نحن "عامة الشعب"، يقول الراعي 

إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحول اليهود الشرقيين فيها الى “عامة الشعب”. ما الذي جعل هؤلاء ينذرون أنفسهم لبنيامين نتنياهو الرأسمالي المتمسك بمبادئ الحكم الهرمي الاثني؟ مراجعة تاريخية لسياسة رئيس الحكومة ومكانة الشرقيين في ظل حكمه “الرئاسي”
شوشانا جباي

 

عرس الدماء

في ظل الحكم الاستبدادي لبنيامين نتنياهو تشكلت على مدى السنوات مجموعة تبجل الولاء الشخصي للقائد. لليهود الشرقيين أهمية كبيرة ضمن هذه فبدونهم لما استمر الحكم الرئاسي طويل الامد لرئيس الحكومة. مبنى الحكم النيوليبرالي اليميني الذي أقامه نتنياهو مع رؤوس الاموال الجمهوريين الامريكيين ومع الصهيونية الدينية الاشكنازية، مقبول الآن ليس فقط على نشطاء ومصوتي الحزب الحاكم الأبدي- انما أيضاً في حلقات النشاط الجماهيري التي يقودها يهود شرقيون لا يعرفون عن أنفسهم كيمينيون. هؤلاء يحاربون كتفاً الى كتف الى جانب اشكنازيو الحكم ضد المجموعة التي خسرت الحكم- أشكنازيو “مباي” (حزب العمل سابقاً).

في اطار هذه الشراكة مع نتنياهو، كما كانت الحال في ظل حكم “مباي”، يتم استخدام الشرقيين- الذين ذوتوا تماماً دور البليبس– ك”عامة الشعب”. الآن هناك قبول لاشكنازيي الحكم ولنفوذهم كقادة طبيعيين ولا تمرد على علاقات الراعي\الرعية كما كان في الماضي، ذلك في الوقت الذي تتفاخر فيه النخبة الجديدة- الصهيونية الدينية- بانتصارها على “مباي” بواسطة اللقب الجديد- “القيمّيين”- لتميز اعضائها عن مؤيدي الليكود من الشرقيين.

ما الذي يجعل اليهود الشرقيين، في بلاد يعتبر الاصل الاثني فيها المعيار الاول للمواطنة، ينذرون أنفسهم بالذات للقائد، ابن للاجئ من بولندا، متمسك بمبادئ الحكم الهرمي-الاثني الذي استوردته الصهيونية من موطن نشأتها في شرق أوروبا؟ هذه المبادئ من المفترض بأنها تتعارض مع مصلحة الاقلية الشرقية كون هذه تنتمي لطبقة مواطنين من الدرجة الثانية. كيف يتبع أناس لا ينتمون بغالبيتهم لطبقة المسمنين قائداً ينشغل من رأسه الى أخمص قدميه في اثراء نفسه واثراء مؤيديه من رؤوس الأموال؟ قائد يمثل هو وزوجته طبقة الاغنياء الجدد التي قامت بإسرائيل بعد حرب الستة أيام؟.

“هذا جمهوري” قال نتنياهو بكامل الثقة منذ سنوات التسعين لبروفيسور شلومو بن عامي، المثقف صاحب الاسم العالمي الذي سطع نجمه في حينه كالمرشح الشرقي الامثل لرئاسة الحكومة، عندما التقى الاثنان في طقوس “الهيلولا” التي استضافها الراب حاييم بينطو. من اين كانت لنتياهو كل هذه الثقة بأن اليهود الشرقيين سيتهافتون بجماهيرهم خلفه وليس  خلف بن عامي صاحب الرونق الارستقراطي الذي ولد في طنجة؟ فبني عامي بنهاية الأمر رجل مركز اشتراكي-ديمقراطي بالإمكان اعتباره استمرارية مباشرة للقيادة اليهودية المعتدلة التي تواجدت بيوم من الايام في الوطن القديم.

الاجابات الثابتة لهذا السؤال تقول بأن الحديث عن رعاع لا يميز مصلحته ويقع في حبال محتال، بروليتاريا لا تهتم لشأن طبقتها. اجابات الكثير من معارضي نتنياهو تشبه عملياً أفعال نتنياهو نفسه الذي خصص للشرقيين دور القطيع الذي يمشي ورائه: الفرق الوحيد بأن المعارضين يعتقدون بأن القطيع يمشي وراء القائد الخطأ. بيد أن هناك امكانيات أخرى غير هذه. في هذا المقال سنقوم ببحث العامل الاقتصادي- فالذي يحدد الخيارات السياسية لمعظم اليهود في إسرائيل هو الرغبة في الثراء والتقدم وليس المواضيع السياسية. ولكننا نشهد في كل معركة انتخابية كيف يتم عرض أمن المواطنين اليهود على أنه الموضوع الرئيسي والمصيري فهناك فكرة متينة على المستوى الجماهيري الاسرائيلي بأن  الحكومات لا تقوم ولا تسقط على المسائل الاقتصادية كما هي الحال في دول الغرب (ولا حتى انقلاب عام 77 الذي اوصل الليكود الى الحكم وحدث عملياً بسبب الاقتصاد).

