المدارس المهنية: فصل بين الموعودين بخط الانتاج والموعودين بالقيادة!

نستشعر بالسنوات الاخيرة وجود ضغط لتوسيع التربية المهنية في إسرائيل بيد ان هناك حاجة لإجراء اصلاح شامل بهذه المنظومة بما يضمن النجاح العملي للخريجين. قبل الشروع بهكذا اصلاح علينا ان نسأل ان كان من اللائق اساساً ان نستمر بفصل الفتية والفتيات بجيل مبكر بين الموعودين بخط الانتاج والموعودين بالقيادة!
يوسي دهان

 

المدارس المهنية تتواجد في بلدات التطوير والبلدات العربية والبلدات المصنفة في اسفل السلم الاجتماعي الاقتصادي والأحياء “الجنوبية” بالمدن، لنفس السبب الذي تتواجد فيه المحطة المركزية بجنوب تل أبيب، والمصانع، الكراجات وورش العمل بالأحياء الضعيفة وليس المتمكنة، ولنفس الاعتبارات التي اقيمت بناءً عليها مصانع التكستيل، الاغذية وغيرها من خطوط الانتاح التي تتطلب مهارات اساسية فقط، اقيمت بسنوات الخمسين والستين ببلدات التطوير. حيث يشار الى هذه الظاهرة باللغة المهنية بعبارة “Not In My Back Yard” او “NIMBY” باختصار (أي “ليس بساحتي الخلفية”).

وفق تقرير مركز “ادفا” الذي صدر بالأسبوع الماضي 71% من مجمل المدارس التابعة لشبكتي التعليم المهني الأكبر- “اورط” و”عمال”- تتواجد في بلدات  بتصنيف اجتماعي اقتصادي متدني: 35 بالبلدات العربية، 43 ببلدات التطوير و- 35 اخرى بالبلدات المصنفة بالعناقيد الاجتماعية الاقتصادية 1 حتى 5. بينما في البلدات المتمكنة تتواجد المدارس المهنية، ان وجدت أصلاً، بالأحياء “الجنوبية” غالباً. في المساقات المهنية، باستثناء المساق الهندسي، نسبة الحاصلين على شهادة “بجروت” كاملة بالمدارس المهنية منخفضة مقارنةً بالمساقات النظرية. احدى النقاط المثيرة بالتقرير والتي لم يتم تداولها، كما يشير التقرير، لا على المستوى العام ولا الاكاديمي، هي العلاقة المتينة التي ترسخت منذ عام 1960 بين بلدات التطوير او الاحياء “الجنوبية” وبين المساقات المهنية بالمدارس التي تديرها هذه الشبكات وليس السلطات المحلية.

هل من اللائق بأن نستمر بفصل الفتية والفتيات منذ جيل مبكر- نهاية المرحلة الاعدادية- الى فئتين: الموعودين بالقيادة والبحث والموعدين بخط الانتاج ومهن الخدمة؟ اليس من المنطقي أكثر بأن نوفر لكل الفتية والفتيات ثقافة عامة واسعة، تشمل لقب أكاديمي أول، وفقط بعد ذلك ان نفتح امامهم الامكانيات المهنية المختلفة؟.

ففي حين تتواجد التربية الثانوية بالسلطات المحلية القوية بملكية السلطات، تمت عملياً خصخصة التربية الثانوية ببلدات التطوير، بالبلدات العربية وبالبلدات الضعيفة الاخرى لشبكات التربية المهنية وبالأساس لشبكتي “اورط” و”عمال”. هذه المدارس هي ما يسمى ب- “Charter Schools” بالمصطلحات الأمريكية أي المدارس الممولة من قبل الدولة والسلطة المحلية ولكن ادارتها تتم من قبل جهات خاصة. هذه المدارس تثير نقاشاً صاخباً في الولايات المتحدة ولكن ليست هذه هي الحال هنا.

ملكية وإدارة المدارس من قبل اطراف خاصة، خلافاً للمدارس التي تديرها السلطات المحلية، تعني حرمان المواطنين من امكانية التأثير على الحاصل بمجال مركزي جداً في حياتهم- تربية اولادهم. حرمانهم من الحق لأخذ دور بتصميم الحياة التربوية الجمعية بشكل ديمقراطي. رئيس السلطة المحلية الذي مرر المسؤولية عن تقديم خدمات التربية لأطراف خاصة بإمكانة ان ينفض يديه من المسؤولية وان يرد على شكاوى المواطنين المتعلقة بتربية اولادهم بالقول بأن شبكة التربية المهنية هي المسؤولة- شبكة تربية خاصة لا يتم انتخاب رؤسائها ومدرائها غير الملزمين بتقديم حساب للمواطنين. قدرة السلطات لإجراء رقابة على هذه الشبكات محدودة هي الأخرى بالطبع.

