنقلني على أجنحتك أيضاً؟”. “بالطبع”، اجابها الفرخ، فرمت به الى الماء. اخذت الفرخ الثاني، والذي رد عليها بنفس الاجابة فقامت برميه الى الماء هو الآخر. الفرخ الثالث أجاب: “لا، لن انقلك على اجنحتي عندما تشيخين”. “لماذا؟”، سألت الأم. “لأنه سيكون لدي اولاد بنفسي وسيكون علي حملهم لاجتياز النهر”. الام قامت بنقل هذا الفرخ بالذات الى الضفة الثانية.

اسرائيلية تسكن في برلين منذ 14 سنة (“العليا” الاولى ابان الانتفاضة الثانية). حررت موقع “كيدما”- منصة للنقاش الشرقي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.