رأسمالي في اسرائيل- لعنة

اليهود الشرقيون سئموا من فقرهم ومن اقصائهم للطبقات الدنيا، ومعهم أيضاً الطبقات العليا والتي بحسب عالم الاجتماع شلومو سبيرسكي شعرت بأن “مباي” لا تمنحها الارباح والقوة الكافية فانسحبت الى “داش” و”الليكود”. مع ذلك فقد تم تصوير استبدال الحكم في الوعي العام وكأنه جاء دعماً لفكرة ارض اسرائيل الكاملة التي رفعها الشباب الصالحين من “غوش ايمونيم“. عالمي الاجتماع د.نيسيم ليون واوري كوهين توقفا في بحثهما الشيق عند هذه اللغة الصهيونية المزدوجة  في ديناميكية حزب “حيروت” بسنوات الستين والسبعين عندما حاول نشطاء شرقيون حث الحزب بشكل منهجي على مناقشة المشاكل الداخلية- أي الوضع الاقتصادي الاجتماعي- بينما أصر بيجن على المشاكل السياسية- أي على كمال البلاد.

على الرغم من ان الشرقيين كانوا جزءاً مركزياً في استبدال النخب، فمن اغتنى عملياً كانوا أصحاب المال والشركات، رجالات صناعة الأمن (بما يشمل صناعة “الهايتك”) ومعهم رجالات الصهيونية الدينية الذين انتقلوا من هوامش المجتمع الاسرائيلي ومن الوسط الى الطبقات العليا وقيادة الدولة: قلة قليلة من اليهود الشرقيين انضمت لهذه الطبقة. من وراء الحديث الجماهيري عن امن المواطنين اليهود وعن توطين البلاد تستتر بالواقع الصناعة الأمنية- التي تشكل مصدراً هاماً لإثراء طبقة كبيرة في إسرائيل منذ عام 67. وفق سبيرسكي، قامت الصناعات العسكرية بترقية الطبقة الوسطى بإسرائيل بينما بقيت بلدات التطوير (المأهولة بمعظمها بالشرقيين) في الخلف مع صناعات التكستيل.

الاوضاع الاقتصادية لليهود الشرقيين في دول الشرق كانت أفضل من اوضاع المسلمين من حولهم وحتى من اوضاع اليهود في شرق اوروبا.. أي أنهم لم يكونوا عامة الشعب، العمال او المزارعين في موطنهم القديم، لهذا فمن الصعب ان نتوقع منهم بأن يطوروا وعياً عمالياً هنا وبأن يتمردوا على الاغنياء وكأنهم عمال انجليز كادحين منذ مئات السنوات.

اسرائيل هي امبراطورية عسكرية قوية لم يحارب جيشها، منذ حرب يوم الغفران، مقابل أي جيش آخر (باستثناء بعض المواجهات المحدودة مقابل الجيش السوري خلال حرب لبنان الاولى). لا شيء يهددها بتاتاً على الرغم من خطابات التخويف لنتنياهو. مع ذلك فغالبية الاسرائيليون يعتقدون، بإيحاء من الحكم، بأن اسرائيل مهددة وضعيفة وبأن العالم كله ضدنا ويكرهنا. معظم دول العالم تتزلف لإسرائيل وتحاول قمع منظمي حملات المقاطعة قدر الامكان. فقط بالسنة الماضية بعد ان انتهت صلاحية التهديد الايراني اعلن نتنياهو للمرة الاولى بأن اسرائيل هي دولة قوية- بفضله طبعاً- دون ان يعترف بأنه لا يوجد حقاً تهديد وجودي على اسرائيل. أي ان رئيس الحكومة احتفظ لنفسه بسلاح تخويف المواطنين لحين الحاجة.