من المثير، كما يشير التقرير، بأن ملكية هذه المدارس أيضاً في المستوطنات لا تتواجد بيد السلطات المحلية: فكذلك هناك تتواجد هذه المدارس بملكية خاصة إلا ان ملكية المؤسسات التربوية تتواجد بيد السكان وليس بيد شبكة تربية خاصة: أي ان المدارس تتواجد بملكية جمعيات محلية تدار من قبل السكان وتمنح اولادهم تربية نظرية بمستوى عالي وليس فقط تربية مهنية.

نستشعر بالسنوات الاخيرة وجود ضغط لتوسيع التربية المهنية بإسرائيل بيد ان هذا الضغط يثير التساؤلات اذا ما اخذنا بعين الاعتبار بأن نسبة الطلاب الذين يتعلمون بالمساقات التكنولوجية وصل بسنة 2014 الى ما يقارب ال- 40%، وهي النسبة التي لا تقل عن المعدل بالدول الاوروبية الغربية.

لذا يبدو بأن هذا الضغط لتوسيع التربية المهنية لا يعكس بالضرورة حاجة لخريجين اضافيين انما سعي لتربية مهنية من نوع آخر- كالتربية المهنية في المانيا مثلاً. التربية المهنية بإسرائيل (باستثناء المساق الهندسي) هي فئة متخلفة أي ان الذين يتعلمون هناك هم من وجدوا غير مناسبين للتعلم بالمساق النظري. بجزء كبير من المساقات المهنية يكون التعليم بمستوى متدني اكثر مقارنة بالمساقات النظرية: الخريجين لا يحصلون على ترخيص مهني معترف به من قبل اصحاب العمل: وينهي الطلاب تعليمهم دون أي تجربة مهنية عملية: أو كما قيل بوثيقة لمنظمة “OECD” فالخريجين يحملون بكثير من الاحيان شهادة لا تقود لأي مكان.

في ألمانيا، بالمقابل، هناك تجربة طويلة بالتعليم المهني الذي يشتمل على تدريب عملي بمصانع مختارة من قبل الحكومة: المتدربون يحصلون على اجور، وبالنسبة للكثير منهم يشكل مساق التدريب العملي فاتحة لعمل ثابت بالمصنع مع نهاية التعليم: الى ذلك، يتم ضمان شروط العمل والأجر باتفاقات جماعية اما شروط الاعتراف والشهادة فتحدد بالتعاون مع اصحاب العمل والنقابات المهنية: في نهاية التعليم تبقى هناك امكانية امام الخريجين لاستكمال تعليمهم بكلية تكنولوجية وبعد الاستكمالات بالجامعة حتى.

اذا كان هذا هو قصد هؤلاء الذين يضغطون لتوسيع صفوف التربية المهنية بإسرائيل فالمطلوب اذاً ليس توسيع المساقات المهنية القائمة انما اصلاح شامل على عدة مستويات: مستوى التعليم بالمدارس، آليات الرقابة بوزارة التربية، قوانين العمل، منظومة الاجور، التعاون مع اصحاب العمل والنقابات المهنية وغير هذه.

ولكن قبل الشروع بإصلاح واسع من هذا النوع يجدر بنا أن نسأل ان كان هذا هو الاتجاه الذي يريد المجتمع الاسرائيلي اتباعه. هل من اللائق بأن نستمر بفصل الفتية والفتيات منذ جيل مبكر- نهاية المرحلة الاعدادية- الى فئتين: الموعودين بالقيادة والبحث والموعدين بخط الانتاج ومهن الخدمة؟ اليس من المنطقي أكثر بأن نوفر لكل الفتية والفتيات ثقافة عامة واسعة، تشمل لقب أكاديمي أول، وفقط بعد ذلك ان نفتح امامهم الامكانيات المهنية المختلفة؟.

محاضر بمجال القانون ومدير أكاديمي في “وحدة حقوق الانسان” في المركز الأكاديمي للقانون والأعمال في رمات جان، يدرس الفلسفة في الجامعة المفتوحة، ويرأس مركز “ادفا” لدراسة المجتمع في إسرائيل.

للإطلاع على التقرير الكامل “أين النصف الآخر: الشبيبة التي لن تنال شهادة البجروت”(متوفر باللغة العبرية فقط).

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.