الحفر في رسم كاريكاتير واحد!

في أعقاب ملاحقة الكاتب الاردني ناهض حتر بحجة “المس بالذات الالهية”، مرزوق الحلبي يرى بأن المسألة لا تتعلق لا بالذات ولا بالمقدس: “الذات” الإلهية التي يتحدثون عنها هي منظومتهم هم التي لا وجود لهم ولا شرعية إلا بوجودها، ومن هنا الحرص الزائد عليها.
مرزوق الحلبي

 

رسم كاريكاتير واحد نشره الكاتب الأردني ناهض حتر على صفحة التواصل الاجتماعي مؤخّرا أقام الدنيا ولم يُقعدها. فالرسم الذي امّحى بعد ساعات من إنزاله وامّحت الصفحة معه لم يرَه سوى قلّة. لكن هذه القلة وهذه البُرهة كانتا كافيتين لتحويل الكاتب إلى “مُلاحَق” قضائياً لدى محافظ عمان الذي أرسل في طلبه بناء على أمر من رئيس الوزراء. أما “جُرم” الكاتب فهو حسب اللغة القانونية المتداولة في الدول العربيةـ “المسّ بالذات الإلهية”! وهذا يعني أن الدولة الأردنية خرجت متسلّحة بقانونها وقضائها ومسؤوليها لتحمي هذه “الذات” من رسم كاريكاتير واحد!.

هذه “الذات” وهذا “المُقدّس” يجتمعان ليصيرا منظومة كاملة متكاملة لقمع الحريات المدنية وليس حرية التعبير والحرية من الدين فحسب.

هذه الحادثة ليست الأولى بهذه الروح وبهذه التفاصيل. فقد تكررت عشرات المرّات منذ صعود المدّ الإسلامي على تياراته وكان لها ضحايا بعدد رمل الشواطئ محاكمةً وتهديدًا واغتيالًا! ولأنه كذلك حريّ أن نتوقف عند بعض دلالاتها.

من حيث جوهر الحدث، نرجّح أن السلطات الأردنية أُحرجت عندما توجّه إليها شيوخ ومُحترفو تيار الأخوان المسلمين في المملكة لافتين النظر إلى “جُرم” حتّر. فاختارت أن تضحّي بالكاتب على مذبح مساراتها للتيار الأخواني. لكنها ليست تضحية بالفرد، بالمواطن فقط، بل تضحية بمبدأ هام من مبادئ الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير. لكن الأهمّ هو هذه السهولة التي يُداس فيها، ضمن المجتمعات العربية، الحقّ في الحرية من الدين، الحق في ألا تُدين بأي دين. وهو الشقّ الثاني من الحق في الاعتقاد والتديّن وممارسة الشعائر الدينية. وهل يكتمل الحقّ في الدين إلا بضمان الحقّ في الحريّة من الدين؟ هذه البديهة المستوحاة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن خطاب حقوق الإنسان والفرد غير قائمة في اللغة العربية ولا في الثقافة السياسية العربية. كأن الثقافة العربية في أقاليمها وأقطارها تعاني من فائض إلحاد وليس من فائض تديّن وخراريف؟.

لكن الأمر ليس بشأن الدفاع عن هذه “الذات” ولا عن “المقدّس” بل عن عقيدة يهيمنون باسمها ويريدونها مُطلقة كي يكون سؤددهم مُطلقاً. هذه “الذات” وهذا “المُقدّس” يجتمعان ليصيرا منظومة كاملة متكاملة لقمع الحريات المدنية وليس حرية التعبير والحرية من الدين فحسب. منظومة متكاملة تتألّف من إعلام مدجّن ومتواطئ ومن قانون يضيّق على الحريات وجهاز قضاء متحفّز ومسؤولي دولة شعبويين ونشطاء متسترين بالدين يتصيّدون العقول المفكّرة أو الخيال أو روح المدنية. منظومة تُنتج ثقافة لها سمتان بارزتان- انتهاك العقل المفكّر والمسّ به وبحرياته وقُدراته، من ناحية، والخوف والرقابة الذاتية والقمع الذاتي والصمت، من ناحية ثانية. أما النتيجة فهي أن تفرغ المجتمعات من العقول المفكّرة ويُترك الميدان لأفعال القلوب والغيبيات والفتاوي والتديّن الشعبوي والتكفير. عندها، يتضح لنا جليّاً عجز الدولة العربية (على العموم) التي تستند في شرعيتها على النص المقدّس ذاته وعلى “القُرب من الذات الإلهية” في حُكمها وقمعها وسلطتها. من هنا، فإن “الذات” الإلهية التي يتحدثون عنها هي منظومتهم هم التي لا وجود لهم ولا شرعية إلا بوجودها. ومن هنا الحرص الزائد عليها.

بُعد آخر لهذه الحادثة يكمن في أن المنظومة الآنفة الذكر تُنتج للذات الإلهية مفهوماً قانونياً وتمنحها مكانة أمام القانون كأن هذه “الذات” شخصية سياسية أو اجتماعية تُمارس العمل السياسي معهم. شكل من أشكال التأنيس والتجسيد- عكس التجريد والإيحاء الذي في الفِكرة. وهي فِكرة- إذا ما تأملّنا تاريخها- اتسعت لكل التأويل وكل التشعبات من اليابان شرقاً إلى أمريكا غرباً. وهي فكرة تتسع بالضرورة للخيال والسخرية ورسم كاريكاتير لأنها في واقع أحوالهم هم تتسع لكل هواجسهم وعُقدهم الجنسية وهلوسات الجماع الذي يدوم سبعين عاماً والاستمناء الخطابي والأورغازما اللفظية وشذوذهم المكشوف!.

لا يُعقل أن تُطيق هذه “الذات” كل هذه الحفلات الجنسية الجماعية المُنفلتة التي يُقيمونها علناً وببث مباشر ولا تُطيق رسم كاريكاتير واحد مهذّب وعاقل! إنها ذات على مقاساتهم وأهوائهم- ولا نحسدها على هذه المقاسات!.

قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.