كتبت عن هذه المتلازمة بالماضي. نفس عقلية الضحية اليهودية تتجسد هنا أيضاً بموضوع الثراء. الحكم لا يطلع المواطنين ابداً على غنى دولة اسرائيل ومن السهل بأن يدخل الى أذهان اليهود بأنهم فقراء، مساكين ومهددين. اذا ما قمنا بسؤال اسرائيليين في الشارع مثلاً سنجد بأنهم لا يجيبون مثل مواطني الولايات المتحدة الذين يقولون بأنهم يعيشون في دولة غنية وقوية، ذلك لأن الحديث عن غنى الدولة بشكل علني هنا يعتبر خرقاً للشيفرة الاسرائيلية. بهذا الصدد، يصدق رون ديرمر، مبعوث نتنياهو للولايات المتحدة، حين يشكو بأن النعت رأسمالي في اسرائيل هو لعنة مثله مثل الاشتراكي بالولايات المتحدة. مسألة الغنى تسللت الى وسائل الاعلام فقط بالسنوات الاخيرة، بعد الحراك الاجتماعي من عام 2011، لكن التعاطي معها ينحصر ويوجه بشكل غير مباشر، من خلال مقولات نقدية، صوب الأفعال غير الاخلاقية والفاسدة للشرائح العشرية العليا.  فلو أصبح لدى السكان وعي بأن دولتهم غنية لبدؤوا يطالبون بتوزيع عادل أكثر للغنى. حتى (عضو الكنيست) شيلي يحيموفتش، بإسم العدل الاجتماعي، تذكر ذلك بشكل عابر حين تقول: “إسرائيل هي دولة غنية جداً مع اناس فقراء جداً”، وتنتقل مباشرةً للحديث عن الفقراء دون أن تفسر عماذا تتحدث. هذا في الوقت الذي تنشغل فيه صحيفة “هآرتس” بالتخوف من انتشار ما يسمى “كراهية الأغنياء” بإسرائيل(!!).

حفاظ الحكام على سر الغنى ليس حيلة حصرية لإسرائيل. أيضاً في بريطانيا  أكد اليمين المحافظ على مدى ولاية كاميرون  بأنه يجب التقلص وإلا فسوف تفلس الدولة- ذلك على الرغم من ان بريطانيا هي دولة غنية وقوية سياسياً. نتنياهو الذي يحب الحديث عن الانجازات الاقتصادية بفترة ولايته بدأ يتحدث مؤخراً عن الغنى بطريقة غير مباشرة لكنه يلتف دائماً حول الموضوع ويحصره بالتأكيد على ان سياسته نجحت وعلى أن اسرائيل هي دولة قوية اقتصادياً بفضله. بكل الأحوال فالمواضيع المكشوفة والموحدة على الاجندة في اسرائيل ما زالت الولاء للصهيونية ولليهودية وكيفية السيطرة على الفلسطينيين (بواسطة حبل قصير ام حبل طويل)- تماماً مثل دردشة اجتماعية في وارسو قبل مئة عام- ولان هذه هي الخيارات، فقد اختار اليهود الشرقيون التعاون مع حكم يقمعهم بدرجة اقل بقليل من سابقه.

الامر الذي يساعد حكم اليمين كثيراً هو نقطة المقارنة لدى اليهود الشرقيين- أي ماذا كان لديهم عندما وصلوا الى هنا بالسنوات الاولى من اقامة الدولة وماذا لديهم الآن، ولو ان وجهة النظر هذه مشتركة تقريباً لكل اليهود في اسرائيل: اذا ما نظرنا الى توزيع الطبقية والغنى الاثني، فقد مر الصهيونيون الاشكنازيون بثورة نادرة بالتاريخ البشري من حيث سرعتها، ومن لاجئين ملاحقين في شرق اوروبا تحولوا بين ليلة وضحاها للطبقة الحاكمة في الدولة التي أقاموها، اغتنوا وعززوا من قوتهم- تماماً على غرار المقولة الامريكية  “from rags to riches”. وقد تأقلموا سريعاً مع مصيرهم الحسن وحدث معهم ما يوصف عادةً بتجارب علم النفس الاجتماعي: هؤلاء الذين يحصلون على غالبية النقاط في اللعبة (التي حرفت لصالحهم من وراء الكواليس) يذهبون الى الاعتقاد بأنهم كسبوا لأنهم افضل ولأنهم موهوبين اكثر من الآخرين. لهذا نجد بأن هناك تناسق كبير بين وضعهم الاقتصادي الاجتماعي وبين تعاطفهم المغال مع الصهيونية التي احدثت لهم اعجوبة وأنقذتهم. في المقابل، اليهود الشرقيين اقتلعوا على وجه السرعة من بلادهم بسبب نفس الصهيونية وغالبيتهم فقدوا ممتلكاتهم ومكانتهم الاجتماعية وتحولوا الى فقراء- نفس قصة السندريلا ولكن بالاتجاه المعاكس. في اسرائيل خضعوا لحكم صارم واعتمدت حياتهم على المركزية الاقتصادية وعلى منظمات الحزب الحاكم مثل “الهستدروت” (الاتحاد العام لنقابات العمال). الحكم قام بتوجيههم للعمل بمهن الياقات الزرقاء حيث أصبحوا لأول مرة في حياتهم عمال مصانع، عمال بناء وعمال زراعيين- لهذا فالعداء لحزب “مباي” وورثائه أكثر ما يكون طبيعي.

في الخطاب العام بإسرائيل يحبون طرح السؤال لماذا لا يصوت الشرقيون للأحزاب التي تنادي بالعدل الاجتماعي. فالشرقيون ما زالوا يشغلون جزئياً الطبقات الدنيا الى جانب العرب، اليهود الاورثوذوكسيين، الاثيوبيين والمهاجرين الجدد من الاتحاد السوفييتي. هذا التوجه النقدي تجاه الشرقيين في الطبقات الدنيا يميل الى الاعتقاد بأن الشرقيين، بسبب مكانتهم في المجتمع الإسرائيلي، يطمحون بشكل اوتوماتيكي للعدل الاجتماعي وليس للرأسمالية. ولكن بالاضافة الى عدم وجود أي حزب غير نيوليبرالي في إسرائيل فمن يرفع هذا الادعاء يصدق اللغة المزدوجة للأحزاب التي تسمي نفسها يسارية- أما اليهود الشرقيون فلا يصدقونها. الى ذلك فالأحزاب العربية المعرفة مع العدل الاجتماعي ليست صهيونية ومعرفة بطبيعة الحال مع المواطنين العرب، ولم يحدث حتى الآن بالتاريخ بأن قامت مجموعة مستضعفة بالتعاون مع مجموعات مستضعفة أخرى- فكم بالحري في دولة تنزل العقاب، بمساعدة القانون حتى، على من يحيد عن ايديولوجيتها. من ناحية معظم الاشكناز وأيضا من ناحية الكثير من الشرقيين الذين ترعرعوا في اسرائيل تنبع هذه الرؤية المغلوطة من عدم معرفة تاريخية أساسية: ففي اسرائيل ترسخ اعتقاد بأن حياة القلة التي عاشها الشرقيون في معسكرات القادمين الجدد هي حالتهم الطبيعية منذ أجيال: ما بعد جبال الظلمة، سكن يهود شرقيون فقراء وجاهلون عملوا بالزراعة حتى قامت الصهيونية الاشكنازية والمغوارة بإنقاذهم، من خلال عمليات على غرار “عملية عنتيبي”، وبإدخالهم الى الحداثة: وإذا كان الشرقيون هم “الفقراء” فمن المتوقع منهم بألا يصوتوا لحزب يدعم الأغنياء علناً. لكن يتضح بأنه حتى بعد سبعين سنة تقريباً في اسرائيل لم تتشكل لدى الشرقيين وجهة نظر طبقية عمالية.

على الرغم من ان غالبية الشرقيين الذين ترعرعوا في اسرائيل قبلوا على انفسهم بالنهاية الرؤية الصهيونية التي تؤمن بالفوقية الاشكنازية، فروح المبادرة والتجارة التي ميزتهم بموطنهم السابق لم تنطفئ بداخلهم بعد. الاوضاع الاقتصادية لليهود الشرقيين في دول الشرق كانت أفضل من اوضاع المسلمين من حولهم وحتى من اوضاع اليهود في شرق اوروبا. حيث عملوا بغالبيتهم على مدى اجيال بالتجارة والأموال، كباعة متجولين وأصحاب مهن مدنية استلزمت الدراسة والعلم، وارتبطوا مع الطبقات الحاكمة في المجتمع لحماية أنفسهم. أي أنهم لم يكونوا عامة الشعب، العمال او المزارعين في موطنهم القديم، لهذا فمن الصعب ان نتوقع منهم بأن يطوروا وعياً عمالياً هنا وبأن يتمردوا على الاغنياء وكأنهم عمال انجليز كادحين منذ مئات السنوات. توزيعهم السكاني وتهميشهم وتحويلهم الى طبقة عمال والتي فرضت جميعها عليهم بفظاظة في اسرائيل لم تجعل منهم اشتراكيين (هذا دون ان نشير الى ان مدرائهم بالعمل ومرؤوسيهم في كل مكان سميوا اشتراكيين!).

الارتباط ب”الليكود” في حينه للخروج من حلقة “مباي” الخانقة كان خياراً عقلانياً ومن بعده أيضاً اختيار نتنياهو على اعتباره المُخلص الرأسمالي القادم من أمريكا: الاختيار كان بين نيوليبرالية شمعون بيرس التي كانت تزيد من غنى الاشكنازيين القدامى المقربين من الحكم وبين نيوليرالية نتنياهو الشبيهة والتي كان بالإمكان التسرب من خلالها جزئياً الى ما بعد مدرعات النخب.

امكانية الشرقيين للارتقاء الاجتماعي في إسرائيل مرت عن طريق الحزب الذي شكل بديلاً لاقتصاد المقربين المركزي الذي رسخته “مباي”. تبجيل الرأسمالية الامريكية كان منتشراً وسط الشرقيين بالوقت الذي كان فيه رجالات الكيبوتسات ما زالوا يبكون على موت ستالين. الطريقة الرأسمالية كانت أقرب لحياة آبائهم في الشتات. بعد حرب الستة أيام عندما تحولت الدولة لإمبراطورية مع رعايا جدد، ارخى الحكم قبضته عن اليهود الشرقيين لا سيما وأنه كان بحاجة لشركاء لكي يسيطر على الفلسطينيين ويوجه قوتهم العاملة الرخيصة لبناء الامبراطورية. الشرقيون بدؤوا مباشرةً بإقامة مبادرات تجارية ومصالح صغيرة كمقاولة البناء، المطاعم والتجارة. نسبة المستقلين في المجموعتين الشرقية والاشكنازية تساوت في سنة 1983، ووصلت قرابة ال- 17%- الشرقيين بالمصالح الصغيرة والاشكنازيين بالشركات الكبيرة (التي مولتها الدولة بغالبيتها الساحقة). أكثر من نصف الشباب الشرقيين الذين فروا من اسرائيل للولايات المتحدة هم مستقلين وأصحاب مصالح ينظرون الى الولايات المتحدة كمكان يوفر مساواة في الفرص أكثر من اسرائيل.

الميرتقراطية كبديل للتمثيل

اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحول فيها اليهود الشرقيين لبليبس بدور “عامة الشعب”، ذلك مقابل اليهود الشرقيين الذين ينتمون للطبقات الوسطى والعليا وللنخب في بقية الدول التي يعيشون فيها: في اوروبا الغربية، شمال وجنوب أمريكا. لقد أثبت بأن مجرد الانتماء لمجموعة اثنية ليس ضماناً بأنه عندما يأتي اليوم وينتهي التمييز ضدها سيتم توزيع الملك بشكل عادل بين أعضاء هذه المجموعة. لم يحدث هذا في الفترة التي تلت الابرتهايد في جنوب أفريقيا عندما قاموا بتوزيع الاراضي من جديد، ولا في اسرائيل عندما قاموا بتوزيع الملك بين اليهود بالسنوات الاولى للدولة، وعليه لا يوجد أي سبب بأن يتشكل وعي يؤمن بالمساواة ويطمح للعدل الاجتماعي بالذات وسط مجموعة اليهود الشرقيين.

في التجمعات اليهودية بالشرق (وأيضاً في الاشكنازية) كان هناك وعي متطور بمجال الصدقة وليس العدل الاجتماعي ذلك على الرغم من وجود طلائعية شيوعية فيما بينهم. هذا التعاطف مع الأغنياء ظل متواجداً وسط اليهود الاورثوذكسيين ونجده أيضاً في أحزاب “شاس” والارثوذكسيين الاشكنازيين الذين يتماهى غالبية مصوتيهم مع الرأسمالية. لهذا فالارتباط ب”الليكود” في حينه للخروج من حلقة “مباي” الخانقة كان خياراً عقلانياً ومن بعده أيضاً اختيار نتنياهو على اعتباره المُخلص الرأسمالي القادم من أمريكا: الاختيار كان بين نيوليبرالية شمعون بيرس التي كانت تزيد من غنى الاشكنازيين القدامى المقربين من الحكم وبين نيوليرالية نتنياهو التي كان بالإمكان التسرب من خلالها جزئياً الى ما بعد مدرعات النخب. ليون وكوهين يدعيان في بحثهما بأن النشطاء الشرقيين الذين حاربوا من اجل قبول مبدأ الميرتقراطية (حكم الجدارة او الاستحقاق) في حزب “حيروت” كبديل عن التمثيل وفق الاثنية، كما هو مقبول في إسرائيل، كانوا النواة التي ولدت الطبقة الوسطى الشرقية بسنوات الثمانين والتسعين.

بالتوازي مع تقلص الفجوات على مستوى الدخل بين المجموعتين منذ سنوات التسعين، هناك اتساع بعدم المساواة العام في البلاد كما يظهر بحث د.مومي دهان. مما يعني بأن الشرقيين يخرجون بشكل جزئي من الطبقات الدنيا ليدخل مكانهم الاثيوبيون والعرب وأيضاً المهاجرون من روسيا. أي ان لغالبية الشرقيين هناك بوضوح طموحات تشبه طموحات الطبقة الوسطى التي يعنيها “السقف الزجاجي” اكثر من العدل الاجتماعي. معطى آخر مهم من بحث دهان يظهر بأنه لم يطرأ تغيير واضح على العلاقة بين الأصل والأجر أي ان الظاهرة المنتشرة والتي يحصل الاشكنازيون في اطارها على اجور اعلى بفضل اصلهم الاثني، وليس بفضل قدراتهم او ثقافتهم، ما زالت مستمرة. في اللحظة التي تشكلت فيها طبقة وسطى شرقية تسعى الى الميرتقراطية لكن امكانياتها للتقدم تتعثر بسبب التمييز الاثني، تحضر سياسة الهويات لأنها تلبي الاحتياجات القطاعية ولهذا السبب أيضاً تنجح هذه وسط الجيل الشاب من الشرقيين.

بشكل عام، في اسرائيل كما في امريكا، المواطنون لا يريدون المساواة- ولا حتى هؤلاء المتواجدون بالطبقات الدنيا. اليهود الشرقيون لم يتبعوا في يوم من الايام من ارادوا تقسيم الكعكة بشكل متساوي مثل “الفهود السود” او “القوس الديمقراطي الشرقي”. الرغبة هي للارتقاء الاجتماعي الذي لا يحول دون نجاح الموهوبين، لان التمييز الاثني هو عقبة امام الافراد الموهوبين وأمام تقدمهم.

المقارنة التي يقوم بها الشرقيون تكون دائماً بين اوضاعهم البائسة بسنوات الخمسين والستين وبين التحسن الذي طرأ على حالتهم الاجتماعية الاقتصادية منذ نهاية سنوات السبعين وحتى اليوم، أي في وردية الليكود الذي وقع نصر حرب ال-67 في يديه كالثمار الناضجة. بواسطة هذه استطاع الحكم تحريك الاقتصاد واستبدال الفقراء الشرقيين بفقراء فلسطينيين. توزيع الاراضي الفلسطينية لليهود وإقامة البيوت في الاراضي المحتلة حسنت هي الأخرى من وضع الشرقيين قليلاً- في المواصلات المنظمة التي انطلقت للأراضي المحتلة بإشراف شارون عام 1981 لم يجلس مستوطنين اشكناز فقط انما ايضاً ابناء احياء شرقية سعوا الى شراء بيوت بأسعار رخيصة. عندما يتحدث نتنياهو عن نجاح سياسته الاقتصادية، يفكر هؤلاء بالفقر الذي كان بمعسكرات القادمين الجدد ويصدقون ما يقوله بسهولة. فحتى في دولة آخذة بالثراء وتمتاز بعدم مساواة كبير تحظى الطبقات الدنيا بتحسين معين نسبةً لوضعها السابق. الصفقة النيوليبرالية الاسرائيلية التي طرحت المنتجات الاستهلاكية مقابل عدم الامان بمجال العمل، اجهزة التربية والصحة الفاشلة والقضاء على الحقوق الاجتماعية كانت لتحصل حتى لو ظل نتنياهو مواطناً امريكياً ولم يعد الى اسرائيل.

فقط انا وحاشيتي

نتنياهو رسخ مصطلح “النخب القديمة” بعد عودته من الولايات المتحدة لكي يشير الى العدو- نخبة “مباي” المنافسة التي يبغضها. هو لم يعلن عن نفسه وعن من حوله ك”نخب جديدة” لكي لا يسلط الأضواء على ما يقوم به عملياً. هو قام ببساطة باحتلال الحكم في اسرائيل وصاغ مسار الدولة السياسي والاقتصادي بتسلط واستبدادية. كل ما قصده الرجل المدعوم من قبل القوى السياسية والاقتصادية الكبرى في العالم هو استبدال النخب القديمة بنفسه وبحاشيته. وقد ترك لقب “النخب الجديدة” برحابة صدر لمن يرغب بالتباهي به. حتى النخبة الجديدة- المستوطنين- التي استبدلت “مباي” لم تقم باستخدام هذا اللقب المهين.

نتنياهو وأناسه الذين احضرهم من خارج الحزب يديرون الحكم من فوق رؤوس النشطاء، اعضاء الكنيست والوزراء كحكم رئاسي بكل معنى الكلمة. حاشية نتنياهو التي تقبض على الحكم عملياً هي بمثابة مؤشر واضح لمن يليق بهم أن يحكموا بحسب نتنياهو- فالغالبية الساحقة من موظفي المكتب والمستشارين هم اشكنازيون ومن المفضل بأن تكون لكنتهم امريكية وان يكونوا بشوارب. نتنياهو تعلم من تجربة النيوليبراليين في الولايات المتحدة بأنه لا يكفي الوصول الى الحكم بل يجب ايضاً تحصينه بواسطة تغيير وعي المواطنين. لهذا فقد أقام شبكة من معاهد الابحاث، مثل “مركز شاليم”، وعبئها مرة أخرى بيهود يمينيين اصحاب لكنة امريكية وبأشكنازيين صناعة محلية. هؤلاء الناس يربحون اموالاً طائلة فقط لأنهم بالجانب الايديولوجي الصحيح دون أي علاقة بجودة عملهم العلمي. هذه هي الحلقة الثانية من مجمع الادمغة الذي يحيط بنتنياهو. بواسطة نشر النيوليبرالية في اسرائيل بالتوازي مع الصهيونية تنجح هذه المعاهد في ان تغلغل افكارها بالمستوى الجماهيري كأن تكسر قوالب اليمين واليسار وتركز على ما هو صهيوني مقابل ما هو غير صهيوني. هذه الجملة تتكرر ليس فقط وسط مركز اسرائيل انما ايضاً وسط نشطاء شرقيين في الفيسبوك بالسنوات الاخيرة. بين المحيطين بنتنياهو، في المقابل، هناك مكان للكثير من الشرقيين ولكن كعمال صيانة وخدمة في بيت رئيس الحكومة.

منذ حوالي عشرين سنة ونتنياهو يحكم بشكل منفرد بالحزب، وقد منع خلال هذه الفترة تطور اية قيادة (حتى بين الاشكنازيين). منذ ثورة نتنياهو الاولى بسنوات التسعين فرغت فروع حزب الليكود من محتواها النشط وافتتحت فقط في الفترات الانتخابية. النشطاء السياسيون المحليون يعملون فقط كمقاولي اصوات في يوم الانتخابات. القوة انتقلت لرئيس الحزب الذي يتواصل مع الشعب فقط عن طريق الفيسبوك ولا حاجة له بأية وسطاء بالميدان.


المقاعد الخلفية في الليكود

اقوال نتنياهو الفارغة والساخرة حول “حكم الموهوبين” تبرز لديه ليس فقط بسبب حكمه المتحيز انما وخاصةً بسبب مواظبته على تعيين اناس غير موهوبين بالذات من وسط الشرقيين. منذ وصوله الى اسرائيل عام 86 لاحتلال الحكم عندما قام بالبحث عن مخلصين في مركز “الليكود” برفقة مساعديه، الاعلاني ايال اراد وافيغدور ليبرمان، عقد نتنياهو تحالفات مع المقاعد الخلفية “لليكود” الشرقي فقط وواظب على اختيار شخصيات هامشية وعدائية قام بتدليلها وترقيتها لمناصب عليا.

لأن نتنياهو يحكم بغض النظر بواسطة حاشيته، لا مشكلة لديه لان يحسن بالدورة الحالية التمثيل المنقوص الذي كان للشرقيين بالحكومة السابقة. لهذا فقد قام بإغداق القائمة بمخلصين شرقيين مما هب ودب، المهم بألا تكون هناك شكاوى حول عدم التمثيل.

في المقابل، بدأ نتنياهو بإقصاء القادة الشرقيين البارزين والموهوبين في الحركة. هؤلاء، على الاختلاف من قياديي العقد الاخير، لم ينفعلوا في حينه مثل الصحافة الاسرائيلية من الرجل الذي جاء ليرسي الديمقراطية الامريكية في المقاطعة انما حاربوه منذ ذلك الحين بسبب ميوله للوصاية وللعنصرية- لذلك قام بالتخلص منهم سريعاً. هكذا تمت في ال-95 ازاحة دافيد ليفي الذي عرض نفسه كوريثاً لبيجين والذي وصفه نتنياهو باستهتار ك”قائد اصيل”. بعده قام في ال-99 بإقالة يتسحاق مردخاي الذي نافسه على رئاسة “الليكود” من منصبه كوزير الامن. عملياً اية ذرة من الاستقلالية من جانب الشرقيين في “الليكود” تعتبر بنظر نتنياهو كخطر على حكمه الفردي، لذا لم يبقى في الليكود إلا شرقيين مخلصين لنتنياهو بوظيفة جوقة المشجعين.

هذه الشراكة السياسية المتكبرة من طرف نتنياهو والتي تدار من خلالها علاقات اثنية على اساس غير متساوي تعيد الشرقيين في “الليكود” الى مكانهم الهامشي بالحركة حتى سنوات السبعين. ليون وكوهين يصفون هذه العلاقات كتلك التي تواجدت بحينه في “حيروت” تماماً كما تواجدت ب”مباي”. النشطاء من جهتهم حاولوا حث الحزب على اعتماد أساس ميرتقراطي للجميع- ما يصفه الباحثين بكلماتهم ك”شراكة تنافسية”. هذا المطلب الذي رفعه دافيد ليفي بالأساس والذي  تلائم مع برنامج الليبراليين في “الليكود” قُبل في نهاية الأمر بصورة شكلية.

لأن نتنياهو يحكم بغض النظر بواسطة حاشيته، لا مشكلة لديه لان يحسن بالدورة الحالية التمثيل المنقوص الذي كان للشرقيين بالحكومة السابقة. لهذا فقد قام بإغداق القائمة بمخلصين شرقيين مما هب ودب، المهم بألا تكون هناك شكاوى حول عدم التمثيل: فعين ميري ريجيف كوزيرة ثقافة، داني دانون كسفير اسرائيل في الامم المتحدة، وكأعضاء كنيست كل من اورن حزان، يرون مازوز، عنات بركو ونافا بوكير التي اقحمت لمنصبها كعضو كنيست بمسار مباشر ثمانية ايام فقط قبل الانتخابات التمهيدية (في حزب “الليكود”) على يد زوجة رئيس الحكومة.

لكي نقَيم قدرات الشرقيين الذين قام نتنياهو بتعيينهم وبترقيتهم يكفي أن نقارنهم بأعضاء الكنيست عن حزب “شاس” (وايضاً بالارثوذكسيين الاشكنازيين) ولا حاجة حتى لأن نقارنهم بشخصية أريه درعي الكريزماتية والموهوبة انما فقط بأعضاء كنيست آخرين من القائمة، لنرى بأن هناك فلتر مريتقراطي بالذات في “شاس” وبأن الحديث عن اناس اذكياء ومتمرسين بالسياسة. من المرجح بأن نتنياهو كان مستعداً لان يستبدل كافة اعضاء الكنيست الاشكنازيين في “الليكود” بمطيعيه الشرقيين- المهم بألا يكون هناك وزير امن شرقي يبدأ، لا سمح الله، بتشكيل استقلالية في المنصب المرموق الوحيد بنظر الجمهور ويحاول ان يسرق منه اصوات الشرقيين كما حدث مع يتسحاق مردخاي في حينه (نتنياهو، على فكرة، حاول القيام بانقلاب داخلي في “شاس” بواسطة الحزب الذي اقامه لصالح ايلي يشاي لكي يتخلص من درعي ولكنه لم ينجح في ذلك).

قوة الشرقيين الذين يجلسون في الحزب الحاكم الابدي تضاءلت ليس بسبب التمثيل- فهناك الكثير منه الآن- انما لأنهم لا يؤثرون على اجندة الحكم التي تحدد فقط بيد نتنياهو وحاشيته. بتحييد النشطاء الشرقيين الى الوراء بأسلوب “مباي” يحصد نتنياهو مكسباً مضاعفاً: فأولاً هؤلاء لن يضايقوه بممارسته لحكمه لأنه يستطيع دائماً تدليلهم بالطقوس المرموقة وبالألقاب: وثانياً، فإن تعيين هؤلاء الناس يجعل حتى معارضي نتنتياهو ينظرون اليه كشخص متوازن مقارنةً بالمجموعة العجيبة من مخلصيه الشرقيين حتى أن تحريضه يبدو وكأنه منضبط وغير منفلت اذا ما قورن بتحريض هؤلاء.

من المعروف بأن نتنياهو من أفضل قياديي العالم من ناحية قدرته على الظهور لكن الشيق بحق هو قدرته على ان يقول الامور الاكثر ظلامية وأن يظهر، على الرغم من ذلك، كشخص معقول، كرجل مركز متزن، وهو يقوم بذلك بالذات بواسطة استراتيجية سياسية. نتنياهو يحرص على صيانة هذه الصورة عن نفسه- كرجل يتجول بشكل طبيعي بين من يسيطرون على العالم الدولي الاقتصادي- بشكل ثابت من أجل مواطني اسرائيل. خطابه في الكونغرس الامريكي مقابل جمهور مؤيد ومشجع من اصحاب القامة الامريكان يمنحه أفضلية على السياسيين المحليين ولكن ليس هذا فقط: ففي نظر الجمهور الاسرائيلي المنفعل، نتنياهو يعتبر قدوة لشخص عنصري ومتطرف نجحت مساعيه التي تمتد على سنوات كثيرة لتصوير العرب كإرهابيين ايضاً في العالم، ومع ذلك فهو نقيض المنبوذ بنظر الشعوب الغربية بل انه مقبول ومحترم. نهايةً، بالإمكان القول بأن نتنياهو ينجح بالارتباط بأسياد العالم ويحرص على هامشية الشرقيين في معسكره- وهذا سر حكمه طويل الامد.

صحافية، محررة برامج تلفزيونية، كاتبة سيناريو، ومن مؤسسي “القوس الديمقراطي الشرقي”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.